"نيكوبوليس".. نهاية إمبراطورية المجر

الجمعة، 22 سبتمبر 2017 12:00 ص

من أهم معارك تلك الفترة معركة نيكوبوليس التي وقعت سنة (800هـ/1396م) وأسفرت عن هزيمة جيش التحالف المجري البلغاري الويلزي الفرنسي البرغندي الألماني وقوات متنوعة بمساعدة من البندقية بالببحر؛ على يد جيوش الامبراطورية العثمانية بقيادة السلطان بايزيد الأول، لتسطر المعركة نهاية الإمبراطورية المجرية الثانية.

بعد انتصار العثمانيين في معركة كوسوفو في عام 1389، كانوا قد غزو معظم البلقان، وتقلّصت الإمبراطورية البيزنطية إلى المنطقة المحيطة مباشرة من القسطنطينية، التي شرعوا في وقت لاحق لمحاصرتها، وأخيراً إخضاعها؛ وخسر القيصر إيفان عاصمته المجرية نيكوبوليس على ايدي العثمانيين، بينما شقيقه إيفان ظلّ متماسكا أمام الغزو العثماني.

فوّض ملك المجر سيجيسموند أربعة فرسان وأسقفاً بإعلان لمحكمة باريس أن يظهروا فيه وصفاً لكيفية غزو أربعين الف جندي من الأتراك للأراضي المسيحية وسلبها وطلب نجدة المجر بالنيابة عنه، استجاب مجلس النبلاء الفرنسيين بشكل كبير إلى الإعلان، وأعلن مارشال فرنسا وعدد من الدول الأوروبية أن المشاركة في الحملة واجب على كل "رجل ذا شجاعة".

اتفق ملك المجر والبابا بونيفاس التاسع على تكوين حلف صليبي جديد؛ لمواجهة الجيوش العثمانية، واجتهد سيجسموند في تضخيم حجم هذا الحلف وتدويله، باشتراك أكبر قدر ممكن من الجنسيات المختلفة؛ فجاء الحلف ضخمًا يضم مائة وعشرين ألف مقاتل من مختلف الجنسيات؛ مثل ألمانيا، وفرنسا، وإنجلترا، وإسكتلندا، وسويسرا، وإيطاليا، ويقود الحلف سيجسموند ملك المجر.

تحرَّكت الحملة الجرارة إلى المجر، ولكن بوادر الوهن والفشل قد ظهرت مبكرًا؛ ذلك لأن سيجسموند قائد الحملة كان مغرورًا أحمقَ، لا يستمع لنصيحة أحد من باقي قواد الحملة، وقد بلغ به الغرور والاعتداد بجيشه وقوته أن قال "لو انقضت السماء من عليائها لأمسكناها بحرابنا"؛ وحدث خلاف شديد على استراتيجية القتال؛ فسيجسموند يُؤْثِر الانتظار حتى تأتى القوات العثمانية، وباقي القواد يرون المبادرة بالهجوم، وبالفعل لم يستمعوا لرأي سيجسموند، وانحدروا مع نهر الدانوب حتى وصلوا إلى مدينة نيكوبوليس في شمال البلقان.

بدأ الصليبيون في حصار مدينة نيكوبوليس، وتغلبوا في أول الأمر على القوات العثمانية، ولم يكد الصليبيون يدخلون المدينة حتى ظهر السلطان العثماني بايزيد ومعه مائة ألف مقاتل، كأنما الأرض قد انشقت عنهم، وكان هذا العدد يقل قليلاً عن التكتل الأوربي الصليبي، ولكنه يتفوق عليهم نظامًا وسلاحًا. وكان ظهور العثمانيين فجأة كفيلاً بإدخال الرعب والهول في قلوب الصليبيين، وبدأت المعركة التي تُعَدُّ من أشرس معارك التاريخ، وقاتل المسلمون يومها قتال مَنْ لا يخشى الموت، وأنزل الله على المسلمين الرحمة والسكينة، وأيدهم بجند من عنده، فقذف في قلوب الذين كفروا الرعب.

وانتهت المعركة بنصر مُبين للمسلمين، ذكرهم بأيام المسلمين الأولى بدر واليرموك، فانهزم معظم النصارى، ولاذوا بالفرار والهرب، وقُتل وأُسر عدد من قادتهم, فقد وقع كثير من أشراف فرنسا -منهم الكونت دي نيفر نفسه- في الأسر، فقبل السلطان بايزيد دفع الفدية، وأطلق سراح الأسرى والكونت دي نيفر، وكان قد ألزم بالقسم على أن لا يعود لمحاربته، وقال له "إني أجيز لك أن لا تحفظ هذا اليمين، فأنت في حلٍّ من الرجوع لمحاربتي، إذ لا شيء أحب إليَّ من محاربة جميع مسيحيي أوربا والانتصار عليهم"؛ أما سيجسموند ملك المجر فقد ولّى هاربًا ومعه رئيس فرسان رودس، ولما بلغا في فرارهما شاطئ البحر الأسود، وجدا هناك الأسطول، فوثبا على إحدى السفن وفرت بهما مسرعة لا تلوي على شيء.

وعلى الرغم من القضاء على القوات الصليبية، إلا أن السلطان بايزيد انزعج لكثرة قتلى المسلمين في المعركة، التي قُدرت بثلاثين ألف قتيل، وتذكر السلطان ما فعله الصليبيون بالحاميات الإسلامية في بلغاريا والمجر، فأمر بقتل الأسرى كلهم وكانوا ثلاثة آلاف أسير، وفي رواية أخرى عشرة آلاف، ولم يُبْقِ إلا أكابر وعِلية القوم؛ للحصول على فدية ضخمة منهم.

تضاءلت مكانة المجر في عيون المجتمع الأوربي بعد معركة نيكوبوليس، وتبخَّر ما كان يُحيط بها من هيبة ورهبة، وكان ذلك النصر المظفر له أثر على بايزيد والمجتمع الإسلامي؛ فقام بايزيد ببعث رسائل إلى كبار حكام الشرق الإسلامي؛ يُبشرهم بالانتصار العظيم على النصارى، كما أرسل إلى الخليفة العباسي المقيم بالقاهرة، يطلب منه أن يقر هذا اللقب؛ حتى يتسنى له بذلك أن يُسبغ على السلطة التي مارسها هو وأجداده من قبله، فوافق السلطان المملوكي برقوق حامي الخليفة العباسي على هذا الطلب؛ لأنه يرى بايزيد حليفه الوحيد ضد قوات تيمورلنك، التي كانت تهدد الدولة المملوكية والعثمانية. واتخذ بايزيد لقب "سلطان الروم"؛ كدليل على وراثته لدولة السلاجقة، وسيطرته على كل شبه جزيرة الأناضول.

اضافة تعليق