البقرة سنام القرآن.. الجزء الأول

الثلاثاء، 03 أكتوبر 2017 12:00 ص

وكما آخر كلمات سورة الفاتحة الدعاء جاءت مرتبطة ببداية سورة البقرة هدى للمتقين؛ فكأن اهدنا الصراط المستقيم في الفاتحة هو الهدى الذي ورد في سورة البقرة، وعن معقل بن يسار أن رسول الله  قال "البقرة سنام القرآن ومع كل آية منها ثمانون ملكاً واستخرجت "الله لا إله إلا هو الحي القيوم" من تحت العرش فوصلت بها أو فوصلت بسورة البقرة، .."، وكذلك قول الرسول الله –صلى الله عليه وسلم- "لا تجعلوا بيوتكم قبورا فإن البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان".

سُمَّيت بهذا الاسم، لاشتمالها علي قصة البقرة، كما أن هذه السورة من أوائل ما نزل من السور على النبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ- في المدينةِ بعدَ الهجرةِ ومع بداية تأسيس الامة الإسلامية، وتُعد أطول سور القرآن على الإطلاق وأول سورة في الترتيب بعد الفاتحة والمرجح أن آياتها لم تنزل متوالية كلها .

تتابعتْ الآياتُ في النزولِ علي مدارِ العشرِ سنينَ التي عاشَها النبيُّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- في المدينةِ حتى كانَ منَ الآياتِ التي أنزلتْ في سورةِ البقرةِ آخرُ آيةٍ نزلتْ في القرآنِ الكريمِ كلِّه وهي قولُ الله تعالى "وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ" ( سورة البقرة، 281)، وآياتُها مائتانِ وستٌ وثمانون آية، وحيث قالَ العلماءُ "اشتملتْ هذه السورةُ الكريمةُ علي ألفِ أمرٍ وألفِ نهيٍ وألفِ خبرٍ، وألفِ حُكْمٍ، وخمسةَ عشرَ مثلا".

وهدف السورة الإستخلاف في الأرض ولذا جاء ترتيبها الاول في المصحف؛ فالأرض ملك لله  وهو خلقها وهو يريد ان تسير وفق إرادته فلا بد أن يكون في الأرض من هو مسؤول عنها فالبشر هم المسؤولون عن الأرض وقد استخلف الله تعالى قبل آدم الكثير من الأمم وبعد آدم أيضاً فمنهم من فشل في مهمة الاستخلاف ومنهم من نجح، لذا عندما نقرأ السورة يجب علينا أن نستشعر مسؤولية في خلافة الأرض، وكأنّ القرآن يخاطبنا قائلاً اعلموا أنّ الأرض هذه ملك لله، والله هو مالك الكون خلقكم وملَّككم الأرض لكي تُديروها وفقاً لمنهج الله.

تدور مجمل سورة البقرة حول موقف بني إسرائيل من الدعوة الإسلامية، وكذلك موقف الجماعة المسلمة الناشئة و إعدادها لحمل أمانة الدعوة والخلافة في الأرض.

استُفتِحتْ سورة البقرة بالمقدمة وفيها وصف أصناف الناس وهي تقع في الربع الأول من السورة من الآية (1 – 29)، وحيث وصف المؤمنينَ ظاهراً وباطناً من الآية(1 حتى الآية 5)، وصف الكافرينَ ظاهراً وباطناً(الآية 7 و8)، وأيضاً وصف المنافقينَ المؤمنينَ في الظاهرِ دونَ الباطنِ، يتبن من وصف المنافقين في سورة البقرة المدنية أن صفة النفاق لم تكن موجودة بمكة فالإسلام في مكة لم تكن له دولة ولم تكن له قوة ولكن بدأت تظهر هذه الصفة في المدينة عندما أصبح للإسلام قوة يحسب حسابها .

