النساء وحدهن .. متساويات مع الرجال في تحصيل فضيلة الجماعة

السبت، 30 سبتمبر 2017 12:00 ص

وكما Hن نصوص الشريعة لا تفرق في استحباب الجماعة بين المرأة والرجل، فصلاة المرأة في جماعة مع غيرها من النساء وإمامتها لهن مشروعة مستحبة، وكما أن الحديث مطلق، لم يقيده النبي -صلى الله عليه  وسلم- بذَكَر أو أنثى، فدلَّ ذلك أن النساء متساويات مع الرجال في تحصيل فضيلة الجماعة، وإقامة الصلاة جماعة من قِبَلهن وحدهن كما يقيمها الرجال وحدهم.
 
وذكر ابن حزم عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه كان يأمر جارية له تَؤُم نساءه في ليالي رمضان، وحيث يقول شيخ الإسلام زكريا الأنصاري : "َلَا فَرْضَ فِيهَا" أي: الجماعة (عَلَى النِّسَاءِ، بَلْ تُسْتَحَبُّ) في حقِّهن، ولا يتأكَّد استحبابها لهم تأكُّده للرجال لمزيتهم عليهن؛ قال تعالى: "وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ" (البقرة: 228).
 
وورد ذلك من فعل أمهات المؤمنين؛ فعن ريطةَ الحنفيَّة -رضي الله عنها- قالت: أمَّتْنَا عائشةُ فقامت بينهن في الصلاة المكتوبة؛ وكذلك عن أمِّ ورقةَ رضي الله عنها: "أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يزورها في بيتها، وجعل لها مؤذِّنًا يؤذِّن لها، وأمرها أن تَؤُمَّ أهلَ دارها" رواه أبو داود والحاكم والبيهقي في "السنن لكبرى"؛ فأَمْرُ النبي -صلى الله عليه وسلم- لها بأن تؤمَّهم في الصلاة يدل على مشروعية إمامة المرأة لغيرها في البيت؛ لأن إمامة المرأة لغيرها لو لم تكن جائزةً لما أَمَرَها النبي -صلى الله عليه وسلم- بإمامة غيرها من النساء.
 
وهذا ما يثبت أن أن صلاتهن في جماعة مشروعةً لما وقع ذلك من أمهات المؤمنين؛ لقربهن من النبي ومعرفتهن بسنته -صلى الله عليه وسلم، وأما ما ذكره بعض الفقهاء من إمكان كون الناسخ هو ما رواه أبو داود عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "صَلَاةُ المَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي حُجْرَتِهَا، وَصَلَاتُهَا فِي مَخْدَعِهَا أَفْضَلُ مِن صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهَا"، ما روى عن -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ أَحَبَّ صَلَاةِ تُصَلِيهَا المَرْأَةُ إِلَى اللهِ فِي أَشَدِّ مَكَانٍ فِي بَيْتِهَا ظُلْمَةً". 
 
وإن مجموع الأحاديث يدل على ندبية صلاة المرأة في أشد الأماكن سترًا لها؛ لصونها مما قد تتعرَّض له من أذى وإساءة، ودرءًا لما قد يسببه خروجها من فتنة وفساد، وليس في الأحاديث تعرُّض لكونها تصلي في جماعة أو منفردة.  
 
إن المرأة إذا أمَّت غيرها من النساء، فإن جماعتهن لا تخلو عن ارتكاب محرَّم؛ لأنه يلزمهن أحدُ المحظورين: إما أن تقف المرأة أمامهم، أي: تتقدمهن، وفي التقدم زيادة كشف للعورة، وكشف العورة محرم، وإما أن تقف المرأة وسطهن، وفي الوقوف وسطهن ترك لتقدم الإمام وهو واجب؛ فتُشَبَّه صلاتُهن بصلاة العراة، وجماعة العراة تُكرَه تحريمًا، لكن لا يسلَّم بكلا المحظورين؛ لأن المرأة إذا كانت مغطية لعورة الصلاة بما يجوز لغيرها من النساء أن يرينها فيه، فإن سترعورتها يكون متحققًا، والقول بأن إمامتها لغيرها من النساء مؤد لانكشاف عورتها يلزم المعترض منه أن يقول بالمنع من مطلق تقدم المرأة على غيرها من النساء لا بقيد الصلاة فقط، وهو لازم فاسد.
 
وأما محظور لزوم ترك التقدم في حال أن تكون إمامًا فلا يسلَّم أنه محظور؛ لأنا نمنع وجوب تقدم الإمام على المأمومين إذا كان امرأة تؤم نساء كالحال الذي تكون عليه جماعة الرجال، وإنما المحظور أن يتقدم عليه المأموم، وكذلك فإن وقوف المرأة المؤتم بها في وسط النساء المؤتمات بها لا يلزم عنه ترك التقدم، بل يمكنها أن تتقدم عليهن بخطوة يسيرة، وتشبيه صلاتهن بصلاة العراة وجماعة العراة قياسٌ فاسد الاعتبار؛ لمخالفته النص الوارد فيه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر أم ورقة -رضي الله عنها- بإمامة أهل بيتها، واعتبار القياس مع النص اعتبارٌ له مع دليل أقوى منه، ولا يصح ذلك.
 
ولا ينافي جواز إمامة المرأة في الصلاة الحديث الذي رواه البخاري: "لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً"، ولا ما روي موقوفًا على ابن عباس -رضي الله عنهما-: "أَخِّرُوهُنَّ حَيثُ أَخَّرَهُنَّ الله"، ولا ما ورد عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه -أنه قال: "لَا تَؤُمُّ الْمَرْأَةُ" "مصنف" ابن أبي شيبة؛ لأن الحديث الأول عامٌّ، وأدلتنا خاصة، فلها التقديم؛ لأن القاعدة أن الخاص مقدَّم على العام عند التعارض، ويدخل فيه ائتمام الرجال بالمرأة، وليس ائتمام النساء بها.
 
 والمراد بالحديث الثاني أنهن يتأخرن عن صفوف الرجال في الصلاة لما فيه من الستر لهن، ودرء ما قد يحدث من مفسدة اختلاط الرجال والنساء في الصلاة، وأما الأثر المروي عن علي -رضي الله عنه؛ فلا يصح من جهة الإسناد؛ فالحديث فيه راوٍ مجهول لم يسم وهو مولى بني هاشم، ولو سلَّمنا صلاحيته للاستدلال فهو معارض بما هو أقوى منه من الأدلة التي ذكرناها، أو محمول على عدم جواز إمامة المرأة للرجال.
 
وكما أن يصح للمرأة أن تؤم غيرها من النساء، وإذا أمَّتهن تقف في وسطهن ولا تتقدم عليهن كموقف إمام الرجال؛ لأن المرأة يُسْتَحَب لها التستر، ولذلك لا يستحب لها التجافي في الصلاة، وكونها في وسط الصف أستر لها؛ لأنها تستتر بهن من جانبيها، فاستحب لها ذلك كالعريان، وإذا أمَّت المرأةُ امرأةً واحدة قامت المرأةُ عن يمينها؛ كالمأموم مع الرجال. 

اضافة تعليق