"إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ".. فن التعامل مع الوالدين عند كبرهما

الخميس، 28 سبتمبر 2017 12:00 ص

 
وفي المراحل السابقة تختلف الرعاية فعندما يولد الطفل ويكون على الوالدين الاهتمام به والحرص على سعادته، وذلك لأنه لازال لا يعي ما حوله، ويبدأ أن يكبر الطفل حتى يصل لمرحلة المراهقة ويزداد قلق الوالدين وبالتالي يزداد الاهتمام به، حتى يصل على سن الرشد والاعتماد على النفس، وبالطبع هو لا يكبر وحده، فوالديه يكبرون كذلك في العمر، ويبدأوا هم الآخرين في دخول مراحل مختلفة أيضًا من عمرهم كالشيخوخة والكبر والعجز، وهناك تنقلب الأية، ويصبح ذلك الراشد هو المسؤول عن رعايتهم والاهتمام بهم، ويصبح الوالدن هم من بحاجة إلى من حولهما، فيزدادان طفولة يومًا بعد يوم، ليتحول دور الأبناء ليصبحوا الوالدين، ويصبح الأب والأم هما الأبناء.
 

فما موقف الأبناء من بنين أو بنات من والديهم في هذه الحال، خاصة وأن المعظم ما يكون مشغول بحياته الخاصة؟

 
بالنظر إلى واقع الحياة نصبح أمام ثلاثة أقسام؛ الأول للأولاد الذين يدركون احتياج والديهما إليهم، فما بهما إلى الإسراع لتلبيه احتياجاتهم، قاطعًا وقت لا بأس به من يومه لوالديه، أما القسم التالي فهم من يضربون بالواجب عرض الحائط، فلا يبالون باحتياجات الوالدين بعد أن صعفت قواهما، فلا يزورهما إلا بعد مرور العديد من الوقت، باحثًا عن العديد من المعاذير من أحوال الحياة من حوله، وإنشغاله ببيته وأولاده وأهل البيت.
 
أما القسم الثالث والأخير، هو القسم الوسطى الذي يتعامل بمبدأ "ماسك العصاية من النصف"، وهو من يقوم بزيارتهم كلما حان الوقت، دون تطويل في الغياب، ويعمل على خدمتهم لمدة ساعة على سبيل المثال، ويذهب إليهم مرة على سبيل المثال بالأسبوع للاطمئنان عليهم، وذلك اعتقادًا إنه بذلك يقوم بواجبه حتى يرضي الله فقط، تاركًا والديه بمفردهم طوال اليوم، دون معرفة ما يدور ببالهم، ودون معرفة ما يشعرون به، وحجة مَن يفعل هذا الصنيع أنَّ التعامل مع كبار السن صعبٌ، وأنهم يحتاجون إلى زمن طويل للتفاهم معهم، ولذا آثَروا البُعد عن النقاش معهم، بل تجد بعض الناس إذا جلسوا في مجلس لتبادُل الأحاديث، وكان معهم كبيرُ سنٍّ، خَفتوا من أصواتهم؛ لئلاَّ يسألهم عن هذا الموضوع أو ذاك، فيشغلوا أنفسهم بالجواب الذي يحتاج إلى تَكرار ليفهمَ المراد.
 
فكل ذلك يجعل كبير السن عرضه للإصابة بضيق الصدر والعديد من الأمراض النفسية والعضوية، فكم من دمعة ذرفت وسط سكوت من قبل الوالدين على ما يلاقيان من سوء معاملة من أولادهما، وكم من أب وأم تمنيا أن لم يرزقا بأولاد نتيجة الجحود والغلظة في المعاملة.
 
 وتذكرًا بمعاملة الوالدين بالحسنى خاصة عند الكبر في هذه الأية: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾ [الإسراء: 23، 24]
 

الصفات النفسية التي يجب مراعاتها لدى كبار السن

 
1- كثرة الشكوى للفت الانتباه واستجداء العطف.
 
2- التدخلات المستمرة في شؤون الآخرين لإثبات الأهميّة.
 
3- تذبذب التفكير بين المرونة وتصلب الرأي.
 
4- الحالة الانفعاليَّة والمزاجيَّة غير المستقرة بسبب الشعور بالوحدة.
 
5- الإحساس بالتوتر والخوف الدائم دون تبرير واضح.
 
