ماذا تقدم في العام الجديد؟ الهجرة بمفهومها النبوي وآثارها في حياة المسلمين

الأربعاء، 20 سبتمبر 2017 12:00 ص

القصة وراء الهجرة النبوية

عندما علم كفار قريش أن رسول الله صلى عليه وسلم صارت له شيعة وأنصار من غيرهم، اجتمع رؤساؤهم وكبارهم ليتشاوروا فيما يصنعون بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقال قائل منهم: نحبسه مكبلًا بالحديد حتى يموت، وقال آخر: نخرجه وننفيه من بلادنا، فقال أحد كبرائهم: ما هذا ولا ذاك برأي؛ لأنه إن حُبس ظهر خبره فيأتي أصحابه وينتزعونه من بين أيديكم، وإن نُفي لم تأمنوا أن يتغلب على من يحل بحيهم من العرب؛ بحسن حديثه وحلاوة منطقه حتى يتبعوه فيسير بهم إليكم، فقال أبو جهل: الرأي أن نختار من كل قبيلة فتى ثم يضربه أولئك الفتيان ضربة رجل واحد؛ فيتفرق دمه في القبائل؛ فلا يقدر بنو عبد مناف على حرب جميع القبائل، فأعجبهم هذا الرأي واتفقوا جميعًا وعينوا الفتيان.
 
وفي الليلة التي أرادوا تنفيذ هذا الأمر، أعلم الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بما أجمع عليه أعداؤه، وأذن له سبحانه وتعالى بالهجرة إلى يثرب (المدينة المنورة)، فذهب إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأخبره وأذن له أن يصطحبه، واتفقا على إعداد الراحلتين اللتين هيأهما أبو بكر الصديق لذلك، واختارا دليلًا يسلك بهما أقرب الطرق، وتواعدا على أن يبتدئا السير في الليلة التي اتفقت قريش أن تقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها .
 
وفي تلك الليلة طلب عليه الصلاة والسلام من أبن عمه علي بن أبي طالب أن ينام في مكانه، ثم خرج صلى الله عليه وسلم، وفتيان قريش متجمهرون على باب بيته وهو يتلو سورة (يس)، فلم يكد يصل إليهم حتى بلغ قوله تعالى: (فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَيُبْصِرُونَ)، فجعل يكررها حتى أغشى الله تعالى أبصارهم فلم يبصروه ولم يشعروا به، وتوجه إلى دار أبي بكر وخرجا معًا، وتوجها إلى جبل ثور بأسفل مكة فدخلا في غاره.
 
وأصبحت فتيان قريش تنتظر خروجه صلى الله عليه وسلم، فلما تبين لقريش أن فتيانهم باتوا يحرسون على بن أبي طالب لا محمدًا صلى الله عليه وسلم، غضبوا غضبًا شديدًا، وأرسلوا رسلهم في طلبه والبحث عنه، وجعلوا لمن يأتيهم به مائة ناقة.

فذهبت رسلهم تقتفي أثره، وقد وصل بعضهم إلى ذلك الغار الصغير الذي لو التفت فيه قليلًا لرأى من فيه، فحزن أبو بكر الصديق رضي الله عنه لظنه أنهم قد أدركوهما، وقال "يا رسول الله لو أن أحدَهم ينظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه"، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم"يا أبا بكر ما ظنُّكَ باثنين الله ثالثهما "، فصرف الله تعالى أبصار هؤلاء القوم وبصائرهم حتى لم يلتفت إلى داخل ذلك الغار أحد منهم، بل جزم طاغيتهم أمية بن خلف بأنه لا يمكن اختفاؤهما بذلك الغار لِمَا رأوه من نسج العنكبوت وتعشيش الحمام على بابه.
 
وقد أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه بالغار ثلاث ليال حتى ينقطع طلب القوم عنهما، وكان يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر ثم يصبح في القوم ويستمع منهم الأخبار عن رسول الله وصاحبه فيأتيهما كل ليلة بما سمع، وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما بالطعام في كل ليلة من هذه الليالي، وقد أمر عبد الله بن أبي بكر غلامه بأن يرعى الغنم ويأتي بها إلى ذلك الغار ليختفي أثر أقدامه وأثر أقدام أسماء.
 
واستمر رسول الله وصاحبه في طريقهما حتى وصلا قُباء، من ضواحي المدينة، في يوم الإثنين من ربيع الأول، فنزل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم على بني عمرو بن عوف ومكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء ليالي؛ أنشأ فيها مسجدًا، وصلى فيه عليه الصلاة والسلام بمن معه من المهاجرين والأنصار، وقد أدركه صلى الله عليه وسلم بقباء على بن أبي طالب رضي الله عنه بعد أن أقام بمكة بعده بضعة أيام ليؤدي ما كان عنده من الودائع إلى أربابها.
 