وتوجَّهتْ بالخطابِ إلي الناسِ أجمعينَ بأصنافِهم الثلاثةِ حيث أن يكونوا من المؤمنين الصادقين بأمرِهم بعبادةِ اللهِ عزَّ وجلَّ؛ لأنه لا يستحقُ العبادةَ أحدٌ سواهُ سبحانَه وتعالي، ثم تحدي المرتابين فيه بأن يأتوا بسورة منمثله وتهديد الكافرين بالناروتبشير المؤمنين بالجنة من الأية (21حتى الآية 29)، ومن ثم تحدثتْ السورةُ الكريمةُ عن قصةِ خلقِ آدمَ ُووصف المعركة الخالدة بين أدم والشيطان واستخلاف آدم في الأرض وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ..) (الآية 30)، ما يتوضح أتبع الله –عز وجل- هذه الآية بـ (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) (آية 31)

وكما تعني أنه إذا أراد العبد أن يكون مسؤولاً عن الأرض يجب أن يكون عنده علم لذا علّم الله تعالى الاسماء كلها وعلّمه الحياة، والاستخلاف في الأرض "الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ"(آية 22)؛ فكأن تجربة سيدنا آدم هي تجربة تعليمية للبشرية، ثم جاءت الآية "فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ" ( آية 36) ترشدنا أن النعمة تزول بمعصية الله تعالى، وكذلك تختم قصة آدم بآية مهمة جداً "قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ" (آية 38)، وهي تؤكد ما ورد في أول سورة البقرة (هدى للمتقين) ومرتبطة بسورة الفاتحة إهدنا الصراط المستقيم).

وثم تحدثتْ عن بني إسرائيلَ فيما يقربُ من ثلثِ السورةِ؛  كقول الله تعالى " يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ" (47)، وكيف كان تذكير الله لبني إسرائيل بنعمته عليهم خلال تاريخهم الطويل، وبداية من نجاتهم من فرعون وتظليل الغمام عليهم وتنزيل المن والسلوى عليهم وتفجير الصخر بالماء، وكذلك تذكيرهم بما كان منهم من انحرافات عدة وكيف أن الله يعفوعنهم في كل مرة،  ودعوتهم للوفاء بعهدهم والتنديد ببعض أفعالهم من الآية 40 حتى الآية 48.

ومن هذه الانحرافات نقضهم للعهد والمواثيق مع ربهم وأنبيائهم قتلهم للأنبياء بغير حق وكفرهم بآيات ربهم وعبادتهم للعجل ورفضهم الإيمان بما جاء به نبيهم حتى يروا الله جهرة ومخالفتهم وصية الله لهم و هي أن يدخلوا القرية بكيفية معينة واعتدائهم في السبت و نسيانهم ميثاق الطور وتماطلهم وتجادلهم في ذبح البقرة التي أمر الله بذبحها لحكمة خاصة من الآية 49 حتى الآية 74.

و تبصير الجماعة المسلمة بمواقف بني إسرائيل التي يتجلى فيها العصيان والانحراف وإحْجام ورُجُوع عن العهود والمواثيق، وحيث أول كلمة في قصة بني اسرائيل "يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ" وأول كلمة في الفاتحة "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" (2) والحمد يكون على النعم؛ فذكر نعم الله تعالى واستشعارها هي التي افتتح بها القرآن الكريم والتي افتتحت بها قصة بني اسرائيل.

وأول كلمة في قصة بني اسرائيل "وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ" (47) أي أنهم مسؤولون عن الأرض، وأول كلمة في قصة آدم "إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ" أي مسؤول عن الارض، .ثم عرض أخطاء بني إسرائيل؛ بهدف اصلاح حال العباد الآيات(55 – 61)، وفي عرض أخطاء بني اسرائيل التي وقعوا فيها توجيه لأمة محمد  واصلاحها ومن هذه الأخطاء: أن بني اسرائيل لم يرضوا تنفيذ شرع الله تعالى واتصفوا بالمادية  -الجدل الشديد- عدم طاعة رسل الله -التحايل على شرع الله- عدم الإيمان بالغيب.

 

 

اضافة تعليق