مفاهيم إفتائية.. المفهوم السابع: الفروق بين وظيفة القاضي ووظيفة المفتي

الإثنين، 18 سبتمبر 2017 12:00 ص

الفرق بين المفتي والقاضي؛ فالمفتي مخبر بالحكم الشرعي، أما القاضي فهو ملزم بمقتضى الحكم الشرعي.
 
فحكم القاضي ملزِم لِمَنْ تحاكم إليه، يَنْفُذُ حكمه قهرًا، أمَّا فتوى المفتي فغير ملزمة في المنازعات بين الخصوم؛ إذ ليس من شأنه طلب البينات واستشهاد الشهود واستحلاف أطراف النـزاع، وليس مجلسه مجلسَ إقرار، بخلاف القاضي في كل ذلك.
 
ويعتبرالمفتي أقرب إلى السلامة من القاضي؛ لأنه لا يُلزِم بفتواه، وإنما يخبر بها من استفتاه، فإن شاء قبل قوله، وإن شاء تركه، وأما القاضي يُلزِم بقوله؛ فيشترك هو والمفتي في الإخبار عن الحكم، ويتميز القاضي بالإلزام والقضاء؛ فهو من هذا الوجه خطره أشد؛ ولأن الفقيه من شأنه إصدار الفتوى من ساعته بما يحضره من القول، والقاضي شأنه الأناة والتثبتد؛ لكي يتهيأ له من الصواب ما لا يتهيأ لصاحب البديهة، كما يلزم القاضي من الاستظهار في الاجتهاد أكثر مما يلزم المفتي، ويأثم بالتسهيل وطلب الترخيص أكثر مما يأثم المفتي وإن كان كل واحد منهما مأمورا بإمعان النظر واجتناب الرخص؛ لأن في القضاء إلزاما ليس في الفتيا، ويجب فيه ما لا يجب في الفتيا
 
يعُد القاضي أعظم أجراً من المفتي، قال العز بن عبد السلام: "فصل: في تفضيل الحكام على المفتين والأئمة على الحكام. إن قيل: هل يتساوى أجر الحاكم والمفتي القائمين بوظائف الحكم والفتيا أم لا؟ فالجواب: إن أجر الحاكم أعظم؛ لأنه يفتي ويلزم، فله أجران: أحدهما: على فتياه والآخر على إلزامه، هذا إذا استوت الواقعة التي فيها الفتيا والحكم، وتختلف أجورهما باختلاف ما يجلبانه من المصالح ويدرآنه من المفاسد، وتصدي الحاكم للحكم أفضل من تصدي المفتي للفتيا. 
 
المفتي لا يفتي فيما ينظر فيه القاضي إلا على جهة المشورة وإبداء الرأي؛ فإذا كانت الدعوى معروضة أمام المحاكم للنظر فيها فلا تَستَفْتِ، كما أَنَّ فتوى المفتي لا تُعَارِضُ حُكْمَ القاضي إلا إذا خالف نَصًّا صريحًا أو إجماعًا صحيحًا؛ فَإِنَّ حُكْمَهُ يكون باطلاً حينئذٍ، وجيث أن المفتي لا يملك تغيير المحرَّرات الرسمية التي يصدرها القاضي أو مأذونُه كما في الزواج والطلاق؛ فإذا أراد مَن حُرِّرَتْ له وثيقة طلاق رسمية مثلا أن يطعن فيها، فالطريق الصحيح له - إذا رأى نفسه مُحِقًّا- أن يلجأ إلى المحكمة طلبًا للتصحيح، ثم إذا أراد القاضي بعد ذلك أن يستشير المُفْتِي فإنه يُخَاطِبُه بِمُحَرَّر رَسْمِيٍّ.
 
