قدسية الموت عند قدماء المصريين

الإثنين، 25 سبتمبر 2017 12:00 ص

فقد كانت فكرة الحياة الأخرى مسيطرة على أذهان المصرييي القدماء أكثر من غيرهم من الشعوب، وذلك بسبب طبيعة المصري القديم وكثرة تأمله فيما حوله من ظواهر مثل شروق الشمس، كأنها تولد وغروبها كأنها تموت، ثم تعود في اليوم التالي للشروق مرة أخرى، وكذلك الفيضان الذي كان يأتي مرة واحدة في العام ثم ينخفض منسوب النيل الأمر الذي تم تشبيه كأن الإنسان قارب على الموت، حيث لا يحمل الخير مثلما يحمل الفيضان من السمك والطمي الخصب. 
 
وأظهرت كل هذه الظواهر وتأملات المصري القديم فكرة الخلود، ولكن كان يجب الحفاظ على الجسد لتهتدي إليه الروح بعد الموت ليحيا حياة أخرى، وربما كان ظهور تلك الفكرة بسبب خاصية رمال مصر، التي تحافظ على جسد الميت، حيث تقارب شكل الجثة شكل عن فن التحنيط، الذي كان وما زال يبهر العالم بما حققه من حفظ كامل لأجساد الفراعنة.
 
*طقوس دفن الميت لدى الفراعنة : 
 
كان المصريون القدماء يتوجهون بجسد الميت بعد أن يتم تحنيطه في موكب حتى يصل إلى الشاطئ الشرقي للنيل، حيث ينتظرهم أسطول صغير من القوارب، وكان المركب الرئيسي به غرفة كبيرة مبطنة من الداخل بأقمشة في هذه الغرفة، كان يوضع جسد الميت ومعه تماثيل: "إيزيس ونفتيس" الإلهتان الحاميتان للميت، ويقوم الكاهن بحرق البخور وتواصل النائحات اللطم على رؤسهن.
 
وبعد عبور النيل حتى الشاطئ الغربي للنيل، يستمر الموكب حتى يصل إلى قبر الميت وبعد عمل بعض الطقوس لا يبقى سوى إنزال التابوت والأثاث الجنائزي وترتيبه، فيوضع التابوت المصنوع على هيئة المومياء في تابوت أخر من الحجر يتخذ شكل حوض مستطيل، ويوضع حوله عدة أشياء مثل "العصي والأسلحة والتمائم"، ثم يقفل التابوت الحجري بغطاء ثقيل ويوضع بجانب التابوت الأواني الكانوبية "هي الأواني التي توضع فيها أحشاء الميت، وتتخذ أشكال أبناء حورس الأربعة لذا فالأواني الكانوبية أربعة" داخل صندوق خاص، تم توضع المواد الغذائية للمتوفى التي تسمى "الأوزيربات النابتة "، وهي عبارة عن إطارات من الخشب على شكل أوزويس محنط وبداخلها كيس من القماش الخشن يملئ بخليط من الشعير والرمل ويسقى لعدة أيام، فإن أهرامات الجيزة تمثل ثقافة الحجر وصلابته التي تأبى الفناء، والتحنيط أراد به الفراعنة السلطة الأبدية في تعبير جمالي للخلود.
 
توجد في كتاب الموتى عادة صورة لأوزيريس جالسا على عرشه في الآخرة وإلى الخلف تستند إليه أختاه إيزيس ونفتيس، وأمامه أبناء إبنه حورس الأربعة الصغار ليساعدوه في حساب الميت.
 
وكان تصور المصري القديم أن الإله حورس سيأتي بالميت بعد نجاحه في اختبار الميزان ويقدمه إلى أوزيريس، ويُعطى لباسا جميلا ويدخله إلى الحديقة الغناء "الجنة"، و قبل ذلك لابد من أن تتم عملية وزن أعمال الميت في الدنيا عن طريق وضع قلبه في إحدى كفتي الميزان وتوضع في كفة الميزان الأخرى ريشة "ماعت"، وهي رمز العدالة والأخلاق السوية، فإذا كانت الريشة أثقل من قلب الميت، فمعنى ذلك أنه كان شخصاً طيبا في حياته و على خلق كريم فيأخذ ملبسا جميلا ويدخل حديقة الجنة، حيث حقول الفردوس تتخللها الأنهار من تحتها ليعيش فيها راضيا سعيدا أبد الآبدين. أما إذا ثقل قلب الميت عن وزن الريشة فمعناه أنه قد كان في حياته شخصاً شريرا، وعندئذ يُلقى بالقلب وبالميت إلى حيوان خرافي يكون واقفا بجوار الميزان اسمه "عمعموت" رأسه رأس أسد وجسمه جسم فرس النهر وذيله ذيل تمساح فيلتهمه هذا الحيوان على التو وتكون نهايته.
 
في جزء آخر من البردية يظهر الميت، وهو يمثل أمام ما يسمى بمحكمة الموتى، وهي مكونة من 42 قاضيا للإعتراف بما كان يفعله في حياته، في مقدمتهم "رع حوراختي"، وإلى اليمين أسفل منهم أوزيريس جالسا على العرش وخلفه تقف أختاه إيزيس و نفتيس وأمامه الأبناء الأربعة لحورس واقفون على زهرة البردي، وقاموا بالمحافظة على جثة الميت في القبر، ثم يأتي حورس بالميت لابسا ثوبا جميلا ليمثل أمام أوزيريس ويدخل بعد ذلك الجنة، وإلى اليسار أنوبيس يصاحب الميت لإجراء عملية وزن قلبه، وفي الوسط منظر عملية وزن القلب، حيث يقوم الإله أنوبيس بوزن قلب الميت ويقارنه بريشة الحق "ماعت".
 
فالموت والحياة مرتبطان بالحياة المصرية القديمة، وذاعت شهرة الفراعنة على أنها حضارة للموت بسبب الهرم الأكبر، أضخم مقبرة في التاريخ، ولكن مصر القديمة كانت حضارة عشقت الحياة من خلال الفلاحين الذين صنعوا الثورة الزراعية وشيدوا أقدم حضارة إنسانية، ومن يصنع الحضارة لا يمكن أن يبنيها للموت، ومن درجة عشقهم للحياة وصلوا لفكرة حياة ما بعد الموت، وهو ما تصوره النقوش على جدران المقابر، فهناك احتفاء بالمقبرة لتصورهم لمشهد عودة الروح الى جسد الانسان ليبعث مرة أخرى في الحدائق الأوزورية.
 
وهناك أيضا نموذج قوي للاحتفاء بالحياة والموت في مسجد السلطان حسن الذي بناه كمدرسة بها مقبرة ليدفن فيها بعد وفاته، وتنتشر في منطقة القاهرة القديمة أضرحة ترتبط بدور العبادة، وحتى في تقسيمات المدن الجديدة يتم تخصيص مساحة محددة للمقابر، ولذلك لم يكن الموت عند المصري نهاية الحياة، ولكنه بداية جديدة.

اضافة تعليق