مفاهيم إفتائية «10»: الفقه

الأحد، 24 سبتمبر 2017 12:00 ص

وأيضاً الفقه في اللغة هو الفهم مطلقًا، أي: الفهم لأي شيء في الوجود، وهذا المعنى عام لا يتميز به مصطلح الفقه عن غيره؛ لأن الفهم كما يكون لأحكام الفقه يكون لغيرها مما يدخل في علم التفسير والحديث مثلا، بل يتعدى علوم الشريعة إلى غيرها من العلوم والمعارف.
 
وأما مصطلح "الفقه" عند علماء الشريعة فهو خاص بمعرفة نوع معين من المعلومات؛ لأنه يعني -ببساطة- معرفة الحكم الشرعي لكل عمل يصدر من الإنسان، وفي حياته، من غير استثناء.
 
يعُد الفقه، أن العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبُ من أدلتها التفصيلية، وفي معناه قول ابن خلدون في مقدمته: "الفقه: معرفة أحكام الله تعالى في أفعال المكلفين: بالوجوب والحظر والندب والكراهة والإباحة، وهي متلقاة من الكتاب والسنة وما نصبه الشارع لمعرفتها من الأدلة، فإذا استُخرِجَت الأحكام من تلك الأدلة قيل لها: فقه".
 
التعريف الأول:
 
الفقه هو: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية.
 
وهذا التعريف هو الذي استقر عليه مصطلح الفقه بعد أن مر بعدة أطوار بدأت بمعنى واسع، يعم معرفة جميع علوم الشريعة تحت اسم: "الفقه الأكبر"، ثم أخذ المصطلح يضيق معناه -بسبب كثرة العلوم الشرعية التي دونت عبر العصور وظهور الحاجة إلى تمييز بعضها عن بعض- حتى انتهى الأمر إلى قصر مصطلح الفقه على: العلم بالأحكام الشرعية العملية؛ وذلك ليتميز عن علم العقيدة الذي يعتني بالأحكام الشرعية الاعتقادية، وليتميز عن علم الأخلاق أو التصوف الذي يعتني بالأحكام الشرعية الوجدانية، يتضح أن المراد بالعلم في هذا التعريف: الاعتقاد الراجح؛ لأن الأحكام الفقهية لم تثبت كلها بالعلم اليقيني، بل كثير منها ثابت بالظن القوي الراجح، الحاصل للفقيه من النظر في الأدلة الشرعية بناءً على قواعد الاستنباط، وعلى رأسها قواعد علم أصول الفقه.
 
وهذا الظن القوي الراجح هو الذي تعبدنا الله تعالى به في الأحكام الفقهية، بمعنى أن الفقيه متى حصل عنده الظن القوي بأن الحكم الفلاني هو حكم الله تعالى في المسألة الفلانية، وجب عليه أن يعتقد هذا وأن يفتي به من يسأله عن الحكم الشرعي لهذه المسألة، كما أن المقلد للفقيه يجب عليه أن يعتقد هذا وأن يعمل به.
 
واكتفاء الشارع بالظن القوي لوجوب الاعتقاد والعمل من الفقيه ومن يعمل بقوله -هو مظهر من مظاهر رحمة الله تعالى في هذه الشريعة؛ لأن الشارع - سبحانه وتعالى- لو ألزم الفقيه باستنباط الحكم عن طريق العلم اليقيني للزم من هذا أمران ينافيان حكمة الشارع -سبحانه وتعالى- وإرادته تحقيقَ مصالح العباد والتيسير عليهم:
 
أما الأمر الأول: فهو عجز الفقيه عن بيان الحكم الشرعي في كثير من الوقائع والحوادث؛ لأنه -على هذا التقدير- ملزم بالوصول إلى الحكم بطريق العلم اليقيني القطعي، وهذا العلم القطعي قد لا يتوفر لديه في هذه المسألة؛ لأن الأدلة الواردة فيها قد تحتمل وجوها متعددة، وليست قاطعة في وجه واحد، فيقف الفقيه حينئذ عاجزاً عن بيان الحكم الشرعي، وتضيق الشريعة، وتفقد مزية من أهم مزاياها، وهي قدرتها على تنظيم جميع حركات الإنسان في الحياة.
 
