مفاهيم إفتائية.. المفهوم (11): التلفيق

الخميس، 28 سبتمبر 2017 12:00 ص

التعريف اللغوي: لَفَقَ الثَّوبَ يلْفِقُه لَفْقًا: ضمَّ شُقّةً إلى أخْرى فخاطَهما كَمَا فِي الصّحاح، ولَفَقَ فُلانٌ الأمرَ لَفْقًا: طَلَبه فَلم يُدْرِكْه، والتّلْفيقُ: ضمُّ إحْدى الشُّقّتين إلى الأخْرى، فتخِيطُهما، وَهُوَ أعمُّ من اللَّفْقِ، وَفِي العُباب: التّلْفيقُ فِي الثِّياب: مُبالَغَة فِي اللَّفْقِ. قلت: وَمِنْه أُخِذَ التّلْفيقُ فِي المسائِل.
 
التعريف الاصطلاحي: منها التلفيق بمعنى الضم ، كما في المرأة التي انقطع دمها فرأت يومًا دمًا ويومًا نقاءً، والركعة الملفقة في صلاة الجمعة للمسبوق، ويستعمل في غير ذلك من المعاني.
 
و يراد من "التلفيق" العمل في حادثةٍ بمذهب، وفي أخرى بمذهب آخر، وهذا المعنى جائز شرعًا على قول جماهير الأمة؛ وذلك لأن المستفتين في كل عصر من زمن الصحابة ومن بعدهم كانوا يسألون مفتين مختلفين فيما يعنّ لهم من المسائل ويعملون بمقتضى قولهم.
 
ويستخدم التلفيق بمعنى آخر ، وهو الذي نريد الحديث عنه؛ هو جمع المجتهد أو الفقيه أو المفتي بين أقوال مختلطة وشروط مختلفة للفقهاء في حكم مسألة واحدة معينة؛ بما يعني حدوث قول جديد لم يقل به أحد من الفقهاء المجتهدين الأقدمين، وهو في نفس الوقت ليس خارجًا عن جميع أقوالهم ولم يخالف في قوله هذا إجماع الأمة.
 
من القواعد التي اتفق عليها العلماء أن العامي لا مذهب له، وإنما مذهبه مذهب مفتيه، قال الإمام ابن نجيم في البحر الرائق: "وإن كان عاميًّا ليس له مذهب معين فمذهبه فتوى مفتيه"، وقال في عبارة أخرى: "مذهب العامي فتوى مفتيه من غير تقييد بمذهب"، وهذه العبارة حقيقة في التلفيق بين أقول العلماء في مسائل الدين عامة من خلال الفقه الإسلامي كله لاسيما المذاهب المعتمدة؛ حتى قال الشيخ بخيت المطيعي -رحمه الله-: "إن العلماء قد أجمعوا على صحة تقليد العامي للمجتهد الذي توفرت فيه شروط الاجتهاد"، ومستندهم في ذلك أنه لا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله، ولم يوجب الله سبحانه على أحد من الناس أن يتمذهب بمذهب معين من مذاهب الأئمة.
 
إحداث قول ثالث في المسألة، وحيث أن التلفيق في المسألة الواحدة من خلال مذاهب الفقهاء المجتهدين على اتساع أقوالهم في الفقه الإسلامي، والخلاف بين العلماء في جواز التلفيق بهذا المعنى الأخير وعدم جوازه مبناه على أنه هل يجوز قيام المجتهد بإحداث قول ثالث في المسألة الواحدة والذي يترتب على (أخذه صحة فعل من أفعال المكلف من مذاهب متعددة)، أم لا؟
 
والصحيح جواز الاجتهاد وإحداث قول ثالث مركب من القولين بأن يأخذ بقول أحد المجتهدين في حادثة، وبقول الآخر في حادثة أخرى إذا لم يخرق إحداث هذا القول الثالث إجماع من قبله من الفقهاء والمجتهدين، وبناء على جواز تقليد العامي للمجتهد مطلقًا، وجواز إحداث قول ثالث في المسألة يجوز التقليد مع التلفيق، وعلى هذا الفرض فإنه يكون اجتهادًا جديدًا للمجتهد في المسألة المدروسة وليس خروجًا عن قول المجتهدين القدامى.
 
