لماذا نهى الله عن النجوى؟

الإثنين، 25 سبتمبر 2017 12:00 ص

وقال تعالى: "ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة"، وتقدم بأن لم ينتهوا عن النجوى بعد أن سمعوا الوعيد عليها بقوله تعالى: "ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة"، فالمراد بـ"الذين نهوا عن النجوى"، هم الذين عنوا بقوله: "ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم" .

وقال تعالى: "ثم يعودون"، لأن عودتهم إلى النجوى بعد أن نهوا عنها أعظم من ابتداء النجوى لأن ابتداءها كان إثماً لما اشتملت عليه نجواهم من نوايا سيئة نحو النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، فأما عودتهم إلى النجوى بعد أن نُهوا عنها، زادوا به تمرداً على النبي صلى الله عليه وسلم ومشاقة للمسلمين، فالجملة مُستأنفة استئنافاً ابتدائياً اقتضاه استمرار المنافقين على نجواهم.

والاستفهام في قوله: "ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى" تعجيبي مراد به توبيخهم حين يسمعونه، والرؤية بصرية بقرينة تعديتها بحرف "إلى".

والتعريف في "النجوى" تعريف العهد لأن سياق الكلام في نوع خاص من النجوى، وهي النجوى التي تحزن الذين آمنوا كما ينبىء عنه قوله تعالى: "إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا"، ويجوز أن يكون النهي عن جنس النجوى في أول الأمر يعم كل نجوى بمرأى من الناس سدًا للذريعة.

وقال ابن العربي في «أحكام القرآن» عند قوله تعالى: "لا خير في كثير من نجواهم" : إن الله تعالى أمر عباده بأمرين عظيمين: أحدهما: الإِخلاص وهو أن يستوي ظاهر المرء وباطنه، والثاني: النصيحة لكتاب الله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، فالنجوى خلاف هذين الأصلين وبعد هذا فلم يكن بد للخلق من أمر يختصون به في أنفسهم ويخص به بعضهم بعضاً فرخص في ذلك بصفة الأمر بالمعروف والصدقة وإصلاح ذات البين.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا كان ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون واحد"، وتحدث النووي الإِجماع على جواز تناجي جماعة دون جماعة واحتج له ابن التين بحديث ابن مسعود قال: فأتيته "يعني النبي صلى الله عليه وسلم وهو في ملأٍ فساررته، وحديثُ عائشة في قصة فاطمة دال على الجواز"، وقال ابن عبد البر: لا يجوز لأحد أن يدخل على المتناجيين في حال تناجيهما، وأُلحق بالتناجي أن يتكلم رجلان بلغة لا يعرفها ثالث معهما.

والقول في استعمال "ثم يعودون لما نهوا عنه" في معناه المجازي وتعديته باللام نظير القول في قوله تعالى: "ثم يعودون لما قالوا"، وكذلك القول في موقع "ثم" عاطفة الجملة، وصيغة المضارع في "يعودون" دالة على التجدد، أي يكررون العدد بحيث يريدون بذلك العصيان وقلة الاكتراث بالنهي فإنهم لو عادوا إلى النجوى مرة أو مرتين لاحتمل حالهم أنهم نسوا.

و"ما نهوا عنه" هو النجوى، فعدل عن الإِتيان بضمير النجوى إلى الموصول وصلته لما تؤذن به الصلة من التعليل لما بعدها من الوعيد بقوله: "حسبهم جهنم على ما في الصلة من التسجيل على سفههم، وقرأ الجمهور يتناجون" بصيغة التفاعل من نَاجى المزيد، وقرأه حمزة ورويس ويعقوب و "يَنْتَجُون" بصيغة الإِفتعال من نجا الثلاثي المجرد أي سَارَّ غيره، والافتعال يَرِد بمعنى المفاعلة مثل اختصموا واقتتلوا، والإِثم: المعصية وهو ما يشتمل عليه تناجيهم من كلام الكفر وذم المسلمين، و"العدوان" بضم العين: الظلم وهو ما يدبرونه من الكيد للمسلمين.

ومعصية الرسول مخالفة ما يأمرهم به ومن جملة ذلك أنه نهاهم عن النجوى وهم يعودون لها، والياء للملابسة، أي يتناجون ملابسين الإِثم والعدوان ومعصية الرسول وهذه الملابسة متفاوتة، فملابسة الإِثم والعدوان ملابسة المتناجى في شأنه لفعل المناجين، وملابسة معصية الرسول صلى الله عليه وسلم ملابسة المقارنة للفعل، لأن نجواهم بعد أن نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عنها معصية وفي قوله: "نهوا عن النجوى" وقوله: "ومعصيت الرسول" دلالة على أنهم منافقون لا يهود، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان ينهى اليهود عن أحوالهم، وهذا يرد قول من تأول الآية على اليهود وهو قول مجاهد وقتادة، بل الحق ما في ابن عطية عن ابن عباس أنها نزلت في المنافقين.

اضافة تعليق