وهذا خلاف ما أجمع عليه المسلمون من أنه يستحيل أن توجد حادثة أو واقعة أو مسألة تتعلق بأفعال العباد من غير أن يكون لله - سبحانه وتعالى- فيها حكم، وللشرع فيها بيان.
 
فاقتضت حكمة الحكيم الخبير -سبحانه وتعالى- أن يرفع الحرج عن فقهاء الإسلام، بأن يكتفي منهم باستخراج الأحكام الشرعية بطريق الظن القوي الذي يحصل للمجتهد بتغليب بعض احتمالات الدليل على بعضها الآخر، كما غلَّب الشافعيُّ احتمالَ أن تكون الباء في قوله تعالى:"وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ" (المائدة: 6) للتبعيض، فقال: إن الواجب مسح بعض الرأس ولو بعض شعرة، بينما غلَّب أبو حنيفة احتمال أن تكون الباء للإلصاق، فانتهى إلى أن الواجب مسح ربع الرأس، وهكذا.
 
الأمر الثاني:أنه لو ألزم الشارع -سبحانه وتعالى- الفقيه باليقين والقطع، لارتفع الخلاف؛ لأن القطعيات لا تختلف فيها العقول، وهذا على خلاف مراد الشارع -سبحانه وتعالى-؛ لأن مقتضى حكمته ورحمته:الإذنُ بوقوع الخلاف في الشريعة؛ تبعًا لاختلاف أنظار الفقهاء في الأدلة الشرعية التي تحتمل الدلالة على أكثر من معنى، وقد أذن الشارع بوقوع الخلاف؛ رحمة بعباده، الذين تتفاوت أحوالهم وتختلف طبائعهم ومشاربهم وبيئاتهم وظروفهم، فكان مقتضى الحكمة: أن تتنوع اجتهادات الفقهاء في تفسير النصوص المحتملة، فيكون في الشريعة من الفتاوى ما يناسب جميع العباد مهما اختلفت أحوالهم، قوة وضعفا، أو غنى وفقرا، أو غير ذلك مما يتفاضل فيه الخلق.
 
ثانيًا: وقولهم في التعريف "الأحكام" جمع حكم، وهو: إسناد أمر لأمر أو نفيه عنه كإسناد العلم لعلي في قولنا: "علي عالم" ونفي الجهل عنه في قولنا: "علي ليس بجاهل".
 
وهذا القيد يخرج به العلم بغير الأحكام، فلا يكون داخلا في تعريف الفقه، فيخرج به العلم بالذوات، والعلم بالصفات، والعلم بالأفعال.
 
ثالثا: قولهم في التعريف: "الشرعية" أي: المستفادة من الشرع: إما بالنص، وإما بالإجماع وإما بالقياس، وإما بغير ذلك من الأدلة الشرعية المعتبرة.
 
ولما كانت الأحكام منها ما هو شرعي ومنها ما هو غير شرعي، ذكروا في تعريف الفقه هذا القيد؛ ليخرج به العلم بالأحكام غير الشرعية، فيخرج به العلم بالأحكام العقلية، كالعلم بأن الواحد نصف الاثنين، ويخرج به العلم بالأحكام الحسية كالعلم بأن النار محرقة، ويخرج به العلم بالأحكام الوضعية أو الاصطلاحية كالعلم بأن الفاعل مرفوع.
 
رابعا: قولهم في التعريف "العملية" أي: الأحكام الشرعية المتعلقة بصفة عمل من أعمال العباد، ويعبر عنها بالأحكام الفرعية، وذلك كقول الجمهور: إن صلاة الوتر سنة، فهذا حكم عملي؛ لأنه متعلق بصفة عمل، والصفة هنا هي السنية، والعمل هو الوتر.
 
وهذا القيد يخرج به الأحكام الشرعية غير العملية، وتشمل ثلاثة أنواع هي: الأحكام الاعتقادية كالعلم بوحدانية الله تعالى، والأحكام الوجدانية كحرمة الرياء والكبر، وأحكام علم أصول الفقه كحجية الإجماع ودلالة لفظ الأمر على الوجوب عند انعدام القرينة الصارفة له عن الوجوب.
 