6- تراجع المسن إلى أساليب من السلوك والتفكير لا تتلاءم مع مرحلته العمريَّة ما يمثل صعوبة في التعامل معه.
 
7- تدني مفهوم الذات والإحساس بعدم القيمة وانتهاء الدور.
 

لذا يجب التنويه عند بعض الأمور التي يغفلها البعض في التعامل مع كبار السن وخاصة الوالدين

 
1- يجب العلم بأن المُسن بحاجة شديدة إلى الشعور بالحنان والرعاية والعطف.
 
2- قصور السمع والبصر لدى المُسن يَجعله يبتعد شيئًا فشيئًا عن أحداث الواقع، وذلك يوجب علينا التحدث معه ومع من حوله بصوت مسموع، مع محاولة جذب المُسن للواقع، بإخباره عما يدور حوله، ومداعبته ما أمكَن؛ ليكون قريبًا من مجتمعه، مُدركًا لما حوله.
 
3- إدراك أن المُسن يستمتع بالحديث عن ذكرياته  وماضيه الذي عاش أحداثه، وشهد صولاته وجولاته، فعلينا ألاَّ نَحرمه من ذلك، بل نُظهر التفاعل معه والإعجاب بما يقوله، وعدم مقاطعته، وينبغي أن يدرك من يتعامل معه أن المسن تظل ذكرياته الماضية حية ماثلة أمامه فهو يتذكر جيدًا أعماله التي قدمها في شبابه ويرغب في الحديث عنها بنفسه أو التحدث عنها مع غيره.
 
4- عدم التبرم والضجر من تعصب المسن لماضيه لأن تعصب المسن لماضيه يمثل بالنسبة له القوة والنشاط والمكانة الاجتماعية والانجازات التي قدمها فينبغي تلمس العذر له وتفهم حاله.
 
5- يجب عدم الاصطدام معهم في رأي معين؛ لأنَّ موافقته وقتياً ومن ثمَّ العودة مرَّة أو مرَّات أخرى لأن محاولة إقناعه تأتي غالباً بما نرغبه من نتائج .
 
6- الحرص على إشغال المُسن بما يَنفعه عند ربِّه، وملء فراغه بالأمور النافعة بإسماعه القرآن الكريم في الأوقات المناسبة، والقراءة عليه في الكتب الملائمة لمستواه العلمي، وترغيبه في ذكر الله تعالى قدر الاستطاعة، وإشعاره بضرورة الاحتساب، والصبر على ما يُعانيه من أمراض، وتكوين علاقات جديدة وصدقات أخرى مع أنداده في السن من خلال المشاركة في الصلاة بالمساجد. 

7- مراعاة الأخذ برأيهما، وعدم التضجر منهما، والإجابة على استفساراتهما وإن كانت مكرّرة، وإشعارهما أن لهما منزلة رفيعة، وذلك بإضافة بعض الألقاب، وكذلك بتقبيل رأسيهما والإفساح لهما في المجلس والبداية بهما، وتقديمهما في كل الأمور، ومشاورتهما في الأمور المناسبة.
 
8- رفع الروح المعنوية لديه وذلك بحسن استقباله والترحيب به والدعاء له وإظهار البشر بقدومه والتبسم في وجهه فهذا يشعره بحب المجتمع له وفرحه بوجوده وأنه غير منبوذ أو مكروه في مجتمعه.
 
9- عند انتقال المسن من منزله الذي تعود عليه إلى مكان آخر مثل المستشفى مثلاً يتوجب الاهتمام به وتقريبه للواقع، والتحدُّث معه وإخباره عن المكان والزمان والناس من حوله ليظل مرتبطاً بواقعه .
 
10- إبراز جهود وإنجازات المسن والحديث عن ما قدمه من خدمات لمجتمعه والدعوة إلى الاقتداء به والدعاء له ذو أثر إيجابي عليه وإشعاره بأهميته وخاصة في اللقاءات والمناسبات العائلية، فشعور المسن أنه قد أنجز أعمالًا باهرة وأنه قد كافح حتى نال ما نال.
 
11- الحذر من الاستئثار بالحديث في حضرتهم أو تجاهلهم دون منحهم فرصة لتعبير عن مشاعرهم أو ذكر شيء من آراءه وخبراته
 
12- ضرورة الاقتراب من المسن لاسيما أقرباءه وأصدقاءه؛ ففي هذه المرحلة من العمر يزداد الشعور بالوحدة والغربة ويشعر المسن بانسحاب الأقارب والأصدقاء عنه وعدم السؤال عن أحواله أو الاتصال به أو الحديث معه وهذا الوضع قد يزيد الخيبة والحسرة لديه.
 
