بُرُوتوكول التعامل في حياة الرسول.. نماذج مضيئة تعرف عليها

الخميس، 28 سبتمبر 2017 12:00 ص

وحثت الشريعة الإسلامية على التكيف بالتوسط أو القابلية للتغير أو الأخذ بأيسر الحلول، وكذلك ورد عن عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ: اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: "ائْذَنُوا لَهُ بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ أَوْ ابْنُ الْعَشِيرَةِ فَلَمَّا دَخَلَ أَلَانَ لَهُ الْكَلَامَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْتَ الَّذِي قُلْتَ ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ الْكَلَامَ قَالَ أَيْ عَائِشَةُ إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ أَوْ وَدَعَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ". أخرجه أحمد والبُخَارِي ومسلم .
 
فالمرونة خاصية ثابتة من خصائص الشريعة، وبذلك تكون المرونة هي الحد الفاصل بين الثبات المطلق الذي يصل إلى درجة الجمود، والحركة المطلقة التي تخرج بالشيء عن حدوده وضوابطه، أي أن المرونة حركة لا تسلب التماسك، وثبات لا يمنع الحركة، وقال تعالى: "وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ"، (سورة آل عمران159).
 
بلغ اليسر في الشريعة إلى درجة التخفيف من الواجبات عند وجود الحرج، والسماح بتناول القدر الضروري من المحرمات عند الحاجة، ويتوضح من خلال قول الله تعالى: يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ، (سورة البقرة،185)، بحيث أن تتمثل المرونة في اليسر وعدم الحرج.
 
وقال تعالى" فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى"، وكما أن الرسول –صلى الله عليه وسلم- قدوة للمسلمين في المرونة وفن التعامل مع أناس تختلف باختلاف طبيعتهم وظروف المعيشة، وتتمثل مرونته في تقديره لكل وجهة نظر يبديها ذو رأي من أصحابه؛ فتجده يأخذ برأي الحُباب بن المنذر بن الجموح في يوم بدر، وفي مكان نزول الجيش. 
 
وكما يأخذ برأي سلمان الفارسي في حفر الخندق يروي ابن هشام قصة الحُباب ابن المنذر يوم بدر بقوله: (فَحُدثتُ عن رجال من بنى سلمة أنهم ذكروا أن الحباب بن المنذر بن الجموح قال: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل أمنزلاً أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه أم هو الرأي و الحربُ والمكيدة ؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدةُ قال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزلٍ فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماءً من القوم فننزله ثم نعورُ ما وراءه من القلب، ثم فَنبني عليه حوضاً ماءً، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون؛ فقام رسول الله ومن معه من الناس، فسار حتى إذا أتى أدنى ماءٍ القوم نزل عليه، ثم أمر بالقُلُب فَعوّرَتٌ وَبَنَى حوضاً على القليب الذي نزل عليه فمليء ماءً، ثم قذفوا فيه الآنية).
 
وتتمثل مرونته أيضا في عدم الإصرار على الجزئيات، والتي قد يكون بالإصرار عليها ضياع ما هو أهم منها، وما ذلك إلا لسعة أفقه وبعد نظره ومن ذلك على سبيل المثال ما وقع في صلح الحديبية، يروي ابن هشام قال: (دعا رسول الله علياً ابن أبي طالب رضوان الله عليه،فقال: أُكتب بسم الله الرحمن الرحيم، قال: فقال سهيل: لا أعرف هذا، ولكن أُكتب باسمك اللهم، فقال رسول الله أُكتب باسمك اللهم، فكتبها، ثم قال: اكتب هذا ما صلح عليه محمدُ رسول الله سهيل بن عمرو،قال: فقال سهيل: لو شهدت أنك رسول الله لم أُقاتلك ؛ ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، قال: فقال رسول الله : اكتب هذا ما صلح عليه محمدُ بن عبد الله سهيل ابن عمرو). 
 
ومن مرونته صلى الله عليه وسلم ما أخرجه البخاري عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: (مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِنَفْسِهِ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ بِهَا)، وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا).
 
وتتمثل مرونته أيضاً في تقبله للناس على ما هم عليه من خطأ، ومعاملتهم على أنهم بشر يصيبون ويخطئون، وتتمثل مرونته أيضا في رفقه بالجاهل، وحسن تعليمه، واللطف به، وتقريب الصواب إليه.
 
روى مسلم في صحيحه عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ قَالَ: (بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ فَقُلْتُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ فَقُلْتُ و َاثُكْلَ أُمِّيَاهْ مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي لَكِنِّي سَكَتُّ فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- - مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ فَوَاللَّهِ مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ).
 
كما كان عليه رسول الله يرفق بالجاهل، ورأفته بأمته، وشفقته عليهم، وحسن تعليم من يغفل بالآمر، وتقريب الصواب إلى فهمه، وحيث أن النبي ترك الأعرابي يبول في المسجد حتى فرغ من بوله؛ فقد روى مسلم في صحيحه عن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أنه قَالَ: (بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَامَ يَبُولُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَهْ مَهْ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَا تُزْرِمُوهُ دَعُوهُ فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلَا الْقَذَرِ إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ فَأَمَرَ رَجُلًا مِنْ الْقَوْمِ فَجَاءَ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَشَنَّهُ عَلَيْه). فكان لهذه المرونة المتمثلة في اليسر والين في تعامله مع الأعرابي كبير الأثر في نفسه، حتى قال الأعرابي: (اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا وَلَا تُشْرِكْ فِي رَحْمَتِكَ إِيَّانَا أَحَدًا فَقَالَ لَقَدْ حَظَرْتَ وَاسِعًا وَيْحَكَ أَوْ وَيْلَكَ...). 
 
فالعاقل من يكون معتدلا ومتوازنا في مشاعره وتصرفاته؛ فلا يسرف في الحب , ولا يسرف في البغض؛  فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أُرَاهُ رَفَعَهُ ، قَالَ:أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا ، وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا مَا.أخرجه الترمذي 
 
فالمرونة دليل على اتساع الأفق وعلى الصحة النفسية الجيدة، وعلى الاتصال الفعال مع الناس،  وعلى ذكاء صاحبيها النفسي والاجتماعي.

اضافة تعليق