فهذه الأنواع الثلاثة من الأحكام قد تذكر في كتب الفقه على سبيل الشرح والتمثيل والبيان للحكم الفقهي، لكنها ليست داخلة في موضوع علم الفقه، بل كل واحد منها داخل في موضوع علم آخر.
 
أما الأحكام الاعتقادية فتدرس في علم التوحيد أو العقيدة، وأما الأحكام الوجدانية فتدرس في علم الأخلاق أو التصوف، وأما أحكام علم أصول الفقه فتدرس فيه.
 
خامسًا: وقولهم في التعريف "المكتسبُ" صفة للعلم أي: إن الفقه علم مكتسب من الدليل التفصيلي.
 
والمكتسب هو الحاصل بالكسب، وهو مباشرة الأسباب بالاختيار.
 
و"المكتسب" قيد في التعريف يخرج به علم الله تعالى، وعلم الملائكة، وعلم النبي -صلى الله عليه وسلم- المستفاد من الوحي مباشرة.
 
سادسًا: وقولهم في التعريف: "من أدلتها التفصيلية" أي: من الأدلة التي تختص بجزئية معينة، كقوله تعالى:"وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ" (البقرة: 43) فإنه دليل جزئي خاص بالصلاة، ولا يتعداها إلى الصيام، أو غيره.
 
و"التفصيلية" قيد يخرج الأحكام الشرعية المستفادة من الأدلة الإجمالية، والأدلة الإجمالية هي التي لا تختص بجزئية معينة، ومثالها: الأمر، والنهي، فمطلق الأمر دليل إجمالي يدل على حكم إجمالي هو الوجوب، ومطلق النهي دليل إجمالي يدل على حكم إجمالي هو الحرمة.
 
 تقدم أن المعنى الثاني للفقه هو:"مجموعة الأحكام العملية المشروعة في الإسلام"، والفرق بين المعنيين أن الفقه على المعنى الأول هو معرفة الأحكام، وعلى المعنى الثاني هو نفس الأحكام الشرعية لأفعال المكلفين.
 
مما سبق يتبين لنا أن علم الفقه يُبحث فيه عن الأوصاف الشرعية لأفعال المكلَّفين من: الحل والحرمة والوجوب والندب والكراهة وغير ذلك.
 
فقد أجمع المسلمون على أنه لا يخلو فعل للمكلَّف من حكم يبين مراد الله -سبحانه وتعالى- فيه، فكان لا بد من علم يبين أحكام الله -سبحانه وتعالى- في كل فعل يصدر من المكلف حال حياته، حتى يتمكن العبد من التمييز بين الحلال والحرام، فيؤدي ما أمره الله به من الواجبات على سبيل الإلزام، وما أمره الله به من المندوبات على سبيل الأفضلية، ويترك ما نهى الله عنه من المحرمات على سبيل الإلزام، وما نهى عنه من المكروهات على سبيل الأفضلية، ويتخير المكلف في المباحات التي لم يرد فيها أمر ولا نهي.
 
ومن القواعد الشرعية المقررة أن: "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"، فينتج من هاتين المقدمتين أن تعلم الفقه واجب في الجملة؛ لتوقف أداء العبادة عليه.
 
وإنما قلنا: "واجب في الجملة"؛ لأن العبد لا يجب عليه أن يتعلم جميع أحكام الفقه؛ لأن هذا لا يقدر عليه أكثر الناس، وإنما المطلوب من كل إنسان أن يتعلم من علم الفقه ما يتوقف عليه أداء ما أمره الله به وترك ما نهى الله عنه.
 
أما المقدار العام فهو ما يجب على كل إنسان أن يتعلمه حتى يقيم به فرائض الأعيان التي تجب على كل مسلم ومسلمة، كالوضوء والصلاة والصيام، وغير ذلك.
 
ويَدخُل في هذا المقدار العام أيضًا الأحكامُ الفقهية التي يتوقف على معرفتها تركُ المحرمات التي نُهي كل مسلم عن إتيانها، كالزنا، والسرقة، والغش، وغيرها.
 
وأما المقدار الخاص:فهو الذي يجب على المسلم أن يتعلمه قبل أن يُقدِم على عمل بعينه من الأعمال التي وجبت عليه، لكنها لم تجب على جميع المكلفين؛ لأن وجوبها متوقف على شروط وأوصاف يقدر عليها بعض الناس ولا يقدر عليها بعضهم الآخر.
 