13- مراعاة التغيرات العضوية والنفسية والعقلية عند المسن حيث يصبح غالبًا عرضة لكثير من التغييرات الجسمية والنفسية.
 
14- العناية بنظافة كبار السن، وتذكيرهم بأوقات العبادات.
 
15- أهمية تبصير الأسرة بحقوق المسن وضرورة العناية به لأنه مع طول زمن الضعف والعجز الذي وصل إليه المسن ربما يهمل أفراد الأسرة التعاطف معه أو زيارته والسؤال عنه
 
وأكد خبير مهارات الاتصال ماهر سلامة أن الحالة الذهنية للتواصل مع كبار السن فيها ثلاثة نماذج من الشخصيات، شخصية الأب، وشخصية الناضج، وشخصية الطفل، وأسلم طريقة للتخاطب فيها مع كبير السن هي شخصية الناضج، والبعد عن الشخصيتين المتبقيتين (الأب والطفل)، موضحًا أنه في حال الحديث والنقاش مع كبير السن من خلال شخصية الأب، فيعني ذلك أن هناك مشاكل واختلافات في وجهات النظر لأن شخصية الأب في العادة تكون سلطوية.
 
وبعيدًا عن النقاش من خلال شخصية الطفل؛ لأنها ستحدث نفس الخلل، لعدم الشعور بالنضج، والاستخفاف من المقابل ووجهات النظر والاحتياجات، لذا ينصح بأن يكون النقاش والحديث مع كبير السن من خلال شخصية الناضج، وهنا يتوجب على "مخاطب كبير السن" أن يراعي الحقائق والاعتراف بإنسانية الأخير وقراءة ما بين السطور.
 
كما أضاف الاستشاري الأسري أحمد عبدالله أن بعض كبار السن تتحول سلوكياتهم كـ"الأطفال" من حيث الوصف، فيقول "كبير السن يرى من وجهة نظره أنه صاحب إنجازات كبيرة، فهو من قام بإنشاء العائلة، وعمل من أجلها وحافظ عليها، لكن بعد أن يكبر الأبناء وتصبح لهم شخصيات مستقلة وربما عائلات مستقلة فيعتقد بأنه يفقد هذه الإنجازات، فيصبح كبير السن حساسًا تجاه أي كلمة أو تصرف قد يخرج من الأفراد المقابلين، أو حتى أي وجهة نظر.
 
وأكد على أن  البعض من كبار السن يتخذ من الحساسية "حيلة دفاعية"، كي يجذب من حوله ويهتموا به أكثر، معتبرًا مسألة الحساسية عند كبار السن أمرًا سلبيًا أحيانًا، لكنهم بحاجة إلى خصوصية في التعامل وبطريقة ذكية، ليشعروا من خلالها بأنه ما يزال لهم دور مهم في حياة الأبناء والأحفاد.
 
أما التأثيرات النفسية التي تمر على هؤلاء الكبار فيبين اختصاصي علم النفس الدكتور محمد حباشنة بأنه ليس جميع كبار السن يعانون من هذه الحساسية، حتى أحيانًا لا نلحظ أي اختلاف في الشخصية المتعامل معها، غير أن هناك مجموعة من كبار السن بالفعل يكونون أكثر تحسسًا من أي كلام صادر أو تصرفات من الناس المقابلين لهم ومن أفراد عائلاتهم.
 
ويرى حباشنة أن هذه الحساسية ناتجة بسبب أن هؤلاء الأفراد يبحثون عن اهتمام أكبر، وعند شعورهم بالاكتئاب تزداد هذه الحالات لديهم، ومع تغيرات الشيخوخة كخفة في السمع، وصعوبة المشي والأمراض المزمنة يجعل التأقلم مع الحياة صعبًا.

وينصح كذلك في المقابل بعدم التعامل بالتدليل المفرط لكبار السن وإن كانوا عزيزين على القلب، فالتعامل بعدل وموازنة في العواطف يكون أسلم، ومن الواجب العمل على الحفاظ على مرونتهم من خلال قيامهم ببعض نشاطاتهم في المنزل، حتى لا يصبحوا عجزة غير قادرين على الاعتناء بأنفسهم.

اضافة تعليق