أحكام شهر الله المحرم

الأربعاء، 27 سبتمبر 2017 12:00 ص

ومن أهم هذه الأحكام ما يلي : 
 
*تحريم القتال فيه :  
فمن أحكام شهر الله المحرم تحريم ابتداء القتال فيه، وقال ابن كثير رحمه الله: واختلف العلماء في تحريم ابتداء القتال في الشهر الحرام هل هو منسوخ أو محكم على قولين :  
 
أحدهما: وهو الأشهر أنه منسوخ لأنه تعالى قال ههنا "فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ" وأمر بقتال المشركين.
والقول الآخر: أن ابتداء القتال في الشهر الحرام حرام وأنه لم ينسخ تحريم الشهر الحرام لقوله تعالى: "الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ"، وقال: "فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ".
 
وكان العرب تعظمه في الجاهلية، وكان يسمى بشهر الله الأصم من شدة تحريمه، والصوم في شهر محرم من أفضل التطوع، فأخرج مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله الذي تدعونه المحرم وأفضل الصلاة بعد الفريضة قيام الليل".
 
*فضل صيامه :  
بين رسول الله صلى الله عليه وسلم فضل صيام شهر الله المحرم بقوله: "أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم"، واختلف أهل العلم في مدلول الحديث؛ هل يدل الحديث على صيام الشهر كاملاً أم أكثره؟ وظاهر الحديث يدل على فضل صيام شهر المحرم كاملاً، وحمله بعض العلماء على الترغيب في الإكثار من الصيام في شهر المحرم لا صومه كله، لقول عائشة رضي الله عنها: "ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر منه صياماً في شعبان"، ولكن يقال إن عائشة رضي الله عنها ذكرت ما رأته هنا ولكن النص يدل على صيام الشهر كاملًا.
 
*شهر الله المحرم ويوم عاشوراء :  
عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر محرم ولهذا اليوم مزية ولصومه فضل اختصه الله تعالى به وحث عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 
1- فضل يوم عاشوراء: 
عاشوراء هو اليوم الذي أنجى الله تعالى فيه موسى وقومه وأغرق فرعون وقومه فصامه موسى شكراً ثم صامه النبي صلى الله عليه وسلم لما رواه ابن عباس رضي الله عنهما قال: (قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسئلوا عن ذلك، فقالوا: هذا اليوم الذي أظهر الله فيه موسى وبني إسرائيل على فرعون، فنحن نصومه تعظيماً له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نحن أولى بموسى منكم، فأمر بصيامه"، وفي رواية لمسلم: "فصامه موسى شكراً، فنحن نصومه"، وللنبي صلى الله عليه وسلم في صيام عاشوراء أربع حالات :  
 
الحالة الأولى: 
كان يصومه بمكة ولا يأمر الناس بالصوم ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كانت عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهلية وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصومه فلما قدم المدينة صامه وأمر الناس بصيامه فلما نزلت فريضة شهر رمضان كان رمضان هو الذي يصومه فترك صوم عاشوراء فمن شاء صامه ومن شاء أفطر"، وفي رواية للبخاري وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من شاء فليصم ومن شاء أفطر".
 
الحالة الثانية: 
أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة ورأى صيام أهل الكتاب له وتعظيمهم له، وكان يحب موافقته فيما لم يؤمر به- صامه وأمر الناس بصيامه وأكد الأمر بصيامه وحث الناس عليه حتى كانوا يصومونه أطفالهم.
 
الحالة الثالثة:
أنه لما فرض صيام شهر رمضان ترك النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بصيام يوم عاشوراء، لما رواه مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن عاشوراء يوم من أيام الله فمن شاء صامه ومن شاء تركه"، وفي رواية لمسلم أيضاً: "فمن أحب منكم أن يصومه فليصمه ومن كره فليدعه".
 
الحالة الرابعة: 
عزم النبي صلى الله عليه وسلم في آخر عمره على ألا يصومه منفرداً بل يضم إليه يوم "التاسع" مخالفة لأهل الكتاب في صيامه لما رواه ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا يا رسول الله: إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا التاسع" قال: فلم يأتِ العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 
2- فضل صيام عاشوراء: 
أما فضل صيام يوم عاشوراء فدل عليه حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه أبو قتادة رضي الله عنه وقال فيه: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم عاشوراء؟ فقال: "أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله"، ولو صام المسلم اليوم العاشر لحصل على هذا الأجر العظيم حتى لو كان مفرداً له من غير كراهة خلافاً لما يراه بعض أهل العلم، ولو ضم إليه اليوم التاسع لكان أعظم في الأجر لما رواه ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لأن بقيت أو لأن عشت إلى قابل لأصومن التاسع"، وأما الأحاديث التي وردت وفيها صيام يوم قبله وبعده أو صيام يوم قبله أو بعده فلم يصح رفعها للنبي صلى الله عليه وسلم والعبادات كما هو معلوم توقيفية لا يجوز فعلها إلا بدليل وقد يستأنس بما ورد في ذلك فقد صح بعض هذه الآثار موقوفاً على ابن عباس رضي الله عنه ولهذا لا يثرب على من صام عاشوراء ويوما قبله ويوماً بعده أو اكتفى بصيامه وصام يوماً بعده فقط.
 
3- البدع في عاشوراء: 
قال العلامة الشيخ عبدالله الفوزان حفظه الله: وقد ضلَّ في هذا اليوم طائفتان: 
 
طائفة شابهت اليهود فاتخذت عاشوراء موسم عيد وسرور، تظهر فيه شعائر الفرح كالاختضاب والاكتحال، وتوسيع النفقات على العيال، وطبخ الأطعمة الخارجة عن العادة، ونحو ذلك من عمل الجهال، الذين قابلوا الفاسد بالفاسد، والبدعة بالبدعة. 
 
وطائفة أخرى اتخذت عاشوراء يوم مأتم وحزن ونياحة، لأجل قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما، تُظهر فيه شعار الجاهلية من لطم الخدود وشق الجيوب، وإنشاد قصائد الحزن، ورواية الأخبار التي كذبها أكثر من صدقها، والقصد منها فتح باب الفتنة، والتفريق بين الأمة، وهذا عمل من ضل سعيه في الحياة الدنيا، وهو يحسب أنه يحسن صنعًا.
 
وهدى الله تعالى أهل السنة ففعلوا ما أمرهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم من الصوم، مع رعاية عدم مشابهة اليهود فيه، واجتنبوا ما أمرهم الشيطان به من البدع، فلله الحمد والمنة.
 
ونص أهل العلم رحمهم الله أنه لم يثبت عبادة من العبادات في يوم عاشوراء إلا الصيام، ولم يثبت في قيام ليلته أو الاكتحال أو التطيب أو التوسعة على العيال أو غير ذلك لم يثبت في ذلك دليل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

اضافة تعليق