مفاهيم إفتائية «8»: فقه الواقع

الخميس، 21 سبتمبر 2017 12:00 ص

"الواقع" –لغةً- هو الساقط والنازل، والواجب، والمصيب، والثابت، والحادث والمقدّر."والواقِعةُ: النازِلةُ من صُرُوف الدهرِ، والواقعةُ: اسم من أَسماء يوم القيامة، ويقال لكل آت يُتَوَقَّعُ قد وَقَعَ الأَمْرُ كقولك قد جاء الأَمرُ، والتَّوَقُّعُ: تَنَظُّرُ الأَمْرِ، ولقد ميز القدماء من اللغويين والفلاسفة والمناطقة وأهل المعاني بين مفهوم الواقع وعدد آخر من المفاهيم؛ من أهمها مفاهيم: الوجود، والكائن، والحق والحقيقة، والصدق، كما فرقوا أيضًا بين "الأمر الواقع" ومفهوم آخر مهم هو ما سموه: "نفس الأمر". فالواقع هو الموجود في الخارج، أما الْمَوْجُود فِي نفس الْأَمر: فهو المَوْجُود فِي نَفسه، فمثلا: شروق الشمس: حقيقته –في نفس الأمر- دوران الأرض حول نفسها من الغرب إلى الشرق، بينما الواقع (الخارجي) هو حركة قرص الشمس في كبد السماء بين مشرق الأرض ومغربها. فـ"الْمَوْجُود فِي نفس الْأَمر أَعم من الْمَوْجُود فِي الْخَارِج (أي الواقع) مُطلقًا".
 
وقد حظي مفهوم "الواقع" باهتمام واستخدام واسعين لدى المعاصرين، خاصة مع نشأة علوم الاجتماع والإنسان في أوروبا نهايات القرن الثامن عشر الميلادي؛ فلقد أدت تطورات علوم الأجسام الطبيعية المادية والحيوية إلى تكشُّف كثير من قوانين ما يسمى بالواقع الفيزيقي أي المادي؛ الأمر الذي أغرى عددا من المفكرين والفلاسفة والأدباء في الغرب بمحاولة نقل التجربة نفسها إلى عالم الواقع الإنساني والاجتماعي؛ لتأسيس ما أسماه الفرنسي أوجست كونت بالفيزياء الاجتماعية.
 
من هنا أصبح مفهوم "فقه الواقع" مركزيا في الثقافة العالمية الحديثة بحقٍّ مرةً وبباطلٍ مراتٍ؛ على أساس أن الفكر ينبغي أن ينطلق من الواقع، وأن ما في الأعيان مقدم على ما في الأذهان، وأن فقه الواقع يأتي منه هو نفسه (الواقع) لا من وحي السماء ولا من أبراج العقل والحكمة، وعلى هذا، انبثقت مذاهب فكرية مادية في الاقتصاد والسياسة والاجتماع والفلسفة تعتقد أن العقل البشري ليس مولدا للأفكار، ولا متفاعلا إيجابيا مع الواقع، بقدر ما هو مرآة عاكسة للواقع لا أكثر، ونجمت نظريات مثل: الجدلية المادية والتاريخية، والداروينية الاجتماعية، تجعل الإنسان ريشة في مهب حتميات التاريخ والجغرافيا والطبيعة المادية والجسمية..الخ
 
 
 
وزاد الاعتماد على منهجية "استقراء الوقائع" بالملاحظة والتحليل والتفسير في محاولة لبناء تعميمات عن الحياة الجديدة ومجالاتها المتنوعة. 
 
تطورت هذه الحالة في ظل تراجع حضاري في عالم المسلمين، وحصْرٍ لعلماء الدين في نُطُق ضيقة تتعلق بالعلوم المدرسية وقليل من الدعوة والاتصال بحياة الناس الناشئة نشأة أخرى، فتكشفت فجوة بين فريقين من نخبة الأمة: أولهما عريق وعميق في علوم الدين ونصوصه لكنه عن الواقع وتطوراته وخصائصه المستجدة بعيد غريب، والآخر متصل بالواقع معايش لسيروراته وتحولاته وإن كان في الدين -هوية ومرجعية وأحكاما- عامي سطحي، فكانت أزمة العصر الكبرى، وفصامها النكد.
 
