اليهود.. تاريخ حافل بالغدر والخيانة

الإثنين، 02 أكتوبر 2017 12:00 ص

ومن هذا  الذكر الأسود الذي ذكر به  اليهود في  القرآن الكريم، ما ذكروا به في  سورة البقرة في ما يقرب من جزء كامل بينما سبق ذكرهم مع ذكر ثلاث طوائف من الناس غيرهم لم يستغرق أكثر من عشرين آية، أربع ذكر فيها خير البرية المتقون، وثنتان ذكر فيها شر البرية الكافرون، وثلاثة عشر آية ذكر فيها المنافقون، وهم الذين يظهرون الإسلام ويبطون الكفر،
 
وقد أطال الله -تبارك وتعالى- الحديث عن المنافقين ليعرفهم المؤمنون فيحذروهم، ولكن خطر  النفاق وإِن عظم فهو قليل بالنسبة لخطر  اليهود، وكيف لا و اليهود لعنهم الله هم الذين أضلوا المنافقين والمشركين على حد سواء، ولذلك سماهم الله -تبارك وتعالى- شياطين فقال -تعالى- في حديثه عن المنافقين: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ ءَامَنُوا قَالُوا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوا إِلَى شَيَاطِينِهِم قَالُوا إِنَّا مَعَكُم إِنَّمَا نَحنُ مُستَهزِئُونَ(14)}(البقرة)،
 
لا جرم إذن تحدث الله -تبارك وتعالى- عن  اليهود في  سورة البقرة فيما يقرب من مائة آية، وذلك ليعرفهم المسلمون وغيرهم من الناس على حد سواء فيحذروهم ويتقوا شرهم، فإِنَّ عداوة  اليهود لا تنحصر في عداوتهم للمسلمين، وإِنَّما  اليهود يعادون المسلمين، ويعادون النصارى، ويعاون سائر الناس، وذلك أَنَّ  اليهود لعنهم الله يرون أنفسهم أفضل الأجناس، فهم في عقيدتهم أَنَّهم  الجنس السامي،  الجنس الراقي، شعب الله المختار، يجب أَن يكون الناس جميعاً لهم عبيداً، والذي يمعن النظر في هذه الآيات المباركات في  سورة البقرة  يرى أَنَّ الله -تبارك وتعالى- وصف  اليهود -لعنهم الله- بأقبح الصفات، فكيف وهذه الصفات كلها مجتمعة فيهم،
 
ومن هذه الصفات القبيحة التي ذم الله -تبارك وتعالى- بها  اليهود:
 
أنهم كانوا دائماً ينقضون عهد الله وميثاقه، وكانوا يلبسون الحق بالباطل، وكانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم.
 
وكانوا يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه، وكانوا يخادعون الذين أمنوا فإذا لقوهم قالوا أمنا وإذا خلى بعضهم إلى بعض، حذر بعضهم بعضاً من إطلاع المسلمين على علمهم بصدق  النبي -صلى الله عليه وسلم- وصحة رسالته، وكانوا يعادون المسلمين، وكانوا يتمنون أَن يردون بعد إسلامهم كافرين.
 
وكانوا يكرهون لهم الخير، وكانوا يتربصون بهم السوء، وكانوا لعنهم الله يزعمون أَنَّهم وحدهم هم المهتدون وغيرهم من الناس ضالون، وكانوا لعنهم الله يكرهون جبريل -عليه السلام- لأَنَّه هو الذي حمل الوحي إلى محمد -صلى الله عليه وسلم- دونهم، وكانوا مصدر إيحاء وتوجيه للمنافقين كما كانوا دائماً مصدر تشجيع للمشركين.
 
أو ليس قد قلت أَنَّ صفة واحدة من هذه الصفات القبيحة تكفي الناس من أَن يتقوهم ويخالفوهم، وكيف وهذه الصفات القبيحة كلها مجتمعة فيهم؟!
 
أَمَّا الصفة الأولى: الغدر والخيانة
 
قد كان  اليهود دائماً ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، وقد تكرر في  سورة البقرة تذكيرهم بهذا الغدر وهذه الخيانة، وتذكيرهم بنقض عهد الله من بعد ميثاقه وتكرر ذمهم على ذلك في  سورة البقرة أربع مرات ففي الآية (63) و(64) من  سورة البقرة قال الله -تعالى-: {وَإِذ أَخَذنَا مِيثَاقَكُم وَرَفَعنَا فَوقَكُمُ الطٌّورَ خُذُوا مَا ءَاتَينَاكُم بِقُوَّةٍ, وَاذكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُم تَتَّقُونَ(63)ثُمَّ تَوَلَّيتُم مِن بَعدِ ذَلِكَ فَلَولاَ فَضلُ اللَّهِ عَلَيكُم وَرَحمَتُهُ لَكُنتُم مِنَ الخَاسِرِينَ(64)}(البقرة)
 
»عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أَنَّ موسى -عليه السلام- لَمَّا رجع من عند ربه بالألواح قال لهم: إِنَّ فيها كتاب الله فقالوا: لن نأخذ بقولك حتى نرى الله جهرة، فيقول هذا كتابي فخذوه فأخذتهم الصاعقة فماتوا ثم أحياهم، ثم قال لهم: بعد ذلك: خذوا كتاب ربكم فأبوا فرفع فوقهم الجبل جبل الطور، وقيل لهم: خذوا الكتاب وإِلاَّ طرحناه إليكم فأخذوه «()، ثم نبذوه وراء ظهورهم فلم يعملوا به ولذلك قال -تعالى-: {ثُمَّ تَوَلَّيتُم مِن بَعدِ ذَلِكَ}[البقرة]، أي ثم أعرضتم عن الميثاق و الوفاء به.
 
قال القفال: (فحرفوا التوراة وتركوا العمل بها، وقتلوا الأنبياء وكفروا بهم وعصوا أمرهم).
 
فكان لسان حالهم مؤيداً لسان قيلهم سمعنا وعصينا ولذلك قال -تعالى-: {وَإِذ أَخَذنَا مِيثَاقَكُم وَرَفَعنَا فَوقَكُمُ الطٌّورَ خُذُوا مَا ءَاتَينَاكُم بِقُوَّةٍ, وَاسمَعُوا قَالُوا سَمِعنَا وَعَصَينَا(93)}(البقرة).
 
وأَمَّا الموضع الثالث الذي صرح الله فيه بغدر  اليهود وخيانتهم ونقضهم عهد الله من بعد ميثاق قوله تعالى: {وَإِذ أَخَذنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسرَائِيلَ لاَ تَعبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالوَالِدَينِ إِحسَانًا وَذِي القُربَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيتُم إِلاَّ قَلِيلاً مِنكُم وَأَنتُم مُعرِضُونَ(83)وَإِذ أَخَذنَا مِيثَاقَكُم لاَ تَسفِكُونَ دِمَاءَكُم وَلاَ تُخرِجُونَ أَنفُسَكُم مِن دِيَارِكُم ثُمَّ أَقرَرتُم وَأَنتُم تَشهَدُونَ(84)}[البقرة]، وهذه الآية تدل على وحدة الدين ووحدة أصوله وهي كقوله -تعالى-: {وَاعبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشرِكُوا بِهِ شَيئًا وَبِالوَالِدَينِ إِحسَانًا وَبِذِي القُربَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَالجَارِ ذِي القُربَى وَالجَارِ الجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَت أَيمَانُكُم إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبٌّ مَن كَانَ مُختَالاً فَخُورًا(36)}( النساء).
 
فأصل الدين هو  التوحيد ومعناه إفراد الله -تعالى- بالعباد بحيث لا يعبد غيره ولا يعبد معه غيره، إِنَّمَا يعبد وحده لا شريك له، ولهذا أرسل الله الرسل وأنزل الكتب، قال -تعالى-: {وَمَا أَرسَلنَا مِن قَبلِكَ مِن رَسُولٍ, إِلاَّ نُوحِي إِلَيهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعبُدُونِ(25)}[الأنبياء]، وقال -تعالى-: {وَلَقَد بَعَثنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ, رَسُولاً أَنِ اُعبُدُوا اللَّهَ وَاجتَنِبُوا الطَّاغُوتَ(36)}(النحل)،
 
ولذلك أنكر موسى وهارون -عليهما السلام- على بني إسرائيل عبادتهم العجل من دون الله قال -تعالى-: {فَأَخرَجَ لَهُم عِجلاً جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُم وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ(88)أَفَلاَ يَرَونَ أَلاَّ يَرجِعُ إِلَيهِم قَولاً وَلاَ يَملِكُ لَهُم ضَرًّا وَلاَ نَفعًا(89)وَلَقَد قَالَ لَهُم هَارُونُ مِن قَبلُ يَا قَومِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمرِي(90)}(طـه).
 
وأنكر عيسى -عليه السلام- أيضاً على بني إسرائيل عبادة غير الله قال -تعالى-: {لَقَد كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ المَسِيحُ ابنُ مَريَمَ وَقَالَ المَسِيحُ يَا بَنِي إِسرَائِيلَ اعبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُم إِنَّهُ مَن يُشرِك بِاللَّهِ فَقَد حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيهِ الجَنَّةَ وَمَأوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن أَنصَارٍ,(72)}(المائدة).
 
وأنكر محمد -صلى الله عليه وسلم- على قومه فقال لهم: {فَفِرٌّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِنهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (50)وَلاَ تَجعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ إِنِّي لَكُم مِنهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ(51)}(الذاريات).
 
