التمييز بين الأبناء وما يترتب عليه من سلبيات وحكمه الشرعي

الإثنين، 18 سبتمبر 2017 12:00 ص

يعتبر التمييز بين الأبناء ذكورًا أو إناثًا إهانة بشكل غير مباشر، بل ودون دراية أيضًا، وفيه يلجأ الأب و الأم أحياناً إلى تمييز طفل من أبنائهم عن الآخر نتيجة لصغر سنه أوحاجته للعناية بصورة أكبر أو لأنه أكبر الأبناء، مما يثير ذلك غضب وغيرة باقى الأخوة.

 
كيف نفرق بين أبنائنا

تقول أستاذة التربية بجامعة عين شمس الدكتورة مديحة علي  إن المساواة يجب أن تكون في كل شيء الطعام، توزيع الكلام، وكذلك في الانتباه والاهتمام، وتوزيع النظرات والضحك والمداعبات، كل هذا بقدر الإمكان.

كما أن التمييز بين الأبناء يظهر بأشكال متعددة ومتنوعة، منقسمة إلى عدة نواحي وهي:

الناحية المادية
ونجد فيها أحد الوالدين أو كلاهما يميز بين الأبناء في الملبس والمأكل، أو المصروف الشخصي، أو بتوفير الألعاب له دون غيره، وتلبية رغباته. 
 
الناحية المعنوية أو العاطفية
فنجد الاختلاف في الاهتمام بالأبناء ومداعبتهم والعطف والحنان عليهم، بل حتى في تقبيلهم، فإعلان المحبة للأبناء دون تمييز هي ترجمة لحب وحنان الوالدين ومحاولة منهم للوصول إلى أعلى درجات المساواة، فإن لم ينجحوا في ترجمتها وتجسيدها على أرض الواقع عبر التصرفات الفعلية فإن ذلك سيفضح ما قد يخفيه الأب والأم على حد سواء.

الناحية التربوية
قد يلجأ الآباء إلى التمييز حتى في ضبط أبنائهم وتأديبهم, فقد يتعرض أحد الأبناء للعقاب البدني جراء خطأ بسيط ارتكبه، بينما يتم التسامح مع الطفل المحبوب بالرغم من الذنب الذي قام به، وتبدأ حملة الدفاع عنه وتبرير تصرفه والتظاهر بعقابه أحيانًا.

التفرقة في المعاملة على أساس الشكل، تظهر أسوأ أنواع التفرقة بين الأبناء عند تفضيل أحد الأطفال بسبب شكله، وتمتعه بملامح تفوق إخوته وسامة، أو التحقير منه، وتتركز أكثر حالات التفرقة في المعاملة على أساس الشكل عند الأطفال الأكثر جمالًا، أو الأطفال ذوو الوزن الزائد، الفتيات الأقل جمالًا، تفضيل الابن الذي يشبه أحد الوالدين، أو التمييز ضد الابن الذي يشبه أحد الوالدين.
 
التفرقة في المعاملة على أساس السمات الشخصية
عندما يكون أحد الأطفال أذكى من الآخرين، أو أقوى، أو أفضل في تحصيله الدراسي، يجد الأبوان نفسيهما يميلان إليه أكثر، ويتفاخران به وسط الأصدقاء والمعارف، وقد يحدث هذا بحسن نية، أو لإثارة غيرة باقي الأبناء وتحفيزهم على تطوير أنفسهم، لكن النتيجة في جميع الأحوال مأساوية.

وتولِّد المقارنة بين الأبناء حسدًا شديدًا في نفوس الإخوة المنبوذين نحو أخيهم المفضل، وقد يتمنون أن يصاب بمكروه ليستردوا الحب الخالص وغير المشروط لأبويهم، وقد يعمدون إلى ضربه أو إيذائه أو مضايقته انتقامًا منه.

ومن ناحية أخرى يلقي هذا التفضيل عبئًا ثقيلًا على الابن المميز ليظل عند قدر توقعات والديه، ولا يخذلهم إذا انخفض مستواه في إرضائهم، بجانب معاناته من الابتعاد عن إخوته، ومشاعرهم السلبية نحوه.

التفرقة في المعاملة على أساس الجنس
يرتبط هذا النوع من التفرقة بثقافتنا أكثر من سواها، فأكثر الأسر العربية تبدأ التفرقة في المعاملة بين الولد والبنت منذ الصغر، فالولد لا يغسل ولا يطبخ ولا ينظف، ولا يساعد في الأعمال المنزلية "لأنه رجل"، وحين يكبر تتاح له فرص أكبر وأفضل للتعليم، فيما تُحاصر الفتاة في مسؤوليات المنزل وإدارته، ودرجة متوسطة من التعليم لأن مصيرها البيت والزواج.


