مفاهيم إفتائية «14»: العلم

الأحد، 01 أكتوبر 2017 12:00 ص

والعلم في اللغة يطلق على المعرفة والشعور والإتقان واليقين، يقال: علمت الشيء أعلمه علماً عرفته، ويقال: ما علمت بخبر قدومه، ويقال: علم الأمر وتعلمه: أتقنه.
 
والعلم في الاصطلاح هو حصول صورة الشيء في العقل، ويُحدُّ أيضاً بأنه صفة توجب لِمحلها تمييزًا بين المعاني لا يحتمل النقيض، والمعنى الحقيقي للفظ "العلم" هو (الإدراك)، ولهذا المعنى متعلق وهو (المعلوم)، وله تابع في الحصول يكون وسيلة إليه في البقاء وهو (الملكة)، فأطلق لفظ "العلم" على كل منها؛ إما حقيقة عرفية، أو اصطلاحية، أو مجازًا مشهورًا، ومن ثمّ، تلمس أن العلم يطلق على الإدراك، وعلى المعلوم، وعلى الملكة الحاصلة، ومن هنا اتخذت العلوم والفنون تسمياتها؛ فقيل علم النحو، وعلم الفقه، وعلم الفلك؛ بمعنى أنها معلومات خاصة يحصّلها صاحبها بإدراك خاص لباب ما من أبواب المعرفة، فإذا ما تمكَّن من إدراك هذا، وتربى وتدرب عليه حصلت له ملكة (مهارة). 
 
وهناك علاقة ما بين مفهوم "العلم"، وعدة مفاهيم منها: مفهوم الجهل، ومفهوم المعرفة، ومفهوم الثقافة، وحيث أن الجهل ضد العلم، ويطلق على السفه والخطأ،أما اصطلاحًا يعني اعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه، فالجهل ضد العلم، ولكن المعرفة اسم من مصدر عرف، وعلمته بحاسة من الحواس الخمس، أما اصطلاحًا إدراك الشيء على ما هو عليه، والمعرفة مسبوقة بجهل بخلاف العلم، ولذلك يسمى الحق تعالى بالعالم دون العارف.
 
 موقف الإسلام من العلم، يختلف الحكم التكليفي بتعلم علمٍ ما تبعًا لفائدة العلم والحاجة إليه؛ فمنه ما تعلمه فرض، ومنه ما هو محرم؛ فالفرض منه ما هو فرض عين، ومنه ما هو فرض كفاية؛ فمن العلوم التي تعلمها فرض عين تعلم ما يحتاجه الإنسان من علم الفقه والعقيدة، وحيث قال ابن عابدين نقلا عن العلامي: مِنْ فَرَائِضِ الْإِسْلَامِ تَعَلُّمُهُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْعَبْدُ فِي إقَامَةِ دِينِهِ وَإِخْلَاصِ عَمَلِهِ لِلَّهِ تَعَالَى وَمُعَاشَرَةِ عِبَادِهِ، وَفَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ وَمُكَلَّفَةٍ بَعْدَ تَعَلُّمِهِ عِلْمَ الدِّينِ وَالْهِدَايَةِ تَعَلُّمُ عِلْمِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، وَعِلْمِ الزَّكَاةِ لِمَنْ لَهُ نِصَابٌ، وَالْحَجِّ لِمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ وَالْبُيُوعِ عَلَى التُّجَّارِ لِيَحْتَرِزُوا عَنْ الشُّبُهَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ فِي سَائِرِ الْمُعَامَلَاتِ، وَكَذَا أَهْلُ الْحِرَفِ، وَكُلُّ مَنْ اشْتَغَلَ بِشَيْءٍ يُفْرَضُ عَلَيْهِ عِلْمُهُ وَحُكْمُهُ لِيَمْتَنِعَ عَنْ الْحَرَامِ فِيهِ. 
 
يستعمله بعض الباحثين مقتصرًا به على العلم الحسي التجريبي، متغافلًا عن أن العلم له جوانب أخرى غير الجانب الحسي التجريبي؛ فليس كل ما هو موجود يُدركُ بالحواس الظاهرة، وليس كل ما وراء الحس يُنكَر وجوده، فالعالَم الذي نعيشه فيه ما لا يستطيع الحس الوقوف عليه، وما وراء ذلك أكبر.
 
والعلم باستعمالاته المختلفة وثيق الصلة بمفهوم الإفتاء؛ فالإفتاء فن تنزيل الأحكام الشرعية على الواقع، وحيث أن الإفتاء له من المؤهلات والخصائص، وتتوفر له من الدواعي الاجتماعية المعاصرة ما يشدِّد على ضرورة جعله علمًا مستقلا بذاته، له مسائله ومصطلحاته الخاصة، كما أن له علاقات بين أبوابه وكتبه، وله مراجعه، وكل ذلك يجعل الإفتاء مؤهلاً لأن يكون علمًا قائمًا بذاته.
 
و يستند الإفتاء إلى عدة علوم، وحيث ينبغي على المفتي إدراك النص وإدراك الواقع وإتقان تنزيل النصوص على الوقائع، وذلك فن يفتقر إلى ألوان من العلوم ينبغي تحصيلها؛ منها الشرعي كالفقه وأصوله، ومنها المتعلق باللغة كالنحو والبيان والبديع، ومنها علوم كونية تتعلق بواقع الفتوى المسئول عنها، ومنها علوم تتعلق بالإنسان والاجتماع، كما أن تحصيل هذه العلوم يسهم في تنمية إدراك المفتي بالمسألة المستفتى عنها من ناحية، وتنمية الملكة التي تساعد المفتي على الإفتاء من ناحية أخرى.

المصدر: الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم. 

اضافة تعليق