مثلًا لتوضيح قد يطلب الزوج - أو الزوجة التي حضر زوجُها للاستفتاء- من المفتي ما يفيد وقوع الطلاق من عـدم وقوعه، وحينئذٍ فإفادة المفتي أو دار الإفتاء بذلك إنما هي على سبيل الشهادة لا القضاء، وكذلك تفارق الفتوى القضاء في أن هذا الأخير إنما يقع في خصومة يستمع فيها القاضي إلى أقوال المدعي والمدعى عليه، ويفحص الأدلة التي تقام من بينة وإقرار القرائن، أما الفتوى فليس فيها كل ذلك، وإنما هي واقعة يبتغي صاحبها الوقوف على حكمها من واقع مصادر الأحكام الشرعية، واذا أفتاه المفتي بقول مجمع عليه لم يخيره في القبول منه، وإن كان مختلفًا فيه خيَّره بين أن يقبل منه أو من غيره. 
 
فإن كان التخيير معلومًا من قصد المفتي لم يجب عليه أن يخيره لفظًا، بل يذكر له قوله فقط. 
 
وليس كذلك القاضي؛ لأن القاضي منصوب لقطع الخصومات، فلو كان الخصم مخيراً بين الدخول تحت حكمه وترك الدخول لم تنقطع الخصومة أبداً. 
 
فتوى المفتي حكم عام يتعلق بالمستفتي وبغيره، فالمفتي يحكم حكمًا عامًا كليًا أن من فعل كذا ترتب عليه كذا، ومن قال كذا لزمه كذا، بخلاف القاضي فإن حكمه جزئي خاص على شخصٍ معينٍ لا يتعداه إلى غيره. 
 
كل ما يتأتى فيه الحكم تتأتى فيه الفتوى، ولا عكس؛ ذلك أن العبادات كلها لا يدخلها الحكم (القضاء)، وإنما تدخلها الفتيا فقط، فلا يدخل تحت القضاء: الحكم بصحة الصلاة أو بطلانها، وكذلك أسباب العبادات؛ كمواقيت الصلاة، ودخول شهر رمضان، وغير هذا من أسباب الأضاحي والكفارات والنذور والعقيقة؛ لأن القول في كل ذلك من باب الفتوى.
 
تعُد الأحكام الشرعية ما يقبل حكم الحاكم مع الفتوى، فيجتمع الحكمان؛ كمسائل المعاملات من البيوع، والرهون، والإيجارات، والوصايا، والزواج والطلاق، بالإضافة إلى أن ما لا يقبل إلا الفتوى؛ كالعبادات وأسبابها وشروطها وموانعها. 
 
* وتجوز تولية الأعمى في الفتوى كما في فتاوى البرزلي.
 
بخلاف القاضي، فلا يجوز تولية الأعمى؛ لأنه لا يعرف الخصوم والشهود(9)، وإن وقع نفذ حكمه ولا ينقض، لكن يجب عزله ولو طرأ عليه؛ وإنما نفذ حكمه لأن البصر ليس شرطا في صحة ولايته ابتداء ولا في صحة دوامها، بل هو واجب غير شرط في الابتداء والدوام(10). 
 
* لا يشترط النطق في المفتي، فيَصِحُّ إفْتَاءُ الْأَخْرَسِ لَا قَضَاؤُهُ، وَيُكْتَفَى منه بِالْإِشَارَةِ المفهمة. 
 
بخلاف القاضي، فلا يجوز تولية الأخرس؛ لِلُزُومِ صِيغَةٍ مَخْصُوصَةٍ؛ كَحَكَمْتُ وَأَلْزَمْت بَعْدَ دَعْوَى صَحِيحَةٍ(11).
 
* المفتي يفتي بالديانة والقاضي يقضي بالظاهر.
 
فالْمُفْتِي يُفْتِي بالديانة، يَعْنِي أَنه يحكم على حسب إِظْهَار الْمُكَلف، فَإِن كَانَ صَادِقا فِي إِظْهَاره يجازى على حسب إِظْهَاره، وَإِن كَانَ كَاذِبًا لَا يَنْفَعهُ حكم الْمُفْتِي. 
 