ربما لم يشدد علماء المسلمين المتقدمون كثيرا على قضية فقه الواقع من باب أن واقعهم كان سهل الإدراك سواء لما اتسم به من بساطة ورتابة، أو لأن عامتهم كان واقعيا، أو لعل مرجع هذا -على ما يوضحه المفكر الكبير د.علي جمعة ، مفتي الديار المصرية السابق،  أن الواقع البشري قد تبدل تبدلا كبيرا خلال المائتي سنة الأخيرتين بفعل ثورات الاتصال والمواصلات والمعلومات والتصنيع والاكتشافات والابتكارات التقنية؛ بما تبين أثره في أركان الحياة القديمة: ضيق البرنامج اليومي، وتقارب المسافات بين الناس والبلدان، وطوفان المعلومات والأفكار ونشرها ونقلها شديد السرعة والسعة، والآلة التكنولوجية في الحروب والشئون السلمية، كل هذا أفضى إلى واقع جديد يتطلب الفقهُ فيه وضوحًا في الموضوع والمنهج.
 
والحاصل أننا نقصد بفقه الواقع تعبير عن حسن فهم مقومات الحياة المعاصرة وخصائصها، وأهم قضاياها المستقرة، ومكوناتها المتعرضة للتغير باستمرار، مع امتلاك حس الاتصال بهذا الواقع والقدرة على المشاركة فيه.
 
يقوم فقهُ الواقع على ركنين: ثقافة ورؤية. فالثقافة الواقعية معرفة مكتسبة عن عيش العصر وأحواله والمعرفة بتاريخه الممتد فيه، والرؤية الواقعية طريقة مناسبة لتنظيم المعرفة والمشاركة في الأمر العام؛ فالذي يجهل خصائص الزمان لا يكون فقيهًا فيه، وكذلك الذي يجمع المعلومات عن الحياة والعصر بلا عيش فيهما، أو يعيش الواقع بلا نظام فكري. ولكي يحصّل المرء هذين العنصرين لابد له من شروط ولوازم أهمها: استعداد فطري لهذا النوع من الفقه، وكما أن عيش الواقع قدرَ الوسع، ونوع مشاركة في الشئون العامة للوطن والأمة، ومطالعة للفكر المتعلق بهذا الواقع، ومعرفة أساسية وعامة بعلوم الاجتماع والإنسان المعاصرة ومناهجها في ترتيب المعرفة، واستغراق زمن كافٍ لبناء الخبرة والحس الواقعي، ولا شك في تفاوت الناس في تحصيل هذه الأمور بما ييسره الله تعالى، كتفاوت العلماء في تحصيل علومهم.
 
لكن الأرضية الأساسية اللازمة لكي يكتسب المسلم بعامة -والمتشرع بخاصة- فقها في الواقع يمكّنه من إحسان الفتوى والمشاركة بالعلم الشرعي في الحياة، تتمثل في: منهج التربية والتعليم الذي يقرره المجتمع. فمن الضروري أن يجمع منهج التربية بين معارف الوحي ومعارف الواقع، وأن يصل بين المدارسة والممارسة، وبين البحث والعيش، بهذا يتسنى تنشئة علماء الغد على فقه الواقع متصلا بفقه الواجب.
 
ولفقه الواقع موضع محوري ضمن عملية الإفتاء، فعملية الإفتاء تتألف من: فقه في النص، وفقه في الواقع، والفقه في الواقع كلي وجزئي. الكلي منه يتعلق بالخبرة والحس الواقعي المشار إليه أعلاه، والفقه الجزئي يتصل بحسن فهم الواقعة محل السؤال والاستفتاء، ولقد كان هذا واضحا وضوح الشمس لدى علمائنا عبر عصور الإسلام وتاريخ الإفتاء. 
 
 
 
ولا يظهر في بعض المواضع من أبواب الإفتاء عناية كافية بهذا الشرط في المفتين لما سبق ذكره من حال العلماء وحال واقعهم في القرون المتقدمة، لكن كثيرا من أهل العلم حرص على بيان هذا الشرط، فيذكر الإمام أحمد خمسة شروط للمفتي، خامستها ما يسميه "معرفة الناس".  
 
ويقول الخطيب البغدادي في شروط المفتي: "وَيَكُونُ بَعْدَ هَذَا مُشْرِفًا عَلَى اخْتِلَافِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ , وَيَكُونُ لَهُ قَرِيحَةٌ بَعْدَ هَذَا , فَإِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا فَلَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ وَيُفْتِيَ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ , وَإِذَا لَمْ يَكُنْ هَكَذَا فَلَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي الْعِلْمِ وَلَا يُفْتِي".
 
فالواجب على المفتي وطالب علم الفتوى العناية بالتمكن من فقه الواقع؛ حفظا لدين الله تعالى وأحكامه أن توضع في غير مواضعها، المصدر: 
 
الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم.

اضافة تعليق