ويمكن القول إن أكثر مشكلات مجتمعاتنا العربية نابعة في الأصل من التفرقة في المعاملة بين الأطفال على أساس الجنس في المنزل، إذ تتحول الذكورة في عيني الطفل إلى "امتياز" يجعله يحظى بالتدليل على حساب أخواته، وتصبح مشاركته في الأعمال المنزلية بمثابة إهانة، فيشب متسلطًا فوضويًّا، يلقي بمسؤولياته على الآخرين ويحملهم واجب رعايته على حساب أنفسهم، ويا لسوء حظ شريكة حياته المستقبلية.

التفرقة ضد الفتيات في المنزل تنعكس بالسلب على نفسياتهن، وترسخ فيهن شعورًا عميقًا بالظلم، وكراهية الأخ الذي سلبها كل شيء، فضلًا عن استهلاك طاقتهن في أعمال شاقة، وتحميلهن مسؤوليات ثقيلة لا علاقة لهن بها، والتضييق عليهن في تلقي التعليم، أو حرمانهن منه لصالح "الولد"، لتنشأ مقهورة دون أن تدرك كونها كذلك، وتعد جيلًا جديدًا من المتسلطين والمقهورات.

التفرقة في المعاملة بين الأبن الأكبر والأصغر
يحظى الابن الأكبر بحب خاصٍ لكونه أول فرحة في أسرته، ويكتسب اهتمامًا خاصًّا من أبويه، ولكن حين يأتي أطفال آخرون يتغير الوضع إلى حدٍ ما، وتبدأ معضلة الأخ الأكبر والأصغر.

فمع مجيء أطفال أصغر في سن تسمح له باستيعاب العالم والاعتماد على نفسه، يتحمل الابن الأكبر دورًا – ولو صغيرًا – في رعاية إخوته، والقيام على شؤونهم وحمايتهم في غياب الأبوين، ويكبر هذا الدور بمرور الوقت، لينسى الأبوان حقيقة هامة: الابن الأكبر مجرد طفل آخر.

ومع تحميله بعض مسؤولية إخوته، يبدأ الأبوان بمطالبة الابن الأكبر ببعض التصرفات الناضجة، فيصبح من الواجب عليه أن يتغاضى عن تدليل إخوته الأصغر على حسابه، والتسامح معهم وتجاهل أخطائهم «لأنهم صغار»، ثم يتطور الأمر إلى تقبل عدم تقبل أخطائه هو لأنه كبير.

يعتبر هذا النوع من التفرقة في المعاملة بين الأبناء مدمرًا لجميع الأطفال، فبينما ينشأ الطفل الصغر مدللًا حرًّا من أي مسؤولية، معتمدًا بالكامل على أخيه الأكبر، وفي نفس الوقت يحقد عليه لاستئثاره باهتمام أبويه وثقتهما، يشب الأكبر متحكمًا ومتسلطًا، مع إحساس متأصل بالتميز عن الآخرين، وفي نفس الوقت يغار من أخيه الأصغر الذي حظي بالراحة على حسابه.

ويؤثر التمييز السلبي على أساس الشكل بطريقة جذرية في نفسية الطفل، تهز ثقته بنفسه وهيئته، وتتشكل لديه تساؤلات حول مدى استحقاقه للحب، ويفقد الثقة في الآخرين، وينطوي على نفسه بعيدًا، وقد تورثه هذه المعاناة مشكلات نفسية وصحية عدة.

أمَّا إذا كان التمييز لصالحه على حساب الغير، فلسوف يكتسب طباعًا أنانية، ويتأصل فيه شعور بالاستحقاق على غير ذي أساس، ويظن أن هيئته وحدها هي ما تمنحه قيمة وأهمية، كما يبدأ في معاملة الآخرين بنوع من الاحتقار والغرور مما يؤثر على صلاته الاجتماعية، وعلاقاته بالآخرين، ويتفاقم الأمر بمرور السنوات.

لذا يجب أن يحرص الوالدين إلى تحقيق المساواة في الهدايا والعطايا واتخاذ القرارات من خلال استشارة الجميع بدون استثناء، وأخذ القرارات بالأغلبية فيما يخصهم. وهناك المساواة بالمشاركة باللعب والمساواة في كلمات المحبة.

