"الأصل في الناس هو الكفر".. عقيدة ما بعد داعش

الأربعاء، 27 سبتمبر 2017 12:00 ص

هكذا صار قادة ومؤسسو الجماعات أئمة ضلال ورؤوس فتنة في نظر من خرجوا من عباءتهم، ويؤكد متخصصون في الإسلام السياسي، أن كاتب المقال في الصحيفة الداعشية ذو ميولات “حازمية”، نسبة إلى أحمد بن عمر الحازمي الذي اعتقلته السلطات السعودية، وهو منظر ما يعرف بالجناح التكفيري الكلي في تنظيم الدولة الإسلامية والذي كان يخوض صراعا مع جناح تركي البنعلي على إثر تكفير الأول لزعماء القاعدة على رأسهم أيمن الظواهري بعد احتدام الصراعات بين القاعدة وداعش على خلفية إعلان أبوبكر البغدادي، زعيم داعش، ما أسماه قيام الخلافة الإسلامية.
 
داعش لم تكفر عطية الله الليبي، بل رثاه أبوبكر البغدادي نفسه في بيان صوتي بعد مقتله في 22 أغسطس سنة 2011 بمنطقة وزيرستان الباكستانية، ووصفه بـ”العالم العامل المجاهد، صاحب العلم والوقار”، لكن كاتب المقال المنشور في صحيفة داعش، حذر في تلميح يكاد يكون صريحا من تقديس البغدادي وقيادات أخرى دون ذكر الأسماء، مؤكدا على ضرورة التخلص من قدسية الرجال بقوله: فلنحذر من ربط جماعة المسلمين بعقيدة شخص من الأشخاص أو سنته، مهما ظهر من صلاحه وتقواه.
 
ويعلق خبراء في التنظيمات الجهادية، بأن ما ورد في المقال، يشي ويدل على أن التيار الحازمي، يخترق إعلام داعش وخطابه، وليس مهمشا فيه كما يعتقد بعض المراقبين، وأنه قد يرثه في فترة لاحقة.
 
يذكر أن أهم أصول التيار الحازمي الذي بدأ ظهوره أواسط 2014، تعتمد على فكرة أن “عدم العذر بالجهل وتكفير المعين والعامي وتكفير من لم يكفره”، وقد أسس لهذه الأفكار أحمد بن عمر الحازمي المعتقل حاليا، والذي تأثرت به مجموعة من التونسيين والمغاربة كان من أبرزهم أبوجعفر الحطاب عضو اللجنة الشرعية لجماعة أنصار الشريعة في تونس وأبومصعب التونسي أحد قيادييه، وكذلك أبوعبدالله المغربي وغيرهم ممن انضموا إلى داعش بعد إعلان خلافته.
 
عدد كبير من خطباء التيار الحازمي عمدوا إلى تكفير مخالفيهم، ونجحوا في إقصاء تركي البنعلي عن المشهد التنظيري قبل مقتله، وأجبروا غيره من قيادات داعش على الإقرار بأخطائهم وتهاونهم في “عدم العذر بالجهل وتكفير المعين والعامي” بالإضافة إلى دعوتهم لتكفير شيوخهم السابقين في القاعدة وغيرهم من الجماعات المتطرفة، وتكفير من لم يكفر من يقبل بالقوانين الوضعية، مثل أيمن الظواهري وعطية الله الليبي وغيرهما.
 
وكانت البداية إعلاميا باعتقال أبوعمر الكويتي (واسمه بالكامل حسين رضا لاري) في أغسطس 2014 ثم إعدامه في سبتمبر من العام نفسه، وأعقبه إعدام التونسي أبوجعفر الحطاب في 7 مارس سنة 2015 وتم اعتقاله مع مجموعة أخرى من الحازميين في سبتمبر سنة 2014، وكان أبرز المعتقلين حينها حسب بيان للحازميين منشور على مواقعهم الإلكترونية: أبوجعفر الحطاب، أبومصعب التونسي، أبوأسيد المغربي، أبوالحوراء الجزائري.
 
الحازميون يصفون داعش بدولة الكفار الملاعين والتجهم، كما ورد في بيان لأحد أنصارهم، يقول فيه “تجاوزت دولة البغي والتجهم مرحلة البيانات الكاذبة، إلى التحرك الميداني باختطاف المؤمنين من منازلهم، والزج بهم في غياهب السجون، لأجل تكفير المشركين، وصاحب ذلك ترويع نسائهم، وانعدام الأمن والأمان الذي كان يَحلم به كلُ موحد في ظل دولة البغدادي، وفعلوا كما يفعل الطواغيت المعاصرون تماماً”.
 
التكفيريون يستمرون في تكفير بعضهم بعضا، وبطريقة تثير الاشمئزاز والسخرية على حد سواء، وليس بوسع المرء إلا أن يشبههم بالنيران التي تأكل ألسنتها، والقوارض المسعورة التي تلتهم أذنابها، كل ذلك يحدث ضمن “شريعة التكفير” التي تعتمد المزايدة، وهو ما ينذر بتغوّل التطرف وازدياد خطورته على عكس ما يبشر به الكثير من المراقبين في الفترة الأخيرة حول انحسار الجماعات الإرهابية بعد هزائمها في العراق وسوريا، ذلك أن القيادات التي تزايد على التطرف بتطرف أشد، تحمل مسؤولية الضربات التي لحقت بها إلى “التهاون” في تطبيق الشريعة التي تتلخص لديهم في التكفير ولا شيء غير المزيد من التكفير.
 
ويرى الباحث المغربي عبدالغني مزوز، في دراسة له عن الصراع بين البنعلية والحازمية، أنّ القضية الرئيسية الواضحة في خطب وتسجيلات وموقع الحازمي على المواقع الإلكترونية، هي إلحاحه على "عدم العذر بالجهل"، وإيمانه بتكفير المعين والمخالف دون إعذار، وأيضاً تكفير من لم يكفره، ويهتم اهتماما خاصا بالتمييز في التوحيد وشرح كتبه، ويصرح في أحاديثه بمخالفته لأئمة كبار كالإمامين ابن تيمية وابن عبدالوهاب في قولهم بالعذر بالجهل، كما يخالف غيرهما.
 
“الأصل في الناس هو الكفر”، هذا ما يراه ويعتقد به الحازمي كما ينقل عنه المقربون منه، ويؤكدون بأنه لا يصلي خلف أئمة المساجد، ويقول بأن كل من أتى كفرا فهو كافر، ويعمل وفق قياس “لا عذر بجهل ولا تأويل” في ظاهرية تعسفية غريبة، تتجاهل كل تراث أصول الفقه والاعتقاد ومدوناتهما.
 
ويعد أبوجعفر الحطاب، أحد أبرز ممثلي الحازمي، وهو الذي انضم إلى تنظيم داعش وهاجر إليه، وصار من كبار شرعييه، حتى إعدامه في سنة 2016، حيث نشر ردا على الأردني إياد قنيبي بخصوص فتوى لأنصار الشريعة في تونس بعدم جواز التعامل مع المحاكم، وأقسام الشرطة، وعلى تكفير عناصرها وعدم قبول العذر بالجهل في هذه المسائل، وكان الحطاب قد نشر رسالة صوتية بعنوان “الكواشف الجلية على أن العذر بالجهل عقيدة الأشاعرة والجهمية” وله الكثير من الفيديوهات والدروس في التأكيد على تكفير المعين وعدم العذر بالجهل.

اضافة تعليق