الفاتحة.. دعاء للإقرار بالوحدانية والقدر

الأربعاء، 27 سبتمبر 2017 12:00 ص

  وسميت سورة الفاتحة، بذلك الاسم؛ لأنه يفتتح بها القرآن العظيم، وتسمى أيضاً السبع المثاني، وحيث أنها تقرأ في كل ركعة، وتُعد مكية، أيضاً من أعظم سورة في القرآن الكريم، وحيث قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: " هي أعظم سورة في القرآن الكريم، لقول النبي محمد:"الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته"، وكما إنها تفتتح بها الصلاة في القراءة.
 
"بِسْمِ اللَّهِ " أي: أبتدئ بكل اسم لله تعالى, لأن لفظ " اسم" مفرد مضاف، فيعم جميع الأسماء "الحسنى"، و" اللَّهِ " تعني أن الخالق المألوه المعبود، والمستحق لإفراده بالعبادة، لما اتصف به من صفات الألوهية وهي صفات الكمال، وكما أن "الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" اسمان دالان على أنه تعالى ذو الرحمة الواسعة العظيمة التي وسعت كل شيء، وعمت كل حي، وكتبها للمتقين المتبعين لأنبيائه ورسله؛ فهؤلاء لهم الرحمة المطلقة، ومن عداهم فلهم نصيب منها.
 
 ومن القواعد المتفق عليها بين سلف الأمة وأئمتها؛ الإيمان بأسماء الله وصفاته، وأحكام الصفات، وحيث يؤمنون مثلا؛ بأنه رحمن رحيم، ويتصف أنه ذو الرحمة التي اتصف بها، المتعلقة بالمرحوم، وتظهرالنعم كلها، وأثر من آثار رحمته، وهكذا في سائر الأسماء. يقال في العليم: إنه عليم ذو علم، يعلم "به" كل شيء، قدير، ذو قدرة يقدر على كل شيء.
 
أما الآية الكريمة "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" ففي "الْحَمْدُ لِلَّهِ" ما يعبر عن الثناء على الله بصفات الكمال، وبأفعاله الدائرة بين الفضل والعدل؛ فله الحمد الكامل، بجميع الوجوه، وأما الآية "رَبِّ الْعَالَمِينَ" الرب، هو المربي جميع العالمين -وهم من سوى الله- بخلقه إياهم، وإعداده لهم الآلات، وإنعامه عليهم بالنعم العظيمة، التي لو فقدوها، لم يمكن لهم البقاء؛ فما بهم من نعمة، فمنه تعالى. 
 
وتربيته تعالى لخلقه نوعان: عامة وخاصة؛ فالعامة: هي خلقه للمخلوقين، ورزقهم، وهدايتهم لما فيه مصالحهم، والتي فيها بقاؤهم في الدنيا، أما الخاصة: تربيته لأوليائه؛ فيربيهم بالإيمان، ويوفقهم له، ويكمله لهم، ويدفع عنهم الصوارف، والعوائق الحائلة بينهم وبينه، وحقيقتها: تربية التوفيق لكل خير، والعصمة عن كل شر، ولعل هذا "المعنى" هو السر في كون أكثر أدعية الأنبياء بلفظ الرب، يتوضح أن مطالبهم كلها داخلة تحت ربوبيته الخاصة، وكذلك في الآية الكريمة "الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" يدالان هذان الاسمان على أنه تعالى ذو الرحمة الواسعة العظيمة التي وسعت كل شيء، وعمت كل حي، وكتبها للمتقين المتبعين لأنبيائه ورسله؛ فهؤلاء لهم الرحمة المطلقة، ومن عداهم فلهم نصيب منها.
 
