برشلونة بعد الهجمات الإرهابية.. التسامح والتعايش

الثلاثاء، 19 سبتمبر 2017 12:00 ص

لقد وصل إلى برشلونة في الوقت الخطأ، حيث تتعافى المدينة من هجوم دهس نفذ بسيارة وأوقع بـ14 شخصا وعشرات الجرحى في جادة لارامبلاس الشهيرة في وسط المدينة، بالتزامن مع هجوم آخر في منتجع كامبرليس القريب، حسب جريدة العرب اللندنية.
 
ورغم إطلاق لحيته، لم يشعر الشاب المصري الأصل والبالغ 21 عاما، بأي تغيير تجاهه من قبل السكان المحليين المقيمين في المدينة، بعدما ظلوا منعزلين عن موجة عنصرية صاعدة في أوروبا.
 
يقول أمين إن “المسلمين يعيشون هنا دون مشاكل، لكن هذا لم يقف حائلا أمام الهجوم بالبيض الفاسد على المسجد بعد وقوع الهجوم”. ويضيف “سمعت أيضا أن أحدهم ألقى ذات يوم برأس خنزير على باب المسجد من الخارج”.
 
لكن لم ترق هذه الحوادث إلى مستويات مثيلاتها في باريس وبرلين ولندن، وهي مدن شهدت سلسلة هجمات متتالية، حوّلت المسلمين إلى هدف سهل للنازيين الجدد وجماعات تؤمن بسامية العرق الأبيض وتعادي الهجرة.
 
بالعكس من ذلك، يضفي سكان برشلونة على زائرها شعورا بالدفء النابع من طبيعة شرق أوسطية قائمة على الحرص على إظهار الترحيب، بل والمبالغة به أحيانا.
 
وتبدو الحياة وقد عادت مرة أخرى إلى طبيعتها، لكن مازال الحذر يسيطر على وجدان الناس، بتشجيع من إجراءات شرطة المدينة، التي كثفت من تواجدها في الشوارع والميادين تحسبا لتوابع زلزال “لارامبلاس”. ويشعر ذلك بعض السكان المحليين بالقلق أحيانا، إذ لم يعتد الناس في برشلونة على العيش تحت منظار الشرطة طوال ساعات اليوم.
 
وتقول مارينا (21 عاما)، التي تعمل نادلة في مطعم ملحق بفندق قرب وسط المدينة، إن “الحدائق وأماكن التجمعات ومراكز التسوق صارت تعج بعملاء الشرطة السرية الذين يرتدون ملابس مدنية ويتخفون وسط الناس”. وتضيف “شاهدت بعضهم يتدخل للقبض على لص أو لحل مشكلة، هم يظهرون فجأة دون أية مقدمات. هذا التواجد الكثيف يشعرني بالخوف”. في كل شارع تتواجد سيارتان للشرطة أو أكثر، وتنتشر الحواجز الحديدية حول المؤسسات الرسمية ووزارات حكومة إقليم كاتالونيا، والأماكن التي تعج بالسائحين.
 
وفي محطة المترو “ساغرادا فاميليا”، المؤدية إلى إحدى أقدم الكنائس وأعرقها في برشلونة وأحد أهم المزارات السياحية، لم يكن هناك تواجد لبوابات كشف المعادن أو نقاط لتفتيش المارة، كما كان يحدث بعيد الحادث، وفقا للسكان المحليين. ورغم ذلك تراجع عدد السائحين الأجانب بمعدلات ملحوظة، في عاصمة إقليم كاتالونيا، الذي يستحوذ وحده على 22.3 بالمئة من السياحة الإسبانية.
 
حصان طروادة
 
كثير من مطاعم شارع “لارامبلاس” لم تتمكن بعد من استعادة عافيتها، ويفتقد العاملون السائحين الأميركيين والأوروبيين الذين كانوا يتجولون في الشارع حتى ساعات الصباح الأولى.
 