وكذلك في الإصغاء والاستماع؛ فالأبناء يتفاوتون في الجرأة والخجل، وليس كل واحد منهم يبادر بالحديث، ومنهم من تزيد متعة الاستماع إليه ومنهم من تقل، ولضبط هذا الجانب الصعب ولتلبية حاجة الأبناء إلى الاستماع إليهم والاهتمام بهم والتعبير عن أفكارهم، لتلبية كل ذلك يجب تخصيص وقت للأحاديث الخاصة، فمن الضروري أن يشعر الأبناء بأن هناك وقتًا مخصصًا لكل منهم تُحترم فيه خصوصيّاتهم.

فماذا يمكن أن تصنع التفرقة بين الأبناء في أسرتك؟ وما التصرفات التي تقدم عليها بهدف تطويرهم، لكنها تنتهي بإيذائهم بشكل يتعذر إصلاحه.

الأسباب وراء التفرقة.. من المسؤول؟

هناك من الآباء من يعتقد أن المسؤول الأكبر عن التمييز بين الأبناء هم الأبناء أنفسهم, وذلك راجع إلى اختلاف الطباع وحسن التصرف واللباقة في التعامل مع الوالدين لتحقيق المطالب، بحيث يبتعد الوالدين عن المساواة دون قصد أحيانًا سواء في الإنفاق أو العطف أو حق إبداء الرأي والاعتراض.
 
وقد يكون الذكر في مجتمعاتنا العربية مقبولًا في جميع تصرفاته عن الأنثى، وتعطى له كل الصلاحيات وتنفذ له كل الرغبات ناسين أو متناسين ما حثتنا عليه تعاليم ديننا الإسلامي بعدم التمييز.
 
يرى الدكتور وائل المحمدي أستاذ علم النفس بجامعة القاهرة أن الإخوة فيما بينهم في حالة مقارنة مستمرة بكل ما يملك أحدهم من صفات عقلية أو عضلية أو شكلية، وهنا يبدأ دور الوالدين، ومن أهم ما يمكن عمله هو الحرص التام على عدم وضع أيّ مقارنة بين الأبناء.
 
وهكذا يجب عدم المقارنة في الذكاء والقدرات العقلية، ومن صورها: انظروا إلى أخيكم فلان، إنه متفوق دائمًا وذكي، وهنا يشعر الإخوة الآخرون بالإحباط والغيرة من أخيهم.
 
كما يجب عدم المقارنة بالقوة العضلية والمهارة الحركية بين الأولاد، مثل: لا تتشاجروا مع فلان؛ هو أقوى منكم.
 
ويجب أيضًا عدم المقارنة في الجمال بين البنات، ومن صورها مجرد الثناء على جمال فتاة بحضور أخت لها، فهذا الأسلوب يسبب صدمة هائلة للأخت الأقل في الجمال، ويولّد لديها انكساراً كبيراً وعدم ثقة في النفس.
 
ويعني ذلك عدم المساواة بين الأبناء جميعًا والتفضيل بينهم بسبب الجنس أو ترتيب المولود أو السن أو غيرها نجد بعض الأسر تفضل الأصغر على الأكبر، أو تفضل ابناً من الأبناء لأنه متفوق أو جميل أو ذكي وغيرها من الأساليب الخاطئة. 
 
وهذا بلا شك يؤثر على نفسيات الأبناء الآخرين وعلى شخصياتهم؛ فيشعرون بالحقد والحسد تجاه هذا المفضل، وينتج عنه شخصية أنانية يتعود الطفل أن يأخذ دون أن يعطي، ويحب أن يستحوذ على كل شيء لنفسه حتى ولو على حساب الآخرين، ويصبح لا يرى إلا ذاته فقط والآخرون لا يهمونه، وينتج عن ذلك شخصية تعرف مالها، ولا تعرف ما عليها، تعرف حقوقها ولا تعرف واجباتها.

آثار التمييز على الأبناء

يترك التمييز آثارًا سيئة على الطرفين المميز لصالحه والمميز ضده، مما يؤثر ذلك على طبيعة العلاقات داخل الأسرة، وكذلك التنشئة الأسرية للأبناء، ومن أهم هذه الآثار ما يلي:

- يظهر التمييز علاقة تنافرية بين الأبناء، حيث يميل الطفل المُميز ضده إلى كره أخيه الآخر، وذلك بسبب غيرته الناتجة من كونه المقرب إلى والديه، بل يصل الأمر إلى تمني إصابته بمكروه، حتى يحظى هو باهتمام والديه.

- قد يؤدي الإحساس بالتمييز إلى الإصابة بأمراض نفسية عديدة، بل تكون من أهم أسباب فشل الطفل في تحقيق أهدافه المستقبلية وإشباع حاجاته الجسمية والنفسية والاجتماعية بشكل سوي، ويتزايد شعوره بالفشل والإحباط ووقوعه تحت وطأة التوتر والصراع النفسي.