ولَمَّا أخذ الله الميثاق على بني إسرائيل أَن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً وذلك أعظم الحقوق على الإطلاق ثنى بحق  الوالدين والأقربين وثلث بحق المجتمع كله في إحسانه بعضه إلى بعض ليعشوا في سلم وسلام وأمن وأمان، ومع أَنَّ  الوفاء بهذا العهد واحترام هذا الميثاق فيه الخير لهم إِن قام به في  الدنيا والآخرة على حد سواء، إِلاَّ أَنَّ  اليهود هم  اليهود فقد نقضوا عهد الله من بعد ميثاقه ونبذوه وراء ظهورهم، ولذلك قال -تعالى- لهم: {ثُمَّ تَوَلَّيتُم إِلاَّ قَلِيلاً مِنكُم وَأَنتُم مُعرِضُونَ(83)}[البقرة]، أي توليتم معرضين، (لأَنَّ المتولي قد يتولى وله نية رجوع إلى ما تولى عنه، وهؤلاء ليس لهم رغبة ولا رجوع في هذه الأوامر).
 
والموضع الرابع قوله -تعالى-: {وَإِذ أَخَذنَا مِيثَاقَكُم لاَ تَسفِكُونَ دِمَاءَكُم وَلاَ تُخرِجُونَ أَنفُسَكُم مِن دِيَارِكُم ثُمَّ أَقرَرتُم وَأَنتُم تَشهَدُونَ(84)ثُمَّ أَنتُم هَؤُلاَءِ تَقتُلُونَ أَنفُسَكُم وَتُخرِجُونَ فَرِيقًا مِنكُم مِن دِيَارِهِم تَظَاهَرُونَ عَلَيهِم بِالإِثمِ وَالعُدوَانِ وَإِن يَأتُوكُم أُسَارَى تُفَادُوهُم وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيكُم إِخرَاجُهُم أَفَتُؤمِنُونَ بِبَعضِ الكِتَابِ وَتَكفُرُونَ بِبَعضٍ, فَمَا جَزَاءُ مَن يَفعَلُ ذَلِكَ مِنكُم إِلاَّ خِزيٌ فِي الحَيَاةِ الدٌّنيَا وَيَومَ القِيَامَةِ يُرَدٌّونَ إِلَى أَشَدِّ العَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ, عَمَّا تَعمَلُونَ(85)}(البقرة).
 
وكانت قبائل من  اليهود هاجرت إلى المدينة انتظار بعثة  النبي الخاتم، وكان أهل المدينة الأوس والخزرج فنزلت عليهم فرق  اليهود الثلاث: بني قريظة، وبني قينقاع، وبني النضير فحالفت كل فرقة من  اليهود فرقة من أهل المدينة: (فكان بنو قينقاع ونبو النضير حلفاء الخزرج، وكان بنو قريظة حلفاء الأوس، فكانت الحرب إذا نشبت بينهم قاتل كل فريق مع حلفائه، فيقتل  اليهودي أعداءه وقد يقتل  اليهودي  اليهودي من الفريق الآخر، وهذا حرام عليهم بنص ميثاق الله معهم، وكانوا يخرجونهم من ديارهم إذا غلب فريقهم وينهبون أمو الهم ويأخذون سباياهم، وهذا حرام عليهم بنص ميثاق الله معهم، ثم إذا وضعت الحرب أوزارها فادوا الأسارى، وفكوا أسر المأسورين من  اليهود من هنا أو هناك عندهم أو عند حلفائهم على السواء، وذلك عملاً بحكم التوراة)، (فعملوا بالأخير وتركوا الأولين ومن ثم يأتيهم الإنكار المتضمن للتوبيخ {أَفَتُؤمِنُونَ بِبَعضِ الكِتَابِ} وهو فداء الأسرى {وَتَكفُرُونَ بِبَعضٍ,} وهو القتل والإخراج).
 
(فَمَا جَزَاءُ مَن يَفعَلُ ذَلِكَ مِنكُم إِلاَّ خِزيٌ فِي الحَيَاةِ الدٌّنيَا) وقد وقع ذلك فأخزهم الله وسلط رسوله عليهم، فقتل من قتل منهم وسبى من سبى منهم، وأجلى من أجلى {وَيَومَ القِيَامَةِ يُرَدٌّونَ إِلَى أَشَدِّ العَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ, عَمَّا تَعمَلُونَ(85)}(البقرة).
 
(ثُمَّ أَقرَرتُم) والإقرار سيد الأدلة، {وَأَنتُم تَشهَدُونَ} بهذا الميثاق وتشهدون بهذا الإقرار.
 
