معركة "ذات السلاسل"..  النصر لأكرم الجندين

الإثنين، 18 سبتمبر 2017 12:00 ص

بعد أن انتهى الخليفة أبو بكر -رضي الله عنه- من القضاء على حركة الردة التي وقعت بأرض العرب، قرر أن يتفرغ للمهمة الأكبر وهى نشر الدين الإسلامي بعد أن مهد الجبهة الداخلية، وقضى على هذه الفتنة، وكان أبو بكر يفكر في الجبهة المقترحة لبداية الحملات الجهادية عملاً بقوله عز وجل {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [سورة التوبة: 123].

كانت الدولة الإسلامية تقع بين فكي أقوى دولتين في العالم وقتها، الفرس المجوس من ناحية الشرق بأرض العراق وإيران، ودولة الروم الصليبية من ناحية الشمال بأرض الشام والجزيرة، وكان أبو بكر يفضل الجبهة الشامية على الجبهة العراقية، ولكنه فضل البدء بدولة الفرس لقوتها وشدة بأسها، وأيضاً لكفرها الأصلي، فهي أشد كفراً من دولة الروم الذين هم أهل كتاب، وأخيراً استقر رأى الخليفة على البدء بالجبهة العراقية.

بعد أن انتهى خالد بن الوليد والمسلمين معه من حربه على المرتدين من بني حنيفة أتباع مسيلمة الكذاب جائته الأوامر من الخليفة أبى بكر بالتوجه إلى الأراضي العراقية، مع عدم إكراه أحد من المسلمين على مواصلة السير معه إلى العراق، ومن أحب الرجوع بعد قتال المرتدين فليرجع، فانفض كثير من الجند، وعادوا إلى ديارهم تعباً وإرهاقاً من حرب الردة، فلم يبقى مع خالد سوى ألفين من المسلمين.

أمر الخليفة قائده أن يهجم على العراق من ناحية الجنوب، وفي نفس الوقت أمر قائداً آخر لا يقل خبرة عن خالد بن الوليد وهو عياض بن غنم الفهرى أن يهجم من ناحية الشمال، في شبه كماشة على العدو، ثم قال لهما "من وصل منكما أولاً إلى الحيرة واحتلها فهو الأمير على كل الجيوش بالعراق"، فأوجد بذلك نوعاً من التنافس الشريف والمشروع بين القائدين، يكون الرابح فيه هو الإسلام.

كانت أول مدينة قصدها خالد بن الوليد هي مدينة الأبلة، وكانت ذات أهمية استراتيجية كبيرة، حيث أنها ميناء الفرس الوحيد على الخليج العربي، ومنها تأتى كل الإمدادات للحاميات الفارسية المنتشرة بالعراق، وكانت هذه المدينة تحت قيادة أمير فارسي كبير الرتبة اسمه هرمز، وقد اشتق من اسمه اسم المضيق القائم حالياً عند الخليج العربي، وكان رجلاً شريراً متكبراً، شديد البغض للإسلام والمسلمين، وللجنس العربي بأسره، وكان العرب بالعراق يكرهونه بشدة، ويضربون به الأمثال فيقولون "أكفر من هرمز، اخبث من هرمز؟"، فلما وصل خالد بالجيوش الإسلامية هناك، وكان تعداد هذه الجيوش قد بلغ ثمانية عشر ألفاً بعد أن طلب الإمدادات من الخليفة، أرسل للقائد هرمز ما يُبين حقيقة الجهاد الإسلامي، وفيها أصدق وصف لجند الإسلام "أما بعد فأسلم تسلم، أو اعتقد لنفسك ولقومك الذمة، وأقرر بالجزية، وإلا فلا تلومن إلا نفسك، فلقد جئتك بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة".

رفض هرمز الرسالة واختار بيده مصيره المحتوم، وأرسل إلى كسرى يطلب الإمدادات التي جاءت كبيرة جداً، ويجتمع عند هرمز جيش جرار عظيم التسليح، ويبنى هرمز خطته على الهجوم على مدينة كاظمة ظناً منه أن المسلمين سوف يعسكرون هناك، ولكنه يصطدم أمام العقلية العسكرية الفذة للقائد خالد بن الوليد.

قام خالد بمناورات مرهقة للجيش الفارسي، فتوجه وجيشه إلى منطقة الحفير، وأقبل هرمز إلى كاظمة فوجدها خالية وأخبره الجواسيس أن المسلمين قد توجهوا إلى الحفير، فتوجه هرمز بسرعة كبيرة جداً إلى الحفير حتى يسبق المسلمين، وبالفعل وصل هناك قبل المسلمين، وقام بالاستعداد للقتال، وحفر خنادق، وعبأ جيشه، ولكن خالد قرر تغير مسار جيشه وكر راجعاً إلى مدينة الكاظمة، وعسكر هناك ليستريح الجند قبل القتال.