وإِذا علم الْمُفْتِي حَقِيقَة الْأَمر لَا يَنْبَغِي لَهُ أَن يكْتب للسَّائِل؛ لِئَلَّا يكون معينا على الْبَاطِل، وَإن كتب لَا يكْتب على مَا يعلمه بل على مَا فِي السُّؤَال، إِلَّا أَن يَقُول: إِن كَانَ كَذَا فَحكمه كَذَا. 
 
وَأما القَاضِي فَيجب عَلَيْهِ الحكم بِظَاهِر حَال الْمُكَلف، وَيلْزم بِمَا ثَبت عِنْده بِالْإِقْرَارِ وَالشَّهَادَة(12).
 
مثلا: إذا قال رجل: قلت لزوجتي: (أنت طالق) -قاصدا بذلك الإخبار كاذبًا- فإن المفتي يفتيه بعدم الوقوع، والقاضي يحكم عليه بالوقوع؛ لأنه يحكم بالظاهر. 
 
ولو قال لامرأته: إن ولدتِ غلاماً فأنتِ طالق واحدة، وإن ولدتِ جاريةً فطالق بثنتين، فأتت بهما ولم يدر الأول، تقع واحدة قضاء وثنتين ديانة(13).
 
والقاضي الحاكم يحتاج إلى معرفة المسائل والوقائع أيضاً بخلاف المفتي(14).
 
* قال الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح: وينبغي أن يكون المفتي كالراوي -في أنه لا يؤثر فيه قرابة وعداوة وجر نفع ودفع ضر- لأن المفتي في حكم مخبر عن الشرع بما لا اختصاص له بشخص، فكان كالراوي لا كالشاهد، فتصح فتواه لمن لا تقبل شهادته له؛ كولده أو أبيه(15).
 
وأما القاضي فلا يحق له القضاء على من لا تقبل شهادته له؛ كقريبه وعدوه. 
 
لكن نقل أبو عمرو بن الصلاح عن صاحب الحاوي أن المفتي إذا نابذ في فتياه شخصا معينا صار خصما، فترد فتواه على من عاداه، كما ترد شهادته عليه إذا وقعت.
 
* ويجوز للمفتي أن يقبل الهدية، بخلاف الحاكم. 
 
والفرق بين المفتي وبين القاضي واضح؛ فإن القاضي ملزم وخليفة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تنفيذ الأحكام، فأخذه الهدية يكون رشوة على الحكم الذي يؤمله المهدي، ويلزم منه بطلان حكمه، والمفتي ليس كذلك.
 
وحيث أن إمام الجامع والمدرس والواعظ ومعلم القرآن حكمهم في الهدية حكم المفتي، وحيث أن الأولى في حقهم -إن كانت الهدية لأجل ما يحصل منهم من الإفتاء والوعظ والتعليم- عدم القبول؛ ليكون علمهم خالصا لله تعالى، وإن أهدي إليهم تحبباً وتودداً -لعلمهم وصلاحهم- فالأولى القبول، وأما إذا أخذ المفتي الهدية ليرخص في الفتوى: فإن كان بوجه باطل فهو رجل فاجر يبدل أحكام الله تعالى، ويشتري بها ثمنًا قليلًا، وإن كان بوجه صحيح فهو مكروه كراهة شديدة.
 
وكل من عمل للمسلمين عملا حكمه في الهدية حكم القاضي، ومثله: مشايخ القرى والحرف، وغيرهم ممن لهم قهر وتسلط على من دونهم؛ فإنه يهدي إليهم خوفاً من شرهم أو ليروج عندهم.
 
وللمفتي رد الفتيا إن خاف غائلتها، أو كان بالبلد أهل للفتيا عالم قائم مقامه؛ لفعل السلف؛ ولعدم تعين الإفتاء حينئذ، فإن لم يكن بالبلد عالم يقوم مقامه لم يجز له رد الفتيا؛ لتعينها عليه.
 
ولا يجوز قول القاضي لمن ارتفع إليه في حكومة: امضِ إلى غيري، ولو كان بالبلد من يقوم مقامه؛ لأن تدافع الحكومات يؤدي إلى ضياع الحقوق.
 
 

اضافة تعليق