ثلاثة أسرار لاستجابة الله للدعاء

الأحد، 01 أكتوبر 2017 12:00 ص

وبتأمل دعاء الأنبياء والصالحين في القرآن، يمكن ملاحظة أن الله قد استجاب كل الدعاء، ولم يخذل أحداً من عباده، وسر هذا الأمر ذكر في سورة الأنبياء بالقرآن الكريم، كالتالي :  
 
سيدنا نوح عليه السلام يدعو ربه أن ينجيه من ظلم قومه، يقول تعالى: "وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ"، وهنا يمكن ملاحظة أن الاستجابة تأتي مباشرة بعد الدعاء. 
 
ويأتي من بعده سيدنا أيوب عليه السلام بعد أن أنهكه المرض فيدعو الله أن يشفيه، يقول تعالى: "وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ"، وهنا نجد أن الاستجابة تأتي على الفور فيكشف الله المرض عن أيوب عليه السلام. 
 
ثم ينتقل الدعاء إلى مرحلة صعبة جداً عندما كان سيدنا يونس في بطن الحوت، فماذا فعل وكيف دعا الله وهل استجاب الله تعالى دعاءه؟ يقول تعالى: "وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ"، إذ جاءت الاستجابة لتنقذ سيدنا يونس من هذا الموقف الصعب وهو في ظلمات متعددة: ظلام أعماق البحر وظلام بطن الحوت وظلام الليل. 
 
أما سيدنا زكريا فقد كان دعاؤه مختلفاً، فلم يكن يعاني من مرض أو شدة أو ظلم، بل كان يريد ولداً تقر به عينه، فدعا الله: "وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ"، وقد استجاب الله دعاءه مع العلم أنه كان كبير السن ولا ينجب الأطفال، وكانت زوجته أيضاً كبيرة السن. ولكن الله قادر على كل شيء.
 
*سر إجابة الدعاء : 

وبعد ما ذكر الله تعالى دعاء أنبيائه واستجابته لهم، قال عنهم: "إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ"، ومن هذه الآية الكريمة يمكن استنتاج أن السر في استجابة الدعاء هو أن هؤلاء الأنبياء قد حققوا ثلاثة شروط وهي : 
 
1- المسارعة في الخيرات : 

الخطوة الأولى على طريق الدعاء المستجاب هي الإسراع للخير: "إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ"، فهم لا ينتظرون أحداً حتى يدعوهم لفعل الخير، بل كانوا يذهبون بأنفسهم لفعل الخير، بل يسارعون، وهذه صيغة مبالغة للدلالة على شدة سرعتهم في فعل أي عمل يرضي الله تعالى.
 
كم من المؤمنين يملكون الأموال ولكننا لا نجد أحداً منهم يذهب إلى فقير، بل ينتظر حتى يأتي الفقير أو المحتاج وقد يعطيه أو لا يعطيه إلا من رحم الله. وكم من الدعاة إلى الله يحتاجون إلى قليل من المال للإنفاق على دعوتهم لله، ولا تكاد تجد من يدعمهم أو يعطيهم القليل، والله تعالى ينادينا جميعاً فيقول: "مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ".
 
ففعل الخير أهم من الدعاء نفسه، لأن الله تعالى قدم ذكر المسارعة في الخير على ذكر الدعاء فقال: "إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا".
 
2-الدعاء بطمع وخوف : 

الخطوة الثانية هي الدعاء، ولكن كيف ندعو: "وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا"، الرغب أي الرغبة بما عند الله من النعيم، والرهب هو الرهبة والخوف من عذاب الله تعالى، إذ ينبغي أن يكون الدعاء موجهاً إلى الله تعالى برغبة شديدة وخوف شديد. 
 
عندما تدعو الله تعالى وتطلب منه شيئاً فهل نتذكر الجنة والنار مثلاً؟ هل تتذكر أثناء الدعاء أن الله قادر على استجابة دعائنا وأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء؟، لذلك لا نجد أحداً من الأنبياء يطلب شيئاً من الله إلا ويتذكر قدرة الله ورحمته وعظمته في هذا الموقف، فسيدنا أيوب بعدما سأل الله الشفاء قال: "وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ"، وسيدنا يونس والذي سمَّاه القرآن "ذَا النُّونِ" والنون هو الحوت، الغريب في دعاء هذا النبي الكريم عليه السلام أنه لم يطلب من الله شيئاً، بل كل ما فعله هو الاعتراف أمام الله بشيئين: الأول أنه اعترف بوحدانية الله وعظمته فقال: "لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ"، والثاني أنه اعترف بأنه قد ظلم نفسه عندما ترك قومه وغضب منهم وتوجه إلى السفينة ولم يستأذن الله في هذا العمل، فاعترف لله فقال: "إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ". 
 
وهذا هو شأن جميع الأنبياء أنهم يتوجهون بدعائهم إلى الله ويتذكرون عظمة الله وقدرته ويتذكرون ذنوبهم وضعفهم أمام الله تبارك وتعالى. 
 
3- الخشوع لله تعالى : 

والأمر الثالث هو أن تكون ذليلاً أمام الله وخاشعاً له أثناء دعائك، والخشوع هو الخوف: "وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ"، وهذا سر مهم من أسرار استجابة الدعاء، فبقدر ما تكون خاشعاً لله تكن دعوتك مستجابة. والخشوع لا يقتصر على الدعاء، بل يجب أن تسأل نفسك: هل أنت تخشع لله في صلاتك؟ وهل أنت تخاف الله أثناء كسب الرزق فلا تأكل حراماً؟ وهنا ندرك لماذا أكد النبي الكريم على أن يكون المؤمن طيب المطعم والمشرب ليكون مستجاب الدعوة.

اضافة تعليق