وإن من يبطل التلفيق بهذا المعني (الذي هو إحداث قول جديد خارج عن أقول الفقهاء القدامى في مجمله)، إنما يقولون ببطلانه في حال أخذ المكلف باجتهاد الفقيهين اللذين كون رأيه الفقهي بالاختيار منهما ، فكان أن خرج بكلام جديد ليس هو قول الفقيه الأول ولا هو قول الفقيه الثاني فخرج بصورة ليست مرضية عندهما، وإنما هي اجتهاده هو وقد استوفى أدوات الاجتهاد؛ فبطلان حكم عمله في هذه الحالة بناء على قول الفقيه الأول وقول الفقيه الثاني، أما على قول الفقيه الثالث فعمله صحيح؛ لأنه في هذه الحالة يصدق عليه -أي المكلف- أنه خالف مذهب أحد المجتهدين في جميع ما شرطه ووافق مذهب مجتهد آخر فنحكم بصحة عمله.
 
ومن هذا يعلم أن مسألة التلفيق مبنية على مسألة إحداث قول ثالث إذا انحصر خلاف المجتهدين في عصر في قولين؛ ففي كل موضع يمتنع فيه إحداث القول الثالث يمتنع فيه جواز أخذ المقلد بالتلفيق في المسألة الواحدة، ويحصل ذلك إذا كان القول الثالث مخالفًا للإجماع، ففي هذه الحالة يمتنع فيه التلفيق، وأيضًا إذا خالفت الصورة المركبة التي قال بها المجتهد الثالث الإجماع، وأما إذا وافق بعض هذه الصورة التي أدى إليها اجتهاد المجتهد الثالث قول مجتهد وخالف بعضها قول مجتهد آخر، فإنه في هذه الحالة يكون قولاً معتبرًا ما لم يخرج عن إجماع الأمة.
 
قال الإمام السبكي في الإبهاج: "إنه إذا اختلف أهل العصر في المسألة على قولين: هل يجوز لمن بعدهم إحداث قول ثالث؟ وفيه ثلاثة مذاهب:
 
الأول: المنع مطلقًا وعليه الجمهور.
 
والثاني: الجواز مطلقًا وعليه طائفة من الحنفية والشيعة وأهل الظاهر.
 
والثالث: وهو الحق عند المتأخرين وعليه الإمام واتبعه الآمدي؛ أن الثالث - إن لزم - رفع ما أجمعوا عليه لم يجز أحداثه و إلا جاز".
 
الفرق بين التقليد والتلفيق: التلفيق المقصود هنا هو المعنى الثالث من المعاني المتقدمة، وهو ما كان في المسألة الواحدة بالأخذ بأقوال عدد من الأئمة فيها، وأما الأخذ بأقوال الأئمة في مسائل متعددة فليس تلفيقًا وإنما هو تنقل بين المذاهب أو تخير منها، وهو نوع من التقليد الذي أجازه جماهير العلماء وقد سبق بيانه. 
 
التلفيق بين المذاهب: ومثاله: متوضئ لمس امرأة أجنبية بلا حائل وخرج منه نجاسة كدم من غير السبيلين، فإن هذا الوضوء باطل باللمس عند الشافعية، وباطل بخروج الدم من غير السبيلين عند الحنفية، ولا ينتقض بخروج تلك النجاسة من غير السبيلين عند الشافعية، ولا ينتقض أيضًا باللمس عند الحنفية، فإذا صلى بهذا الوضوء، فإن صحة صلاته ملفقة من المذهبين معًا.
 
التلفيق مرفوض إذا خالف الإجماع: وأما إذا كان التلفيق خارقًا للإجماع بأن كانت الحقيقة المركبة يقول ببطلانها جميع المجتهدين، ولا يمكن لمجتهد آخر على فرض وجوده أن يقول بها كحرمان الجد من الميراث بالكلية؛ فالتلفيق باطل بالإجماع، وكما أن إحداث قول بحرمان الجد بالكلية باطل بالإجماع.
 
وإنما لم يعد القول الملفق من قولين للفقهاء أو أقوال مجتمعة معارضًا للإجماع لكونه حاصلاً في الأمة لو كان بجملته لا بتفاصيله، فيصدق على الأمة أنها لم تخلُ منه ولم تجتمع على غيره.
 
وبطلان القول في هذه الحالة إنما هو لكونه خارقًا للإجماع وحجية الإجماع متفق عليها عند عموم الفقهاء.
 
مكان التلفيق في الفتوى: التلفيق أداة ووسيلة قد يحتاج المجتهد والفقيه والمفتي إلى اللجوء إليها بشروطها المذكورة، للتخير من المذاهب المتعددة والفقه الإسلامي الوسيع؛ بغية التيسر على المسلم في تطبيق أحكام الشريعة المطهرة.
 
 

اضافة تعليق