المحبة والإيثار في الهجرة النبوية

السبت، 23 سبتمبر 2017 12:00 ص

سرت روح الحب في المدينة بمجرد أن حل بها رسول الله ﷺ واتخذ كل أنصاري لنفسه أخا من المهاجرين يقوم على إيوائه ورعايته وضيافته، فقال تعالى: "وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ".
 
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَآخَى رَسُولُ اللّهِ ﷺ بَيْنَ أَصْحَابِهِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فَقَالَ: "تَآخَوْا فِي اللّهِ أَخَوَيْنِ أَخَوَيْنِ"، يدور الحديث بأجملِ معانيه حول الأنصار، الذين مدحهم الله تعالى في كتابه، وأثنى عليهم الثناء العاطر، ومعهم المهاجرون والمتبعون لهم بإحسانٍ؛ قال الله تعالى: "وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ".
 
وآخى رسول الله بين سعد بن الربيع وعبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنهما، فانطلق سعد إلى داره وقال له: يا عبد الرحمن، أنا أكثر أهل المدينة مالا وأقلهم عيالا، فانظر إلى أي شطر من مالي فخذه، ثم انظر إلى امرأتي هاتين أيتهما تعجبك حتى أطلقها فتتزوج بها. فقال عبد الرحمن بن عوف: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلوني على السوق. فدلوه، فذهب إليه وباع واشترى حتى ربح ربحا وفيرا فأثرى واغتنى.
 
وفي روح المحبة والإيثار التي سرت بين المهاجرين والأنصار نزل قوله تعالى: "وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ".
 
والحديث عن روح التعاون والمشاركة والإيثار بين أصحاب رسول الله والتي وصلت إلى هذا الحد قد يرفضها أو يردها بعضهم، ممن خلع نظارة الحب ولبس مكانها نظارة العصبية وتحكيم المصالح والتقاليد التي تراكمت على قلوبهم، ويرون في مثل هذا الفعل سذاجة سعد بن الربيع الذي عرض على أخيه المهاجر أن يتنازل له عن شطر ماله وأهله، ويرون في عرضه لزوجتيه على أخيه حتى يختار من يرغب في الزواج بها حتى يطلقها له عدم نخوة منه وعدم رجولة، أو يحكمون على مثل هذا السلوك بأنه تحقير للمرأة ومعاملة الزوج لها معاملة الأشياء المملوكة.
 
فالأنصار خيرُ مَن واسى بالنفس والمال؛ قال الله تعالى في معرض المدح: "وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ"، ولكن العطاء له في ساحة النفس حدود يقف عندها، ولا يُبارحها إلا عند هؤلاء القوم الذين قدموا صورةً للتاريخ يرويها مُندهشًا من هذه الثلة المباركة مُهاجرين وأنصارًا، وتأمل هذه الصورة العجيبة في العطاء وفي التعفف أيضًا.
 
*المؤاخاء بين الأنصار والمهاجرين :
 
حينما هاجر النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه إلى المدينة، آخى بين الأنصار والمهاجرين، والشيء العجيب: أن المهاجرين عرضوا على الأنصار نصف أموالهم، عرضوا على من كان عنده بيتان عرض على أخيه بيتاً، ومن كان عنده دكانان عرض على أخيه دكاناً، إلى هنا نكتفي، لا نتابع الموضوع، لكن الذي يلفت النظر: أن هؤلاء المهاجرين ما سجل التاريخ أن واحداً أخذ من أخاه شيئاً.
 
الكلمة الرائعة التي قالها عبد الرحمن بن عوف: بارك الله لك في مالك, ولكن دلني على السوق، الشيء الرائع: أنه بقدر ما كان الأنصار أسخياء, بقدر ما كان المهاجرين أعفة، هذا الإيمان، أخوك سخي وأنت عفيف، أخوك يعرض عليك وأنت تتأدب.
 
وكل هذا الفهم السقيم والنظر السيء مصدره وسببه عدم الإدراك للحب، وعدم النظر إلى الأشياء بنظارته، فإن سعد بن الربيع وزوجتيه وعبد الرحمن قد انصهروا جميعا في بوتقة حب الإسلام وحب رسول الله وحب بعضهم بعضا فصاروا جميعا كالشيء الواحد، فالحديث عن الأنصار مترع بمعاني الحمدِ الخُلُقِيَّةِ والإيمانية، التي لا يعقلها إلا العالمون.
 

اضافة تعليق