معنى السنة الهجرية

السَنَة هي مقياس زمني معروف ينقسم إلى أثني عشر شهرًا، وأما الهجرية فهي إشارةٌ إلى الهجرة النبوية المباركة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة.
 
ويحل رأس سنة الهجرية للعام الهجري 1439، غدًا الخميس، وفي مثل هذا اليوم قبل 1439 عامًا لم تكن قريش على علم بأن الله أذن للرسول بالهجرة إلى المدينة.
 
غادر الرسول بيته في السابع والعشرين من شهر صفر بالسنة الرابعة عشرة من النبوة، واتفق المسلمون على عن أن يتخذوا هذا التاريخ موعدًا للتقويم الإسلامي، حيث كان العرب يعتمدون على الشهور القمرية لحساب الزمن قبل الإسلام، كما كانت الحال بعد البعثة النبوية، وكانت السنة تتألف أيضًا من 12 شهرًا وكانوا يسمونها بالأسماء ذاتها، غير أنهم لم تكن لديهم طريقة محددة لاحتساب السنين، بل كانوا يقوموا بتسمية السنوات حسب الأحداث التي تقع بها ومن أشهر أسماء السنوات في هذا الصدد "عام الفيل، عام مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم".
 
ذلك حتى عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وفي سنة 17 من الهجرة وبعد أن أرسل أبو موسى الأشعري الذي كان يحكم البصرة رسالة إلى الخليفة عمر يستحثه على إيجاد طريقة أخرى لاحتساب السنين، اتفق الصحابة في ذلك الوقت على اعتبار تاريخ الهجرة منطلقًا لاحتساب السنين، وكان عمر أول من بدأ التأريخ للأشهر القمرية، واعتمد المسلمون هذا التاريخ في كتبهم ورسائلهم وعقودهم ومعاهداتهم وتأريخهم للحوادث والوقائع منذ السنة الأولى للهجرة أي سنة 622 ميلادية.
 

معنى الشهور في السنة الهجرية

قبل الاستقرار على الأسماء المستخدمة حاليًا، كان العرب يستخدمون أسماء مغايرة تمامًا، لكن الأسماء الحالية بدأ استخدامها في مستهل القرن الخامس الميلادي، ورغم أن التقويم القمري لا يتطابق مع التقويم الميلادي المرتبط بفصول السنة، إلا أن الشهور ارتبطت وقت تسميتها بالمناخ العام في ذلك الوقت.
 
المحرم: لأنه أحد الأشهر الحرم التي يحرم فيها القتال.
 
صفر: لأن البيوت كانت "تصفر" فيها، أي كانت تخلو من ساكنيها لخروجهم إلى الحرب بعد انتهاء محرم.
 
ربيع الأول وربيع الآخر: لأنهما حلا في الربيع.
 
جمادي الأول والأخيرة: لتجمد المياه في ذلك الوقت من شدة البرودة.
 
رجب: لأن العرب كانوا يوقرون هذا الشهر لأنه من الشهر الحرم، فمعنى “رجًّب الشيء” عظمه.
 
شعبان: لأن القبائل كانت تتشعب فيه للحروب مرة أخرى بعد التوقف في رجب.
 
رمضان: من الرمضاء أي الحرارة الشديدة لأنه حل في الصيف في العام الذي أُطلقت فيه تسمية هذه الشهور.
 
شوال: لأن الإبل كانت "تشول" فيه بأذنابها، أي ترفعها في موسم التزاوج.
 
ذو القعدة: لقعود العرب عن القتال لأنه من الأشهر الحرم.
 
ذو الحجة: اعتاد العرب الحج في هذا الشهر.
السنة الهجرية إما أن تكون قمرية (هلالية)، أو شمسية

السنة الهجرية القمرية

تتألف السنة القمرية من 354 يومًا، و 8 ساعات و 48 دقيقة تقريبًا، وهي الفترة الزمنية الذي يستغرقه دوران القمر حول الأرض اثنتي عشرة مرة.
 
وتتألف السنة القمرية من أثنا عشر شهرًا، وهذه الأشهر هي: محرَّم، صفر، ربيع الأول، ربيع الآخر (الثاني)، جمادي الأول، جمادي الآخرة (الثانية)، رجب، شعبان، رمضان، شَوَّال، ذُو الْقَعْدَة، ذُو الْحِجَّة.
 