تحرك هرمز بجيوشه المرهقة المتعبة إلى مدينة الكاظمة ليستعد للصدام مع المسلمين، وكان الفرس أدرى بطبيعة الأرض وجغرافية المكان، فاستطاع أن يسيطر على منابع الماء بأن جعل نهر الفرات وراء ظهره، حتى يمنع المسلمين منه، وصدق الحق عندما قال {وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} [سورة البقرة: 216]، فقد كان سبباً لاشتعال حمية المسلمين وحماستهم ضد الكفار، وقال خالد بن الوليد كلمته الشهيرة تحفيزاً بها الجند "ألا انزلوا وحطوا رحالكم، فلعمر الله ليصيرن الماء لأصبر الفريقين، وأكرم الجندين"؛ بينما رفض هرمز الاستماع لنصائح قواده، وأصر على أن يربط الجنود أنفسهم بالسلاسل، حتى لا يفروا من أرض المعركة، كناية عن القتال حتى الموت، لذلك فقد سميت المعركة بـ"ذات السلاسل".

كان أول وقود المعركة -كما هو معتاد وقتها- خروج القواد للمبارزة، فخرج هرمز لمبارزة خالد بن الوليد، وكان قد اتفق مع مجموعة من فرسانه على أن يهجموا على خالد ويفتكوا به أثناء المبارزة، ولم يعهد عن ابن الوليد أنه هزم قط في مبارزة طوال حياته، وقبل أن يقوم الفرس بخيانته فطن القعقاع بن عمرو إلى ما يجري، فخرج من بين الصفوف مسرعاً، وانقض على مجموعة الغدر فقتلهم جميعاً، وفي نفس الوقت أجهز خالد على هرمز وذبحه كالنعاج، وكان لذلك الأمر وقعاً شديداً في نفوس الفرس، حيث انفرط عقدهم، وانحل نظامهم لمقتل قائدهم، وولوا الأدبار، وركب المسلمون أكتافهم، وأخذوا بأقفيتهم، وقتلوا منهم أكثر من ثلاثين ألفاً، وغرق الكثير في نهر الفرات، وقتل المربطون بالسلاسل عن بكرة أبيهم، وكانت هزيمة مدوية على قوى الكفر وعباد النار، وفر باقي الجيش لا يلوى على شيء.

كانت جيوش قوية ترابط في مدينة الأبلة للدفاع عنها حال هزيمة جيوش هرمز، ووصلت فلول المنهزمين وهى في حالة يرثى لها، وانضمت هذه الفلول إلى جيش قارن بن قرباس المكلف بحماية المدينة، وأخبروه بما حدث، فأصر على الخروج من المدينة للقاء المسلمين خارجها، وذلك عند منطقة المذار، واختار تلك المنطقة تحديداً لأنها كانت على ضفاف نهر الفرات، وكان قد أعد أسطولاً من السفن استعداداً للهرب لو كانت الدائرة عليه، وكانت فلول المنهزمين من جيش هرمز ترى أفضلية البقاء داخل المدينة والتحصن بها، وذلك من شدة فزعهم من لقاء المسلمين في الميدان المفتوح.

كان المحنك ابن الوليد يعتمد في حروبه دائماً على الاستطلاع الذي ينقل أخبار العدو أولاً بأول، ونقلت له استخباراته أن الفرس معسكرون بالمذار، فأرسل للخليفة أبو بكر يعلمه بأنه سوف يتحرك للمذار لضرب المعسكرات الفارسية هناك ليفتح الطريق إلى الأبلة، ثم انطلق بأقصى سرعة للصدام مع الفرس، وأرسل بين يديه طليعة من خيرة الفرسان، يقودهم أسد العراق المثنى بن حارثة، وبالفعل وصل المسلمون بسرعة لا يتوقعها أحد من أعدائهم.

عندما وصل المسلمون أخذ ابن الوليد يتفحص المعسكر، وأدرك بخبرته العسكرية وفطنته أن الفزع يملأ قلوب الفرس عندما رأى السفن راسية على ضفاف النهر، وعندها أمر المسلمين بالصبر والثبات في القتال، والإقدام بلا رجوع، وكان جيش الفرس يقدر بثمانين ألفاً، وجيش المسلمين بثمانية عشر ألفاً، وميزان القوى المادي لصالح الفرس.

خرج قائد الفرس قارن وكان شجاعاً بطلاً، وطلب المبارزة من المسلمين فخرج له رجلان هما خالد بن الوليد وأعرابي من البادية اسمه معقل بن الأعشى الملقب بـ"أبيض الركبان" لمبارزته، وسبق الأعرابي خالداً، وانقض كالصاعقة على قارن وقتله في الحال، وخرج بعده العديد من أبطال الفرس وقادته، فبارز عاصم بن عمرو القائد الأنوشجان فقتله، وبارز الصحابي عدى بن حاتم القائد قباذ فقتله في الحال، وأصبح الجيش الفارسي بلا قيادة.

كان من الطبيعي أن ينفرط عقد الجيش الفارسي بعد مصرع قادته، ولكن قلوبهم كانت مشحونة بالحقد والغيظ من المسلمين، فاستماتوا في القتال على حنق وحفيظة، وحاولوا بكل قوتهم صد الهجوم الإسلامي ولكنهم فشلوا في النهاية تحت وطأة الهجوم الكاسح، وانتصر المسلمون انتصاراً مبيناً، وفتحوا مدينة الأبلة، وبذلك استقر الجنوب العراقي بأيدي المسلمين، وسيطروا على أهم مواني الفرس على الخليج، وكان هذا الانتصار فاتحة سلسلة طويلة من المعارك الطاحنة بين الفرس والمسلمين على أرض العراق كان النصر فيها حليفاً للمسلمين في جملتها، وانتهت بسقوط مملكة عباد النار.

اضافة تعليق