أم عمارة.. المُدافعة عن رسول الله

الأربعاء، 27 سبتمبر 2017 12:00 ص

هي نسيبة بنت كعب الأنصارية الخزرجية وكنيتها "أم عمارة"، وهي أخت عبدالله بن كعب فارس بدر، وعبدالرحمن وهو من العابدين المتقين، وزوجة يزيد بن عاصم، أنجبت ولدين هما حبيب وعبدالله وهما من فرسان الإسلام؛ وتزوجت من بعده غزية بن عمرو وأنجبت تميماً وخولة؛ وكان إسلامها إسلام عقل ويقين، حيث جاء عن فهم وإرادة واقتناع، لا تبعية لزوج أو أخ أو أب أو كبير قوم.

كانت أم عمارة إحدى امرأتين وفدتا مع ثلاثة وسبعين رجلاً إلى مكة للقاء النبي -صلى الله عليه وسلم- ومبايعته عند العقبة، كما بايعت النبي -صلى الله عليه وسلم- بيعة الرضوان عند الشجرة التي رضى الله عن كل من بايع تحتها، وأثبت ذلك في محكم التنزيل فقال جل شأنه "لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً" .

شهدت نسيبة غزوة أحد مع زوجها وولديها، فلما تحول ميزان المعركة في صالح المشركين، لم ترهب الموقف رغم عدد وعتاد المشركين، ولم تفر من ميدان المواجهة، بل ثبتت وصمدت وسجلت أعظم موقف يمكن أن يقوم به إنسان، حيث أخذت تدافع في بسالة منقطعة النظير عن نبي الله الخاتم، تتلقى عنه الضربات، وتذود عنه غير عابئة بما أصابها من جروح والتي بلغت -كما يقول الرواة- اثني عشر جرحاً.

وروى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قوله في غزوة أحد "ما التفت يوم أحد يميناً ولا شمالاً إلا وأراها تقاتل دوني"؛ وكان قد شاهدها فقال لابنها عبدالله "بارك الله عليكم من أهل بيت، رحمكم الله أهل بيت"؛ فقالت أم عمارة: ادع الله أن نرافقك في الجنة؛ فقال "اللهم اجعلهم رفقائي في الجنة"؛ قالت: والله لا أبالي بعد ذلك ما أصابني من الدنيا.

وسألت أم عمارة رسول الله يوماً: ما أرى كل شيء إلا للرجال، وما أرى النساء يذكرن في شيء فاستجاب الله لها، ونزل الوحي بآيات كريمة تؤكد مكانة المرأة في الإسلام هي "إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيراً والذكرات أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً" .

وإلى جانب دورها البطولي في المعارك، وشرف الدفاع عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كانت أم عمارة تقوم بواجبها الإنساني في تمريض المجاهدين، حيث كانت تحمل الأربطة على وسطها، وكلما أصاب أحد المجاهدين جرح، جرت إليه وضمدت جراحه، وطلبت منه أن ينهض بسرعة ليستأنف الجهاد في سبيل الله.

وكما فعلت مع الجميع، فعلت مع ابنها الذي جرح في أحد، وقالت له بعد أن أسعفت جراحه: قم وانهض إلى الجهاد، وعندما شاهد النبي -صلى الله عليه وسلم- ما أصاب ولدها أشار إلى أحد المشركين، وقال "هذا ضارب ابنك" فسارعت إليه وضربته في ساقه فوقع على الأرض وأجهزت عليه.

وهكذا غيرت أم عمارة القاعدة التي تقول إن الحرب والجهاد شأن من شؤون الرجال، لا تستطيع النساء المشاركة فيه، أو تحمل أعبائه وقسوته، وأكدت عملياً أن ساحة الجهاد والكفاح الوطني تتسع للرجال والنساء، فالكل يحمل المشاعر الوطنية، والكل يستطيع أن يؤدي واجباته، دفاعاً عن دينه ووطنه وكرامته.

لقد أبلت هذه الفارسة في الغزوات التي شاركت فيها بلاء حسناً، وكلّما رآها النبي -صلى الله عليه وسلم- تدافع عن الإسلام والمسلمين هتف قائلاً "من يطيق ما تطيقين يا أم عمارة"؛ فقد فقدت أم عمارة -رضي الله عنها- يدها في إحدى الغزوات، وقدمت ولدها شهيداً في سبيل الله، وعاشت تجاهد في سبيل الله بكل ما أوتيت من عزم وقوة، وكلمة الحق على لسانها، والسيف في يدها، ووعاء الماء في اليد الأخرى، والأربطة حول وسطها تضمد بها الجراح أثناء الغزوات، وكانت كلماتها ترفع همم المجاهدين، وتشد من أزر المقاتلين، فيكون النصر حليفهم، والسداد رفيقهم.

ولم يتوقف دور أم عمارة في الدعوة الإسلامية على ما قدمته في حياة الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقط، ولكنه امتد إلى آخر يوم في حياتها، حيث شاركت في جيش أبي بكر الذي حارب المرتدين، وفي معركة اليمامة مع خالد بن الوليد؛ ورغم قوة إيمانها وتسليمها بقضاء الله وقدره، فإنها حزنت على ولدها حبيب الذي أرسله النبي -صلى الله عليه وسلم- برسالة إلى مسيلمة الكذاب فقتله بعد أن أهانه وعذبه.

فقد سأله الكذاب: أتشهد أن محمداً رسول الله؟، فيقول: نعم؛ فيقول له: أتشهد أني رسول الله؟؛ فيقول: لا أسمع شيئاً. فأخذ الكذاب يقطع بسيفه في جسم الفتى المؤمن الصابر، فلا يزيده التعذيب إلا عزماً وصلابة وإيماناً وإحساناً حتى مات؛ فعلمت بموت ولدها فنذرت ألا يصيبها غسل حتى يقتل مسيلمة، ووفت بنذرها.

اضافة تعليق