وهذه الأشهر معروفة في البلاد الإسلامية والعربية، وهي المعتمدة في العبادات والأحكام الشرعية كالصيام و الحج و غيرهما ، كما و أن السنة القمرية هي المعتبرة في الحساب الشرعي للبلوغ و غيره.
 

السنة الهجرية الشمسية

أما السنة الهجرية الشمسية (الفارسية) فهي أيضًا مقياس زمني معروف، إلا أنها تعادل 365 يومًا و6 ساعات و 9 دقائق و5,9 ثانية، وهي الفترة الزمنية الذي تستغرقه حركة الأرض حول الشمس لمرة واحدة.
 
ومبدأ التاريخ الهجري الشمسي هو أيضًا الهجرة النبوية المباركة ، والفرق بينها وبين القمرية يكون في عدد أيامهما
 
وتتألف السنة الهجرية الشمسية من أثنا عشر شهرًا، وهي : فروردين ، ارديبهشت ، خُرداد ، تير ، مرداد ، شهريور ، مهر ، آبان ، آذر ، دي ، بهمن ، اسفند.
 
ولأن التقويم الهجري يعتمد أساسًا على دورة القمر التي تقابل الدورة الشمسية فإن العام الهجري أقل من العام الميلادي بأحد عشر يومًا.
 
فالشهور في العام الهجري لا ترتبط بالمواسم التي يتم تحديدها أساسًا عن طريق الدورة الشمسية، مما يعني أن الأعياد الإسلامية التي دائمًا في نفس الشهر من كل عام، قد تأتي في مواسم مختلفة، فالحج وشهر رمضان على سبيل المثال يمكن أن يأتيا في فصل الصيف أو الشتاء على حد سواء. 
 
كما أنه لا تأتي المناسبات في نفس الموسم إلا كل ثلاثة وثلاثين مرة تكتمل الدورة القمرية، حيث أنه لا يتطابق التقويم الهجري مع الميلادي إلا كل 33 سنة هجرية تقريبًا، لأن الفرق بين التقويمين 578 عامًا، إلا أن هذا الفرق يتضاءل رويدًا رويدًا.
 
ولم تكن البلاد العربية فقط المستخدمة للتقويم القمري سابقًا، فقديمًا كان يتبنى الصينيون والبابليون والأغريق واليهود التقويم القمري، وفي الوقت الحالي يتبنى ما تبقى من هذه الأمم ما يعرف بالتقويم القمري الشمسي، ماعدا دولة واحدة فقط التى تعتمد على التاريخ الهجرى كتاريخ رسمى للدولة وهي المملكة العربية السعودية.
 

 لماذا لم يجعل المسلمون من شهر صفر بداية للسنة الهجرية؟

تبدأ السنة الهجرية في الأول من محرم في حين أن الرسول ﷺ هاجر في شهر صفر ووصل إلى المدينة في ربيع الأول، غير أن المسلمين اتفقوا على أن يُبقوا على شهر محرم بصفته أول السنة الهجرية لأنه كان هو النظام المعمول به قبل الإسلام، ويقول بعض العلماء إن ابتداء العزم على الهجرة كان في المحرم.
 

هناك اختلافات طفيفة بين التقاويم الإسلامية المطبوعة ويرجع ذلك لعدة أسباب

أولًا: عدم وجود معيار دولي لرؤية الهلال فور ميلاده.
 
ثانيًا: استخدام  طرق حسابية مختلفة في تحديد الرؤية.
 
ثالثًا: ظروف الطقس وكتابته في الموضع الذي تحدث فيه الرؤية. 
 
ولذلك لا يوجد أي برنامج تقويم سليم بنسبة 100%، وتظل الرؤية الفعلية للهلال أساسًا لتحديد بعض المناسبات الهامة في الإسلام مثل بداية شهر رمضان وأيام العيدين.
 

إحياء الاحتفالات بذكرى رأس السنة

وفي الآونة الاخيرة، تحدث مظاهر للاحتفال  برأس السنة الهجرية، فأخذ المسلمون يتبادلون الهدايا وبطاقات المعايدة، كما تحيى الاحتفالات بتلاوة القرآن الكريم والأحاديث النبوية، وتقديم الإنشادات الدينية، وإجراء الدروس والخطب الدينية التي تذكرنا عن قصة الهجرة النبوية.

مظاهر الاحتفال برأس السنة الهجرية 

في تونس
مظاهر الاحتفال تبدو جليّة أكثر في القرى التونسية وفي الارياف اذ خفّ في أيامنا هذه، وهجرها في المدن. ان احتفال التونسيين بهذا اليوم يعكس واقعه وتطلعاته لغد أفضل. فالقروي التونسي الذي يعمل في مجال الزراعة وتربية الماشية يتطلع الى تحسن ظروف معيشته من خلال تحسّن انتاجه فيأمل بسنة فلاحية خصبة ويصلي في هذه المناسبة من أجل تحسن المناخ ونزول الغيث.
 