ويرجع دانيل، مدير الاستقبال في فندق “ميليا سارييا” الواقع إلى الشرق من وسط المدينة، هذه الحالة إلى “انتهاء موسم الصيف، وبدء اعتماد السياحة في المدينة على الإسبان القادمين من مدن أخرى”.
 
ويصف دانيل لحظات رعب محقق عاشها مع النزلاء في الفندق لحظة وقوع الحادث قبل نحو شهر. ويقول إن “مشاهد الجرحى والحديث عن المفقودين، والصراخ والهلع لم تترك مخيلتي إلى الآن”. ويضيف “ملامح الخوف على وجوه العائدين من لارامبلاس أصابتنا جميعا بإحباط وارتباك شديدين”.
 
وهذا القلق ما تحاول شرطة كاتالونيا، المعروفة بـ”موسوس ديسكوارا”، أن تتجنب تفاقمه وتحوله إلى مرض مجتمعي تصعب مواجهته لاحقا. وخصصت الشرطة صفحات على موقعي فيسبوك وتويتر لمنشورات تدعو الناس إلى عدم نشر الشائعات وعدم الانجرار وراء الخوف، والإبلاغ عن أي شخص يقوم بتصرفات تدعو إلى الاشتباه به.
 
لا يخفي أمين غضبه ممّا يطلق عليها “ازدواجية” في تغطية وسائل الإعلام للحوادث الإرهابية، والتمييز بين “إرهاب أبيض وإرهاب أسمر”، على حد وصفه. وأطرق قليلا قبل أن يقول “عندما يرتكب شخص أبيض عملا إرهابيا لا تسميه الصحافة إرهابا، وغالبا ما ينتهي الأمر عند حد اتهامه بالخلل العقلي”.
 
ولا يتوقف هذا الشعور بالمظلومية عند المسلمين في برشلونة فقط، بل بدأ يمتد إلى كل الجاليات المسلمة في أنحاء أوروبا. ويقول خبراء في الجماعات الإسلامية إن الإسلاميين يغذون هذا الشعور لدى المسلمين طوال الوقت من أجل إبقائهم متوحدين تحت راية التنظيم.
 
وقد يكون هذا التنظيم ذراعا لأي جماعة، من الإخوان المسلمين إلى القاعدة، مرورا بجماعات فرعية صغيرة تؤمن بأيديولوجيا المظلتين الفكريتين الرئيسيتين، مع اختلاف درجات التشدد بين كل جماعة وتدرجها.
 
وكما هو الحال في كل مدينة أوروبية كبيرة، تضم جالية مسلمة متشعبة نسبيا، تحاول جماعات الإسلام السياسي في برشلونة استغلال الجالية كورقة ضغط على السلطات المحلية من أجل الحصول على تصاريح بناء مساجد وتراخيص جمعيات تابعة لها. لكن النقاش العاصف حول استقلال إقليم كاتالونيا عن إسبانيا طغى على “حديث المساجد”، دون أن ينحّه جانبا.
 
وقال رجل أربعيني كان يصلي في مسجد “طارق بن زياد” الواقع في قلب مدينة برشلونة، وطلب عدم ذكر اسمه، إن الحكومة المحلية طلبت من أئمة مساجد توجيه المسلمين للتصويت لصالح انفصال كاتالوينا، في الاستفتاء الذي تزمع حكومة الإقليم إجراءه مطلع أكتوبر المقبل. -وتحتل قضايا، كالتعليم والصحة والتصنيع وتوزيع الثروة والديون، النقاش حول الاستقلال، إذ يتهم الكتالونيون، الذين يستحوذ إقليمهم على ما يعادل ربع صادرات إسبانيا، الحكومة المركزية في مدريد بالتوزيع غير العادل للأموال العامة في إسبانيا، ويعتبرون أنه سبب اختناقهم المالي وتراكم ديون الإقليم.
 
وتحاول الحكومة الكتالونية استمالة من يحق لهم التصويت من بين قرابة نصف مليون مسلم يعيشون في الإقليم، وينظر إليهم على أنهم قوة مرجحة في هذه المعركة المصيرية.
 
