مفاهيم إفتائية.. المفهوم «15»: القياس

الثلاثاء، 03 أكتوبر 2017 12:00 ص

والقياس يقع في المصدر الرابع من مصادر التشريع الإسلامي بعد الكتاب، والسنة، والإجماع، فالقرآن أصل الأصول؛ فالسنة شارحته، ومبينة مجمله، غير أنها قد تستقل بتشريع أحكام لم ينصّ عليها فيه؛ وأما المصدر الثالث، فهو الإجماع، ومعناه: "اتفاق مجتهدي الأمة بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- في عصر على أي أمر كان"، ومن ثم يأتي القياس. 
 
فقد اقتضت حكمة الله تعالى أن تكون النصوص الشرعية محصورة من حيث العدد، بينما الوقائع والحوادث - التي تجري في حياة الناس - لا حصر لها، وهي متجددة متكاثرة على تعاقب الأيام والليالي، وحيث أن المطلوب من فقهاء الإسلام أن يبينوا للناس حكم الله تعالى في كل واقعة من وقائع الحياة، وإن لم يكن حكمها منصوصًا عليه؛ وذلك لأنَّ الشريعة الإسلامية لا تنحصر في الشعائر التعبدية، وإنما هي منهج الله الذي ينظم حياة البشر، بكل جوانبها، ومختلف نواحيها، وما من حركة يتحركها الإنسان في حياته إلا وقد وضع الشارع - سبحانه وتعالى- لها حكمًا يبين مراد الله فيها: من حل، وحرمة، وغيرهما من أحكام الشرع الحنيف، فكان لا بد من أداة يتمكن بها الفقهاء المجتهدون من التصدي لبيان أحكام الوقائع غير المحصورة، من خلال النصوص المحصورة.
 
ويقع القياس على رأس هذه الأدوات؛ إذ هو الذي يمكن المجتهدين من إثبات حكم النظير المنصوص عليه؛ لنظيره المسكوت عنه، فلا يقف الشرع الحنيف عاجزًا عن بيان مراد الحق من الخلق، مهما اختلفت الأزمنة، وتعددت الأمكنة.
 
القياس من الأدلة المتفق عليها، يعني في اللغة التقدير، والمساواة، وأما في اصطلاح، حيث عرف ابن الحاجب بأنه: مساواةُ فرعٍ الأصلَ في علةِ حكمه، وإذا كان لدينا فعل من أفعال المكلفين نص الشارع على حكمه، كتناول الخمر مثلًا، حيث نص الشرع على حرمته، وفعلٌ آخر لم ينص الشارع على حكمه بخصوصه، إلا أنه يشتمل على وصف مشترك بينه وبين الفعل الذي نص الشارع على حكمه، وهذا الوصف المشترك يناسب حكم الفعل المنصوص عليه، فنحكم على الفعل الذي لم ينص عليه بنفس حكم الفعل المنصوص عليه بسبب وجود الوصف المناسب في كلا الفعلين.
 
ومثال ذلك: تناول "البيرة"، فهو فعل لم ينص الشارع عليه بخصوصه، لكنا لما تأملنا في أوصاف " البيرة" وجدنا أن منها وصف: الإسكار، ووجدنا أن وصف الإسكار موجود في الخمر الذي نص الشارع على حرمته، ووجدنا أن وصف الإسكار هو الوصف الوحيد من أوصاف الخمر الذي يناسب كونه حرامًا ومحظوراً؛ لما يترتب على الإسكار من مفاسدَ لا تخفى على عاقل، فجعلنا الإسكار هو العلة في تحريم الخمر؛ ولما وجدنا "البيرة" تشترك مع الخمر في علة الإسكار، تعين علينا أن نحكم عليها بنفس حكم الخمر؛ إذ لا فرق مؤثرًا بينهما.
 
الفرق بين الإجماع والقياس، وحيث أن الإجماع راجعاً إلى النص، كالقياس، وكما أن الإجماع - في مجمله - حجة قطعية عند الجمهور، بخلاف القياس، فإنه دليل ظني في الأعم الأغلب، والدليل القطعي أعلى مرتبة من الدليل الظني هذا هو الترتيب بين القياس والإجماع من حيث المرتبة، وأما من حيث التاريخ -أعني أسبقية العمل- فالعمل بالقياس سابق على العمل بالإجماع؛ لأنَّ العمل بالقياس قد جرى في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأما الإجماع، فلم ينعقد أصلًا في حياته - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن العمل به في حياته لا فائدة منه مع نزول الوحي بأحكام الوقائع.
 
وأهمية القياس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - طبقه تطبيقاً عمليًّا حين أجراه بنفسه في بعض الوقائع؛ ليعلمه أصحابه، ويدربهم عليه، وهذا؛ فيدل على معرفته - صلى الله عليه وسلم - بمسيس حاجة الأمة من بعده لهذا الدليل العظيم، وقيامه - صلى الله عليه وسلم - بتحصين مستقبل المنهج الفقهي الإسلامي، وذلك بإمداده بأداةِ تجدد حيويته عبر العصور.
 
القياس له أركان ومنها: الأصل الذي يقاس عليه، كالخمر مثلا، فهو أصلٌ قيس عليه كل مُسكِر من المسكرات التي لم يُنصَّ عليها في الكتاب والسنة، والفرع الذي يقاس على الأصل، ويأخذُ حكمَه: كالنبيذ، الذي قيس على الخمر في الحرمة، وأيضاً حكم الأصل الذي ينسحب على الفرع في القياس، كالحرمة، فهي الحكم الشرعي لتناول الخمر، وبيعه. 
 
والعلة المشتركة، الجامعة بين الأصل والفرع، والتي توجب انتقال حكم الأصل للفرع: كالإسكار، فهو الوصف المشترك بين الخمر والنبيذ، وبسبب الاشتراك فيه وكونِه مناسبًا للحرمة - انتقل حكم الخمر إليه، فقلنا: النبيذ حرام، قياسا على الخمر، بجامع اشتراكهما في علة الإسكار، وحيث أن الأصوليين مَن جعل العلة هي ركن القياس الأوحد، وجعل ما عداها شروطًا  للقياس، لا أركانًا. 
 
ويتبين أهمية العلة في القياس أنها سبب إمكان تعدي مثل الحكم من الأصل إلى الفرع؛ إذ الذي يوجب ذلك التعدي هو اشتراكهما في العلة، ومضيفاً إلى هذا أنَّ ترتيب الشارع الحكمَ على العلة هو الذي يظهر به مقصود الشارع من تشريع الأحكام، وهو:أن تكون الشريعة محققة لما تفتقر إليه حياة المكلفين من: جلب المصالح التي عليها قوام عيشهم، ودفع المفاسد التي فيها شقاؤهم وهلاكهم. فيتبين بهذا أنَّ هذه الشريعة معقولة، تقوم أحكامها على أساس من المنطق السديد والحكمة البالغة، التي تَظهر لمن أنعم النظر وأعمل الفكر، ولا يخفى أنَّ هذا يفيد في رد شبهة التعارض بين العقل والنقل، المصدر: الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم.

اضافة تعليق