تزداد مشاعر الضيق والحقد للأطفال الذين تم التمييز ضدهم منذ الصغر، وترافقهم عند بلوغهم، وقد تنعكس على معاملتهم مع أطفالهم في المستقبل.

- قد يعاني الطفل المفضل هو الآخر من نظرة إخوانه العدائية والكره الممارس ضده على مستوى السلوك اليومي، وقد يصل الأمر إلى مستوى إلحاق الضرر بالتجريح والمقاطعة والضرب في بعض الحالات.

- شعور الطفل بالدونية والنقص والضغينة وبأنه غير محبوب، ويصبح إنطوائي، ويصل الأمر إلى الامتناع عن العالم الخارجي.

علاج المشكلة

ومن أجل علاج المشكلة يرى الدكتور النفسي وائل المحمدي أنه لا بد للوالدين من قراءة نفسية الأبناء، كمحاولة لفهم مافي داخلهم، ومعرفة احتياجاتهم وردود أفعالهم، وهو ما يتطلب جهدًا ودراية خاصة لترجمة المحبة والشعور الداخلي إلى سلوكيات وتصرفات.

- يجب إعطاء الأبناء حقهم في التعبير عن مشاعرهم وحاجاتهم، والاستماع لهم جميعًا.

- يجب عدم إيلاء اهتمام كبير للطفل الصغير بشكل لافت للنظر، خاصة أمام أخيه الأكبر، كي لا يُفسّر ذلك بأنه نوع من التمييز بينه وبين إخوته.

- يُفضل بث روح التعاون والمحبة والمشاركة بين الأطفال، وتكليفهم بمهام جماعية من شأنها إيجاد هذا التعاون.

- يجب عدم ذكر السلبيات في الطفل وتجريحه أمام إخوته عند القيام بالخطأ، بل مناقشة ذلك معه على انفراد.

- من الأمور الهامة تطبيق التعليمات على الجميع، دون إتباع طرق مختلفة في العقاب والثواب.

- يجب إعطاء البنت حقها في الدفاع عن نفسها، وإظهار قدراتها وتشجيعها، وعدم إهمالها.

- عدم تربية الأخ على أنه الرجل ويجب ان يأمر وينهي على أخوته الفتيات، أو تنفيذ أوامره أو شيء من هذا القبيل.

الحكم الشرعي

وعن حكم الإسلام في هذه القضية يقول الشيخ جمال قطب إن كل الآيات التي تتحدث عن العدل في القرآن الكريم يدخل تحتها الجميع بمن فيهم الأب الذي لا يعدل بين أبنائه.

 وفي السنة النبوية عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما، أن أمه بنت رواحة سألت أباه بعض الموهوبة من ماله لأبنها فالتوى بها سنة، ثم بدا له، فقالت: لا أرضى حتى تُشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما وهبت لأبني ، فأخذ أبي بيدي، وأنا غلام فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إن أم هذا، بنت رواحة أعجبها أن أشهدك على الذي وهبت لأبنها، فقال رسول الله: يا بشير ألك ولد سوى هذا؟ قال: نعم، فقال: " أكلهم وهبت له مثل هذا؟ قال: لا، قال : " فلا تشهدني إذاً؛ فإني لا أشهد على جور".

وفي السنة النبوية أيضًا أنه بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث أصحابه؛ إذ جاء صبي حتى انتهى إلى أبيه، في ناحية القوم، فمسح رأسه وأقعده على فخذه اليمنى، قال: فلبث قليلًا ، فجاءت أبنة له حتى انتهت إليه، فمسح رأسها وأقعدها في الأرض، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم " فهلا على فخذك الأخرى"، فحملها على فخذه الأخرى، فقال صلى الله عليه وسلم: "الآن عدلت".

ومن لم يعدل بين أولاده أو يساوي بينهم بالمعروف وبالحق والقسطاس المستقيم، فقد نكب عن جادة الصواب، وغالط نفسه، ولم يأبه بالأدلة، فهو غاشٌ لأولاده، وظالم في عدم التسوية بينهم.

ويضيف الشيخ جمال قطب أن التمييز بين الأولاد والتفريق بينهم في أمور الحياة سبب للعقوق، وسبب لكراهية بعضهم لبعض، ودافع للعداوة بين الإخوة، وعامل مهم من عوامل الشعور بالنقص، وظاهرة التفريق بين الأولاد من أخطر الظواهر النفسية في تعقيد الولد وانحرافه، وتحوّله إلى حياة الرذيلة والشقاء والإجرام.
 

اضافة تعليق