ويجري ذلك عبر مفاوضات متقطعة بين الزعماء الدينيين للجالية المسلمة والحكومة، التي لم تتردد في مساومة المسلمين بتصاريح بناء المساجد، مقابل التصويت لصالح انفصال الإقليم عن إسبانيا. وهذا السلاح قد يكون فعالا، في بلد يقابل المسلمون فيه رفضا قاطعا عند الحديث عن إنشاء دور العبادة.
 
هدوء حذر
 
منذ هبوط الطائرة في مطار برشلونة سرعان ما تحيطك مظاهر إسلامية مألوفة، حيث ينتشر الحجاب وتسير النساء المحجبات في مجموعات دون أن يتعرضن لإزعاج، كما يكثر مطلقو اللحى من المسلمين، الذين ينحدر أغلبهم من شمال أفريقيا، وخصوصا المغرب.
 
وبمجرد الوصول إلى محطة باصات حي “كلووت”، حيث يقع المركز الثقافي الإسلامي، يصبح من السهل تمييز المسلمين، الذين يبدأون بالتجمع خصوصا مع اقتراب أوقات الصلاة، استعدادا للذهاب إلى المسجد الواقع في شارع ضيق متفرع عن ممشى ضيّق غير مصرح للسيارات بالمرور فيه.
 
وعند المسجد كان صلاح، الموظف المسؤول، يستعد لتفريغ حمولة سيارة “فان” كانت تنقل أبوابا جديدة تغطيها الزخارف من كل اتجاه. وقال صلاح حينها إن هذه الأبواب ستخصص لمنطقة الوضوء، التي تؤدي إلى ساحة الصلاة، حيث يقع المحراب والقبلة، مباشرة.
 
وبمجرد دخول قاعة مبنى الإدارة الملحق بالمسجد، يسود شعور بالهدوء على رائحة البخور التي تملأ المكان، وأصوات خرير وفرقعات خافتة ناتجة عن ارتطام قطرات الماء بأرضية نافورة من الرخام تحتل منتصف القاعة. وتحيط بالنافورة رفوف يتراكم فوقها عدد كبير من المصاحف وكتب فقه وتفسير لرجال دين معروفين.
 
وبعد اجتياز أبواب زجاجية تفصل القاعة الداخلية عن الخارج، يصبح الدرج المؤدي إلى مصلى النساء على اليمين، أما على اليسار فيجلس شيخ من أصول باكستانية لإلقاء محاضرة على مجموعة من الأطفال، حيث تم فصل البنات عن الأولاد، وهم يستمعون باهتمام إلى طفلة تجلس على المنصة بجوار الشيخ، بعدما جاء دورها لقراءة نص باللغة الإسبانية.
 
كانت الساعة تقترب من الخامسة والنصف، موعد صلاة العصر، التي لم يحضرها الشيخ محمود إمام المسجد. وقال علي، وهو شاب فلسطيني كان يقف بجوار أمين، إن غياب الشيخ محمود نادر الحدوث.
 
ويعيش علي، البالغ من العمر 26 عاما والذي يدرس في الجامعة، مع شابين إسبانيين استغلا كونه مسلما في محاولة لفهم دوافع مرتكب حادث “لارامبلاس” بعد وقوعه مباشرة. وقال إنهما “لم يكونا عدائيين إطلاقا”.
 
ويقر علي أن الناس في إسبانيا “أصيبوا بحالة من الخوف بعيد وقوع الهجوم مباشرة، لكن ذلك لم يدم طويلا، إذ بدأ الجميع يعودون إلى حياتهم اليومية بسرعة”.
 
ويبدو كلام علي واقعيا، إذ يسود إحساس بين الكتالونيين بالتحدي ومقاومة الاستسلام للخوف. ويمكن لمس هذا الشعر في الحدائق العامة والمقاهي وفي صفوف مشجعي كرة القدم ورجال الشرطة، وبين العاملين في الفنادق أيضا. وتقول مارينا “لا يجب أن يهزمنا الإرهابيون ويجبروننا على الغرق في مستنقع الخوف، يجب أن نحيا ونقاوم”.

اضافة تعليق