مفاهيم إفتائية.. المفهوم التاسع: رفع الحرج

الجمعة، 22 سبتمبر 2017 12:00 ص

تعريف رفع الحرج:مركب إضافي، لا تتأتى معرفة المراد به إلا بمعرفة لفظيه، فالرفع لغةً: نقيض الخفض في كل شيء، و في اللغة: قال ابن الأثير: الحرج في الأصل: الضيق، ويقع على الإثم والحرام، وأما  في الاصطلاح: ما فيه مشقة وضيق فوق المعتاد؛ فالحرج والمشقة مترادفان، لكن رفع الحرج لا يكون إلا بعد الشدة خلافًا للتيسير.
 
ورفع الحرج مقصد من مقاصد الشريعة وأصل من أصولها، فإن الشارع لم يقصد إلى التكليف بالشاق والإعنات فيه، وقد دلّ على ذلك الكتاب والسنة، وانعقد الإجماع على ذلك؛ فمن الكتاب قوله تعالى: "وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ"، وقوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ"، وقوله تعالى: "مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ"، وقوله تعالى: "يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ"، وقوله تعالى: "يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا".
 
وعن أبي هريرة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة".
 
وانعقد الإجماع على عدم وقوع الحرج في التكليف، وهو يدل على عدم قصد الشارع إليه، ولو كان واقعًا لحصل في الشريعة التناقض والاختلاف، وذلك منفي عنها، فإنه إذا كان وضع الشريعة على قصد الإعنات والمشقة، وقد ثبت أنها موضوعة على قصد الرفق والتيسير، كان الجمع بينهما تناقضًا واختلافًا، وهي منزهة عن ذلك.
 
ومما ينبغي الإشارة إليه أن الأدلة على رفع الحرج في هذه الأمة بلغت مبلغ القطع.
 
ومن وجوه الدلالة أيضا ما ثبت من مشروعية الرخص، وهو أمر مقطوع به، ومما علم من دين الأمة بالضرورة، كرخصة قصر الصلاة وجمعها للمسافر، والفطر للمريض، وتناول المحرمات في الاضطرار.
 
فإن هذا نمط يدل قطعًا على مطلق رفع الحرج والمشقة، وكذلك ما جاء من النهي عن التعمق والتكلف وكل ما يؤدي إلى الانقطاع عن دوام الأعمال.
 
ولو كان الشارع قاصدًا للمشقة في التكليف لما كان ثم ترخيص ولا تخفيف، ولأجل ذلك لم يجب شيء من الأحكام على الصبي لقصور البدن، وقصور العقل، ولا على المعتوه البالغ لقصور العقل، ولم يجب قضاء الصلاة على الحائض والنفساء، وانتفى الإثم في خطأ المجتهد، وكذا في النسيان والإكراه.
 
وعرف العلماء التكليف: بأنه إلزام ما فيه كلفة ومشقة، فهل مفهوم التكليف يعارض مبدأ رفع الحرج الذي هو مكون من مكونات الشريعة الإسلامية؟ ليس بين مفهوم التكليف ومفهوم رفع الحرج تعارض، فإن ما كلف به الشارعُ العبادَ وأمر بفعله وتحقيقه ثابت لا يُرفع ولكن الرحمة الإلهية تقتضي عدم تكليف العباد بما لا يطيقون، فيأمر الله برفع الحرج والتيسير. 
 
 
 
ويظهر ذلك مثلا في طريقة الامتثال للأمر: فالصلاة لا تسقط عن المكلَّف حال سفره ولكنها تُخفَّف ويجوز جمعها، والصيام حال المرض والسفر لا يُرفع كذلك عن المكلَّف ولكن يجوز له تأخيره إلى ما بعد الإقامة والبُرء، وهكذا يتحقق التوازن بدون تعارض بين التكاليف الشرعية ورفع الحرج عن المكلفين.
 
وقد يظهر تعارض بين مفهوم رفع الحرج ومفهوم "الأخذ بالأحوط" أو "الخروج من الخلاف"، وهذان المفهومان -عند من يقول بالأخذ بهما من العلماء- هما على سبيل الاستحباب وليسا على سبيل الوجوب، وبشرط عدم حصول المشقة، فهما لا يعارضان مفهوم رفع الحرج؛ بمعنى أن المقدم هو رفع الحرج، ولا مجال للأخذ بالأحوط والخروج من الخلاف حال حصول المشقة التي حرصت الشريعة الإسلامية على رفعها.
 
رفع الحرج والمقاصد الخمسة للشريعة الإسلامية، وحيث أن كانت منزلة هذا المبدأ في الشريعة ما قد رأيت وهو لا ينافي التكليف، فلماذا التكليف ثم رفع الحرج عن المكلفين؟ والإجابة هنا أن التكاليف الشرعية كان المقصد منها تحقيق المقاصد الخمسة للشريعة الإسلامية (حفظ النفس والدين والعقل والمال والنسل)، وهذه المقاصد هي أيضاً مقاصد الشرائع كلها، وبدونها يقع الإنسان في الحرج، ومن أجلها جاء التكليف، ومن الحفاظ عليها جاء مبدأ رفع الحرج.
 
ولما كانت الشريعة الإسلامية بهذا الحرص الذي ظهر لك لرفع الحرج عن المكلفين، كان هذا المبدأ الإسلامي العظيم نصب عيني المفتي حال فتواه ومن ثم فإن المفتي يتخير من المذاهب الفقهية المعتبرة ومن أقوال الفقهاء المعتمدين ما يجعل الاستجابة للتكاليف الشريعة أيسر على المكلفين لتحقيق مبدأ رفع الحرج في الشريعة.
 
وعلاقة هذا المبدأ بمنظومة الإفتاء ننضح من خلال مبدأ رفع الحرج يجب أن يمثل مكونا من مكونات عقل المفتي؛ بحيث يستهدف تحقيقه في كل ما يعرض له من بيان لأحكام الشرع في الوقائع المعينة التي يُفتي فيها؛ ومن ثم ينتج عن ذلك الفتوى خالية من التحريج على الناس، بل رافعة للحرج عنهم "وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ"، المصدر: الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم.

اضافة تعليق