ثم بين -سبحانه- السبب في نقضهم العهد وإيمانهم بما يشتهون وكفرهم بما يكرهون فقال -تعالى-: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشتَرَوُا الحَيَاةَ الدٌّنيَا بِالآخِرَةِ(86)}(البقرة)،
 
» وقصة شرائهم الحياة  الدنيا بالآخرة هنا في هذه المناسبة هي الدافع لهم على مخالفة ميثاقهم مع الله هو استمساكهم بميثاقهم مع المشركين في حلف يقتضي مخالفة دينهم وكتابهم، فإِنَّ انقسامهم فريقين، وانضمامهم إلى حلفين هي هي خطة إسرائيل التقليدية في إمساك العصا من الوسط، والانضمام إلى المعسكرات المتطاحنة كلها من باب الاحتياط لتحيقي بعض المغانم على أية حال، وضمان مصالح  اليهود في النهاية، سواء انتصر هذا المعسكر أم ذاك، وهي خطة من لا يثق بالله ولا يستمسك بميثاقه، ويجعل اعتماده كله على الدهاء ومواثيق الأرض، والاستنصار بالعباد لا برب العباد.
 
و الإيمان يحرم على المؤمن الدخول في حلف يتناقض وميثاقهم مع ربهم، ويتناقض مع تكاليف شريعتهم، باسم المصلحة أو الوقاية، فلا مصلحة إِلاَّ في اتباع دينهم، ولا وقاية إِلاَّ بحفظ عهدهم مع ربهم«.
 
قال -تعالى-: {وَلَقَد أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسرَائِيلَ وَبَعَثنَا مِنهُمُ اثنَي عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُم لَئِن أَقَمتُمُ الصَّلاَةَ وَءَاتَيتُمُ الزَّكَاةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرتُمُوهُم وَأَقرَضتُمُ اللَّهَ قَرضًا حَسَنًا لأُكَفِّرَنَّ عَنكُم سَيِّئَاتِكُم وَلأُدخِلَنَّكُم جَنَّاتٍ, تَجرِي مِن تَحتِهَا الأَنهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعدَ ذَلِكَ مِنكُم فَقَد ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ(12)}(المائدة).
 
ذلك عهد  اليهود من عهد الله وميثاقه {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنهُم(100)}[البقرة]، وكذلك موقفهم من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلقد جمع الله به شمل الأوس والخزرج بعد فرقة، وألف بينهم بعد عداوة، فآمنوا برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعزروه ونصروه وبايعوه على حمايته مما يحمون منه نساءهم وصبيانهم إِن هو هاجر إليهم، فهاجر -صلى الله عليه وسلم- بعد أَن إذن الله له فوفوا له وبروا وصدقوا ودخل -صلى الله عليه وسلم- المدينة وبها الفرق  اليهودية الثلاث بنو النضير ونبو قينقاع ونبو قريظة فرفع -صلى الله عليه وسلم- راية السلام من أول ساعة وطئت فيها قدمه المدينة وأعلنها صريحة: (أَيٌّهَا النَّاسُ أَفشُوا السَّلاَمَ وَأَطعِمُوا الطَّعَامَ وَصَلٌّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلاَمٍ)(2).
 
وبدأ هو -صلى الله عليه وسلم- بنفسه في إرساء قواعد السلام بالمدينة فصالح  اليهود على أَن يجاوره في أمن وأمان وسلم وسلام {لَكُم دِينُكُم وَلِيَ دِينِ(6)}[الكافرون]، على أَن يكونوا جميعاً يداً واحدة على من أراد المدينة بسوء، وظل  النبي -صلى الله عليه وسلم- وفياً لهم حتى غلبتهم طبيعتهم والطبع دائماً يغلب التطبع، فنقضوا عهدهم فسلط الله رسوله عليهم فأجلى من أجلى منهم وقتل من قتل منهم كما بيناه قبل ذلك بالتفصيل في دروس السيرة.
 
وهاهم اليوم ينقضون العهود والمواثيق، ويستأسدون على مواطنين عُزل لا حول لهم ولا قوة، وتنطلق أصواتهم بالتهديد مرة بعد مرة، غرهم بالله الغرور، وخدعتهم صورة التفرق التي ظهر بها المسلمون، فنسي أعداء الله أَنَّ المسلمين وإِن تفرقوا في الظاهر فهم متحدون في الباطن لأَنَّهم أصحاب عقيدة واحدة يعبدون رباً واحداً، يستقبلون قبلة واحدة، ويتحاكمون إلى شريعة واحدة، ومن كان كذلك سهل عليهم الاجتماع بعد التفرق، بخلاف أعداء الله  اليهود وحلفائهم الذين اجتمعت أبدانهم وتفرقت قلوبهم فكانوا كما وصفهم الله -تعالى: {تَحسَبُهُم جَمِيعًا وَقُلُوبُهُم شَتَّى(14)}(الحشر).

اضافة تعليق