تشبه الرجال بالنساء.. بين التحريم والكراهية

الأحد، 01 أكتوبر 2017 12:00 ص

سنّت الشريعة الإسلامية بعض الأحكام في ارتداء الملابس لحِكم عظيمة، أهمها الستر، والزينة "يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ" (الأعراف: 26).
 
ولم تشترط الشريعة ملابس معينة، ولكنها وضعت له شروطًا عامة متى تحققت فيها كان الملبوس جائزًا في الشرع؛ منها أن يكون طاهرًا، ساترًا لما يجب ستره من البدن، لا شفافًا رقيقًا يظهر ما يجب ستره، ولا ضيقًا يصف العورة، وألا يكون ذهبًا أو حريرًا بالنسبة للرجال خاصة، وألا يكون فيه تشبه من الرجال بالنساء أو من النساء بالرجال، وحيث أن الشرع فرق بين جنس الذكر وجنس الأنثى؛ فإنَّه رتَّب على ذلك أحكامًا تقتضي عدم إذابة صفات كل منهما في صفات الآخر. 
 
ومن هذه الأحكام عدم تشبه الرجال بالنساء، والنساء بالرجال؛ لِمَا في ذلك من إخراج كل جنسٍ منهما عن الصفة التي خلقه عليها أحكم الحاكمين سبحانه وتعالى؛ فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال "لعنَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- الرجلَ يلبسُ لِبْسَة المرأةِ، والمرأةَ تلبس لِبْسَة الرجلِ".
 
ومِن الفقهاء من ذهب إلى أنَّ النهي الوارد في الأحاديث ومحلّ الحرمة عندهم إذا تحقق أمران، أولهما أن يكون التشبه مقصودًا؛ بأن يتعمد الرجل فعل ما يكون من شأن النساء، وأن تتعمد المرأة فعل ما يكون من شأن الرجال، أما مجرد التوافق بدون قصد وتعمد فلا حرج فيه، فإذا انتفى القصد كان الفعل تَشَابُها لا تشبُّها، ولا حرج في التشابه فيما لم يُقصَد؛ أما الأمر الآخر فهو أن يكون التشبه في شيء هو من خصائص الجنس الآخر، ومعيار ذلك: إمّا الدين، أو الطبع والجِبِلَّة، أو العرف والعادة.
 
والحكمة في لعن من تشبه إخراجه الشيء عن الصفة التي وضعها عليه أحكم الحكماء في لعن الواصلات بقوله "المغيّرَات خلق الله"، وكما حمل جماعةٌ من العلماء النهيَ الواردَ في الأحاديث على الكراهة، ونصُّوا على أنَّه ليس المقصود حقيقة اللعن، بل التنفير والتحذير من الوقوع في التشبه بين كل من الجنسين فيما اختص به الجنس الآخر.
 
وقد قيل إنَّ لعن المصطفى -صلى الله عليه وسلم- لأهل المعاصي كان تحذيرًا لهم عنها قبل وقوعها، فإذا فعلوها استغفر لهم ودعا لهم بالتوبة، وأما من أغلظ له ولعنه تأديبًا على فعلٍ فعله: فقد دخل في عموم شرطه؛ حيث قال: "سَألتُ ربّي أن يَجعَلَ لَعْني له كفَّارةً ورَحْمَةً"، كما قال الإمام النوويُّ الشافعي في "المجموع شرح المهذب": إن التشبه مكروه وليس بحرام، ألا ترى أن الشافعي قال في "الأم": ولا أكرهُ للرجلِ لُبْسَ اللٌّؤلُؤِ إلا للأدبِ، وأنهُ مِنْ زيِّ النساءِ، لا للتحريم؛ فلم يُحرِّمْ زيَّ النساءِ على الرجالِ، بل كرهَهُ؛ فكذا عكسه، بالإضافة إلى التحقيق عند الشافعية أن التشبه لا يكون حرامًا حتى يجمع المتشبه بين أمرين هما ما يختص به أحد الجنسين دون الآخر، وما تختص به هيئة أحدهما دون الآخر.

اضافة تعليق