في هذه المناسبة، يجتمع القرويون والقرويات لذبح الخرفان تبركًا بالسنة الجديدة، ويتناولون الكسكس بالقديد، أو العصيدة الحارة  بالبيض، كما وطبق الملوخية تبرّكا بسنة خصبة خضراء، ويجتمع الاطفال حول نار الموقدة لشواء البيض التي جرى جمعه مسبقًا خلال جولاتهم بين سكان القرية . وإن سماع صوت فرقعة البيض على النار يعني لهم صوت الرعد والامطار المنتظرة خلال العام الجديد.
 
في مصر
الاحتفالات في مصر برأس السنة الهجرية تمثل حدثًا هامًا في حياة المواطن المصري، فبالإضافة إلى الموائد الشهية التي تعدّ للمناسبة، والتي تغلب عليها الحلويات والسكريات على أمل أن تكون السنة حلوة، فإن المصريين، رجالًا ونساء وأطفال يرتدون أبهى حللهم لاستقبال السنة الجديدة، ويجتمعون في الساحات العامة للصلاة والحديث عن الذكرى وأصولها التاريخية فيتبادلون العبارات الجميلة كذكر "كل عام وأنتم بخير، كل سنة وأنتم طيبون" وغيرها.
 
في مكة المكرمة
مع بداية كل سنة هجرية يعمد أهل مكة إلى تلاوة الصلوات وتبادل التبركات ويأخذ العيد طابعًا تطغى عليه الفرحة، وتمارس فيه جملة من العادات والتقاليد المترسخة في الذاكرة والمتوارثة على مرّ السنوات.
 
من عاداتهم المعروفة أنهم يتناولون في هذا العيد  طبق الملوخية من باب التفاؤل بحلول سنة جديدة عساها تحمل الإخضرار إلى بلدهم والخير إلى أهلها.
 
 كما جرت العادة أن يتناولوا الحليب "أبو الهيل" الذي يجلب أيضا التفاؤل والخير لهم عند اطلالة العام الجديد ببياضه الذي يرمز الى الطهارة والبركة.
 

رأي رجال الدين في الاحتفال بالسنة الهجرية

يذهب بعض الأئمة إلى اعتبار الاحتفالات بعيد السنة الهجرية بدعةَ ولا يعلم لها أصل عن السلف الصالح، ويعتبرونها سنّة جاهلية كان يفعلها المجوس واليهود والنصارى .
 
ويذهب البعض إلى القول بأن الاحتفال برأس السنة الهجرية هو احتفال بهجرة الرسول  محمد من مكّة الى المدينة، وهذه المناسبة تدعونا إلى الاحتفال برأس السنة الهجرية .
 
وقديمًا، كان للخلفاء الفاطميين الاعتناء بليلة أول محرم في كل عام لأنها أول ليالي السنة وابتداء أوقاتها.
 
وقال مفتي الديار المصرية السابق، وعضو هيئة كبار العلماء علي جمعة في هذا القول إن المسلمين من أنشأوا هذه الثقافة الخاصة بالاحتفال بالسنة الهجرية وغيرها من المناسبات الإسلامية، وذلك في قبيل المباح مستشهدًا بأمثلة كلبس العيد، والكحك والبسكويت ومظاهر الاحتفال بالعيد أو عاشوراء أو ليلة الإسراء والمعراج وكذلك في رمضان، موضحًا أن ذلك يخلق ثقافة للمسلمين، تجعلهم مختلفين، ومحتفظين بهويتهم الإسلامية.
 
وأشار إلى أنه إذا حرمنا تلك الاحتفالات وتم إلغائها، فكل ذلك سينتهي معها من الثقافات والإسلام كذلك، مشددًا ان من يحرم تلك الاحتفالت هو غير واعِ بالمرة، والقضية تحريم فقط دون معرفة ما يدور حوله.
 
وتابع أن الاحتفال برأس السنة الهجرية يتخللها الأناشيد الدينية وغيرها من الأحاديث من القلب، لدخول الفرحة على المسلمين، قائلًا إن التحريم خرافة ولا أساس لها من العلم أو التقوى، ولكن شاع وذاع على المواقع مثل هذه الإدعاءات نسبة إلى الأقاويل والاجتهادات البشرية، معلقًا "نحن نتبع النبي وليس البشر".

اضافة تعليق