وأما "مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ" المالك: هو من اتصف بصفة الملك التي من آثارها أنه يأمر وينهى، ويثيب ويعاقب، ويتصرف بمماليكه بجميع أنواع التصرفات، وأضاف الملك ليوم الدين، وهو يوم القيامة، يوم يدان الناس فيه بأعمالهم، خيرها وشرها؛ لأن في ذلك اليوم، يظهر للخلق تمام الظهور، و كمال ملكه وعدله وحكمته، وانقطاع أملاك الخلائق، وحيث أن يستوي في ذلك اليوم، الملوك والرعايا والعبيد والأحرار، وكذلك كلهم مذعنون لعظمته، خاضعون لعزته، منتظرون لمجازاته، وراجون ثوابه، خائفون من عقابه؛ فلذلك خصه بالذكر، وإلا، فهو المالك ليوم الدين ولغيره من الأيام.
 
وقوله "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" أي: نخصك وحدك بالعبادة والاستعانة؛ لأن تقديم المعمول يفيد الحصر، وهو إثبات الحكم للمذكور، ونفيه عما عداه؛ فكأنه يقول: نعبدك، ولا نعبد غيرك، ونستعين بك، ولا نستعين بغيرك، وكذلك قدم العبادة على الاستعانة من باب تقديم العام على الخاص، واهتماما بتقديم حقه تعالى على حق عبده، وحيث أن العبادة  اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال، والأقوال الظاهرة والباطنة، بالإضافة إلى أن الاستعانة تُعد بمثابة الاعتماد على الله تعالى في جلب المنافع، ودفع المضار مع الثقة به في تحصيل ذلك، والقيام بعبادة الله والاستعانة به هو الوسيلة للسعادة الأبدية، والنجاة من جميع الشرور؛ فلا سبيل إلى النجاة إلا بالقيام بهما، وإنما تكون العبادة عبادة إذا كانت مأخوذة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مقصوداً بها وجه الله؛ فبهذين الأمرين تكون عبادة، وذكر الاستعانة بعد العبادة مع دخولها فيها لاحتياج العبد في جميع عباداته إلى الاستعانة بالله تعالى؛ فإنه إن لم يعنه الله، لم يحصل له ما يريده من فعل الأوامر، واجتناب النواهي.
 
وفي قول الله تعالى: "اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ " أي: دلنا وأرشدنا، ووفقنا للصراط المستقيم، وهو الطريق الواضح الموصل إلى الله، وإلى جنته، وهو معرفة الحق والعمل به؛ فاهدنا إلى الصراط واهدنا في الصراط، وترك ما سواه من الأديان، وتشمل الهداية لجميع التفاصيل الدينية علما وعملا. 
 
"صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ" من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، و"غَيْرِ" صراط "الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ" الذين عرفوا الحق وتركوه كاليهود ونحوهم، وغير صراط "الضَّالِّينَ" الذين تركوا الحق على جهل وضلال، كالنصارى ونحوهم. 
 
احتوت هذه السورة على ما لم تحتوي عليه سورة من سور القرآن، فتضمنت أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية يؤخذ من قوله: "رَبِّ الْعَالَمِينَ" وتوحيد الإلهية وهو إفراد الله بالعبادة، يؤخذ من لفظ: "اللَّهِ" ومن قوله: "إِيَّاكَ نَعْبُدُ" وتوحيد الأسماء والصفات، وهو إثبات صفات الكمال لله تعالى؛ والتي أثبتها لنفسه، وأثبتها له رسوله –صلى الله عليه وسلم- ودل على ذلك لفظ "الْحَمْدُ". 
 
وكما تضمنت إثبات النبوة في قوله: "اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ" لأن ذلك ممتنع بدون الرسالة، وإثبات الجزاء على الأعمال في قوله: "مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ" وأن الجزاء يكون بالعدل؛ لأن الدين معناه الجزاء بالعدل.
 
 وكذلك من بين الأُمور التي تضمنتها إثبات القدر، وأن العبد فاعل حقيقة، خلافا للقدرية والجبرية، بل تضمنت الرد على جميع أهل البدع والضلال في قوله:"اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ"  لأنه معرفة الحق والعمل به.

اضافة تعليق