الدكتور علي جمعة يكتب: محاور بناء المجتمع

الإثنين، 25 سبتمبر 2017 12:00 ص


ويشمل هذا الحديث عدة وصايا جامعة تُكَوِّن منهجاً رصيناً ومحدداً لبناء الحضارة وتقوية أركان المجتمع، فيدعو النبي ﷺ من خلاله إلى العلم والتعلم، وإلى التكافل الاجتماعي، وإلى الانتماء الوطني، وإلى بناء الإنسان بتنميةٍ شاملة إذا أردنا أن نُعبِّر بألفاظ أدبيات العصر، ويتضمن الحديث محاور أخرى كثيرة ولكن يكفينا منها هذه المحاور الأربعة لنتدبرها ونتأملها ونحولها لواقع نبنى به حضارتنا ومجتمعنا:

1- أَمَرنا ﷺ بالعلم والتعلم، واستعمل الكلمة المنَكَّرة «علماً»، والنكرة تفيد العموم لتشمل أي علم بمختلف مجالاته وغاياته، سواء لإدراك الحقيقة الكونية أو العقلية أو النقلية أو الشرعية، فالعلم هو القدر اليقيني من المعرفة، وهو إدراكٌ جازمٌ مطابقٌ للواقع ناشئٌ عن دليل، والعلم له طريقه، وإذا كان صحيحًا يُوصل إلى الله رب العالمين، قال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ) ونحن نحتاج إلى العلم في عصرنا هذا أشد الاحتياج، وهو في قائمة أولوياتنا الملحة، فليس هناك على خريطة وطننا في الأولويات ما هو قبل العلم، فبالعلم نستطيع أن نتحد، وبالعلم نستطيع أن نقوى ونصبح مجتمعًا قوياً، ويقول ﷺ: «المؤمن القوى خيرٌ وأحب عند الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير»، وهذا التصوير لكل من ذهب يشتري كتابًا، أو كل من أراد أن يحضر مؤتمرًا، أو من كتب بحثًا يسهر فيه الليالي، أو يُجمِّع مادةً علمية من أجل أن يُدرِّس، أو أن يكتب، أو أن يُلقي محاضرة أنه يسير في طريق الجنة تشبيه إعجازي، يحث على العلم ويجعل منه هدفاً لكل مسلم فيربط الدنيا بالآخرة، ويرفع الحجاب الحاجز بين هذه الحياة، وبين مراد الله من خلقه.

وكرر رسول الله ﷺ حثه على العلم في نهاية الحديث مؤكداً محور حضارة الإسلام وهو القرآن الكريم، فعليه الخدمة، ومنه المنطلق، وإليه العودة، وبه التحاكم، فهو المعيار الذي جعله الله سبحانه وتعالى محفوظاً معجزاً ناطقاً باسم الرسالة الإسلامية إلى يوم الدين، ولذلك فلابد لكل حضارةٍ ولكل مجتمعٍ قوي أن يجعل لنفسه محورا يخدمه، والقرآن محور حضارة المسلمين فخدموه بالكتابة، وأنشأوا وأبدعوا الخط العربي، وخدموه بالتفسير، وخدموه بالفقه والإدراك، وخدموه بعلوم الحياة، لأن الله سبحانه وتعالى أمرنا بالسعي في الأرض، وبالنظر فيها، وبمعرفة الحقيقة والبرهان، نجح المسلمون في خدمة هذا الكتاب وتحويله من نصه المسطور إلى واقع معيش وبرنامجٍ يومي.

2- والمحور الثاني هو التكافل الاجتماعي، وجعل ﷺ أساسه مساعدة المعسر لتجاوز عسرته، وهو أمر يعود في النهاية بالخير على المجتمع ككل وليس مقتصرا على المعسر بتجاوز مشكلته أو المساعد بتحصيل الثواب، وإنما هي طريقة اقتصادية رشيدة يؤمن بها الاقتصاديون المعاصرون، ويسمونها التعويم: أي أننا نُعوِّم هذا الذي كاد أن يغرق، وبتعويمه يعود النفع والمصلحة على الفرد وعلى المجتمع.

3- والمحور الثالث هو الانتماء الوطني ويعبر عنه ﷺ بأن يكون العبد في عون أخيه، ولم يقل هنا المسلم، وإنما وسع الدائرة، وجعل الانتماء الوطني أساس التعامل، فأقر التعددية الدينية التي تندرج تحت قوله تعالى: (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر) ، وقوله: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ) ، وقوله: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) ، وقوله: (مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا البَلَاغُ) ، وقوله: (لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ) ، وقوله: (فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) ، فجاء خطابه العام ﷺ تعبيراً عن الاندماج الوطني رغم اختلاف الدين والتكاتف بين الناس رغم اختلاف العقيدة، في تعايش لم نر مثله طريقًا في الوصول إلى المجتمع القوي.

4- والمحور الرابع والأخير تناول بناء الإنسان فيقول ﷺ: «وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ»، فالأمر ليس بالأنساب ولا الوجاهة ولا الأحساب، إنما بالعمل، فقيمة الإنسان في الوجود وفي المجتمع بعمله في عبادة الله: (وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ) ، وفي عمارة الأرض: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) ، (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) يعني طلب منكم عمارها، وفي تزكية النفس: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا).

محاور أربعة لو أننا تأملناها، وفهمناها، ثم بعد ذلك حولناها إلى برامج عمل نعيش فيها ونُفعِّلها في حياتنا، لأصبح هذا المجتمع من خِيرة المجتمعات في أمور الدنيا وفي أمور الآخرة.

 

اضافة تعليق