عثمان بن مظعون.. أول مهاجر توفى في المدينة المنورة

الإثنين، 25 سبتمبر 2017 12:00 ص

إسلامه
 
انطلق عثمان بن مظعون، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، وعبد الرحمن بن عوف وأبو سلمة بن عبد الأسد، وأبو عبيدة بن الجراح، حتى أتوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فعَرَض عليهم الإسلام، وأنبأهم بشرائعه، فأسلموا جميعاً في ساعةٍ واحدةٍ، وذلك قبل دخول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دار الأرقم، وقبل أن يدعو فيها.
 
 بلغ أصحاب الرسول -صلى الله عليه وسلم- الذين خرجوا إلى الحبشة أن أهل مكة قد أسلموا، فغادروا الحبشة عائدين، ولكن حين دنو من مكة علموا بأن هذا النبأ خاطيء، فلم يدخل أحد منهم إلى مكة إلا بجوار أو مستخفيا وكانوا ثلاثة وثلاثون منهم عثمان بن مظعون الذي دخل بجوار من الوليد بن المغيرة.
 
ولكن لما رأى -رضي الله عنه- ما فيه أصحـاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-من البلاء وهو يغـدو ويروح في أمـان من الوليد بن المغيرة قال:  والله إن غدوي ورواحي آمنا بجوار رجل من الشرك، وأصحابي وأهل ديني يلقون من البلاء والأذى ما لا يصيبني لنقص كبير في نفسي}.
 
فمشى إلى الوليد بن المغيرة فقال له: {يا أبا عبد شمس، وَفَت ذمتك، قد رددت إليك جوارك}.
 
فقال له: { يا ابن أخي لعله آذاك أحد من قومي}.
 
قال: { لا، ولكني أرضى بجوار الله ولا أريد أن أستجير بغيره }.
 
فقال: { فانطلق إلى المسجد فاردد علي جواري علانية كما أجرتك علانية }.
 
فانطلقا حتى أتيا المسجد فقال الوليد: { هذا عثمان قد جاء يرد عليّ جواري }.
 
قال عثمان: { صدق قد وجدته وفيا كريم الجوار ولكني أحببت أن لا أستجير بغير الله، فقد رددت عليه جواره }.
 
 ثم انصرف عثمان، ولبيـد بن ربيعة في مجلس من قريش يُنشـدهم، فجلس معهم عثمان، فقل لبيـد: { ألا كل شيء ما خلا الله باطـل }.
 
قال عثمان: { صدقت }.
 
قال لبيد: { وكل نعيم لا محالة زائل }.
 
قال عثمان: { كذبت، نعيم الجنة لا يزول }.
 
قال لبيد: { يا معشر قريش، والله ما كان يؤذى جليسكم، فمتى حدث هذا فيكم ؟}.
 
فقال رجل من القوم: { إن هذا سفيه من سفهاء معه، قد فارقوا ديننا فلا تجدن في نفسك من قوله }.
 
فرد عثمان عليه حتى شري أمرهم، فقام إليه ذلك الرجل فلطم عينه فخضّرها والوليد بن المغيرة قريب يرى ما بلغ من عثمان، فقال: { أما والله يا ابن أخي، إن كانت عينك عما أصابها لغنية، لقد كنت في ذمة منيعة }.
 
فقال عثمان: { بل والله إن عيني الصحيحة لفقيرة إلى مثل ما أصاب أختها في الله وإني لفي جوار من هو أعز منك وأقدر يا أبا عبد شمس }.
 
فقال الوليد: { هلم يا ابن أخي، إن شئت فعد إلى جوارك }.
 
فقال عثمان: { لا }.
 
راهب الليل
 
وهاجر عثمان بن مظعـون إلى المدينة مع الرسـول -صلى الله عليه وسلم- والمسلميـن، وظهرت حقيقته الطاهرة، فهو راهـب الليل والنهار وفارسهمـا معا، تفرغ للعبادة وانقطع عن مناعم الحياة فلا يلبس إلا الخشـن ولا يأكل إلا الطعام الجشِب، فقد دخل يوما المسجد، وكان يرتدي لباسا تمزق، فرقعه بقطعة من فروة، فرق له قلب النبي -صلى الله عليه وسلم- ودمعت عيون الصحابة فقال لهم الرسول -صلى الله عليه وسلم-: { كيف أنتم يوم يغدو أحدكم في حُلّة، ويروح في أخرى، وتوضع بين يديه قصعة وترفع أخرى، وسَتَرتم بيوتكم كما تستر الكعبة ؟}.
 
قال الأصحاب: { وَدِدْنا أن ذلك يكون يا رسول الله، فنُصيب الرخاء والعيش }.
 
فأجابهم الرسول الكريم: { إن ذلك لكائن، وأنتم اليوم خير منكم يومئـذ }.
 
اتّخَذَ عثمان بن مظعون بيتاً فقعد يتعبّد فيه، فبلغ ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- فأتاه، فأخذ بعِضادتَيْ باب البيت الذي هو فيه فقال: { يا عثمان إن الله لم يبعثني بالرهبانيّة، مرّتين أو ثلاثاً، وإنّ خيرَ الدّين عند الله الحنيفيّة السمحة }.
 
الأسوة الحسنة 
 
وحين سمع ابـن مظعـون ذلك زاد هربا من النعيم، بل حتى الرفث إلى زوجته نأى عنه وانتهى، فقد دخلت امرأةُ عثمان على نساء النبـي -صلى اللـه عليه وسلم- فَرَأيْنها سيّئة الهيئة، فقُلن لها: { مَا لكِ ؟ فما في قريش أغنى من بعلِك ؟}.
 
قالت: { ما لنا منه شيءٌ، أمّا ليلهُ فقائمٌ، وأمّا نهارَهُ فصائم }.
 
 فدخل النبـي -صلى اللـه عليه وسلم- فذكَرْنَ ذلك له، فلقيهُ فقال: { يا عثمان بن مظعون أمَا لكَ بي أسوة }.
 
فقال: { بأبي وأمي، وما ذاك ؟}.
 
قال: { تصوم النهار وتقومُ الليلَ ؟!}.
 
قال: { إنّي لأفعل }.
 
قال: { لا تفعلْ، إنّ لعينيك عليك حقّاً، وإن لجسدك حقّاً، وإن لأهلك حقّاً، فصلّ ونمْ، وصُم وأفطر }.
 
 فأتت امرأته على زوجات النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد ذلك عطرةُ عروس، فقُلنَ لها: { مَهْ ؟!}.
 
قالت: { أصابنا ما أصاب الناس }.
 
 وفاته 
 
حين كانت روحه تتأهب للقاء ربها وليكون صاحبها أول المهاجرين وفاة بالمدينة سنة { 2 هـ }، كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى جانبه يقبل جبينه ويعطره بدموعه وودعه الرسـول -صلى اللـه عليه وسلم- قائلا: { رحمك الله أبا السائب، خرجت من الدنيا وما أصبت منها ولا أصابت منك }.
 
ولم ينسه الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعد ذلك أبدا حتى حين ودع ابنته رقية حين فاضت روحها قال لها: { الحقي بسلفنا الخيِّر، عثمان بن مظعون }.

اضافة تعليق