وبيان ذلك: أن الحج مثلا لا يجب وجوبًا عامًّا على كل مسلم كوجوب الصلاة مثلا، وإنما يجب على المسلم بشرط الاستطاعة، وهذا الشرط لا يتوفر لكثير من المسلمين، فهؤلاء لا يجب عليهم أن يتعلموا أحكام الحج؛ لأن المقصِد -وهو الحج- لم يجب عليهم، فلا تجب الوسيلة، وهي: تعلم أحكامه.
 
أما من وجب عليه الحج -لتوفر شروط الوجوب في حقه- فيجب عليه حينئذ أن يتعلم الأحكام الفقهية التي يتوقف عليها أداءُ الفريضة كما شرعها الله -سبحانه وتعالى-؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، كما تقدم.
 
هذا وقد تقدم أنه لا يجب على كل إنسان أن يتعلم جميع أحكام الفقه، والمراد بهذا: أنه لا يجب وجوبا عينيًّا على كل مكلَّف، إلا أنه يجب وجوبا كفائيا، على معنى: أنه لا بد وأن يوجد في الأمة الإسلامية من يحيط بجميع الأحكام الفقهية، إما بأن يعرفها بالفعل، وإما بأن تكون لديه القدرة على معرفتها من خلال النظر في الأدلة بناءً على قواعد الاستنباط، وذلك مصداقا لقول الحق -سبحانه وتعالى- :"فَلَوْلَا نَفَرَ..." (التوبة: 122).
 
وإنما وجب أن يوجد في الأمة عددٌ كافٍ من الفقهاء الذين يحيطون علما بأحكام الشرع؛ لأن إقامة الدين والحفاظ على المجتمع الإسلامي لا تتأتى إلا بوجود من يرشد الناس إلى مراد الله -سبحانه وتعالى- منهم في كل شأن من شؤون حياتهم، وإلا لو ترك الناس وشأنَهم من غير هادٍ يهديهم، لعمِل كلُّ ذي رأي برأيه وهواه، فيضيع الدين، ويذهب الأمن، ويحِقُّ على الدنيا الزوال والفناء؛ لأن الأهواء تتصادم، والرغباتِ تتنازع، فتحلُّ شريعةُ الغاب محلَّ شريعة رب الأرباب -سبحانه وتعالى-.
 
ولهذا اقتضت حكمة الله -سبحانه وتعالى- أن يكون قبضُ العلم -بقبض العلماء- من علامات نهاية الدنيا وقرب قيام الساعة، مصداقا لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-(إن الله لا يقبض العلم انتزاعا.....الحديث).
 
وأن العلم طريق العمل، وأن صحة العبادة تتوقف على معرفة الأحكام الفقهية لها، فالعبادة إذًا مبنية على الفقه، والبناء السليم لا يمكن أن يقوم على أساس مختل، بل على أساس صحيح، والأساس الصحيح للعبادة هو الفهم السليم للأحكام الفقهية المتعلقة بها، فكم من أناس أتعبوا أنفسهم في العبادات ثم اكتشفوا أن ما بذلوه من الجهد والمال ضاع سدى؛ لأنهم لم يحرصوا على الفهم الصحيح من العلماء الثقات، وكم من أناس وقعوا في المحرمات والموبقات فهلكوا وأهلكوا، وضلوا وأضلوا؛ بسبب الفهم المغلوط والتصور الفاسد لأمور الشرع.
 
فكان من الواجبات على المسلم الحريص على سعادته في الدنيا ونجاته في الآخرة -أن يتعلم الفقه الواجب عليه عن طريق العلماء الثقات الذين تعلموا في المؤسسات العلمية الموثوق فيها -كالأزهر الشريف- أو على الأقل تلقنوا العلوم الشرعية وفقا للمنهج العلمي الصحيح على أيدي علماء الأزهر الشريف، ومن يماثلهم من العلماء الثقات في البلدان الأخرى، بشرط أن يكون هذا العالم مأذونا له بالتعليم والإفتاء.

المصدر:الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم. 
 
 

اضافة تعليق