تحية العلم والوقوف للسلام الوطني

الإثنين، 18 سبتمبر 2017 12:00 ص

إلا أن الحفاظ على الوطن وصيانته هو قيمة إسلامية أصيلة، وحث الإسلام أتباعه على حب أوطانهم بهذا المعنى والاعتزاز بها والدفاع عنها والوقوف في وجه كل المعتدين أو المفسدين لها، وقال الرسول الله –صلى الله عليه وسلم-: "الحلال ما أَحَلَّ الله في كتابه، والحرام ما حَرَّم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه".

والراية هي رمز للوطن وعلامة للدولة، واعتبار العَلَم رمزًا كان معروفًا عند العرب قبل الإسلام لا سيما في الحروب، كما ورد أن النبي-صلى الله عليه وآله وسلم- اتخذ الرايات والألوية والأعلام، وعقد عليه المحَدِّثون أبوابًا في كتبهم؛ فقالوا: (باب في الرايات والألوية) 
 
وروى أبو داود عن سماك عن رجل من قومه عن آخر منهم -رضي الله عنه- قال: "رأيت راية النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- صفراء، ويتضح أن العادة جرت بأن العدو يعمد إلى ضرب حامل الراية وإسقاطه قبل غيره؛ ليثبط من عزيمة الجيش؛ فمتى كان العَلَم مرفوعًا كان ذلك دالًّا على العزة والقوة والصمود، ومتى نُكِّس وسقط كان ذلك دالًّا على الهزيمة والذل والانكسار، وفي المقابل كان يحرص حامله على إبقائه مرفوعًا، ولو بذل في سبيل ذلك نفسه وروحه، لا لخصوص تعظيم القماش، بل لما يرمز إليه.

وكما روى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: "أخذ الراية زيد فأصيب -يعني: في غزوة مؤتة-، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب -وإنَّ عينَي رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- لتذرفان-، ثم أخذها خالد بن الوليد من غير إمرة ففُتِح له".
 
وتحية العلم بنحو الإشارة باليد بهيئة معينة، أو الهتاف بالدعاء عند رفعه بأن تحيا البلاد، هو من قبيل الحركة أو الكلام، وإلف ذلك وتكراره -كما هو الحاصل- يجعله من العادات؛ فيما كان كذلك الإباحة، ما لم يرد دليل على المنع؛ قال تعالى: "وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ" (الأنعام: 119)، ثم إن هذه الممارسات والأفعال هي مما ارتبط عند الناس بحب الأوطان، وتواضعوا على دلالتها على ذلك، فصارت بذلك وسيلة عامة للتعبير عن حب الأوطان وإظهار الانتماء وتأكيد الولاء، وقد تقرر في قواعد الشريعة أن الوسائل لها أحكام المقاصد، فإذا كان حب الوطن مِن المطلوبات الشرعية كما هو متقرر في أدلة الشريعة فإن وسيلتَه الجائزةَ في أصلها تكون كذلك مشروعة مطلوبة، ويتأكد ذلك إذا كان عدمُ القيام أمارةً عند الناس على عدم الاحترام.
 
أما السلام الوطني فهو عبارة عن مقطوعة موسيقية ملحَّنة على نشيد البلد أو الوطن تكون رمزًا للبلد أو الوطن تعزف في الحفلات العسكرية وبعض المناسبات العامة. والمختار أن الموسيقى من حيث هي لا حرمة في سماعها أو عزفها؛ فهي صوت حسنُه حَسَنٌ وقبيحه قبيح، وما ورد في تحريمها: صحيحُهُ غير صريح، وصريحُهُ غير صحيح.
 
ولما سئل الشيخ عز الدين بن عبد السلام عن الآلات كلها، قال: مباح، فقال الشيخ شرف الدين التلمساني: يريد أنه لم يرد دليل صحيح من السنَّة على تحريمه، فسمعه الشيخ عز الدين، فقال: لا، أردت أن ذلك مباح. 
 
والسلام الوطني الشأن فيه هو الشأن في العَلمِ؛ من حيث كون كل منهما رمزًا، والوقوف عند عزفه ليس المراد منه إلا إظهار الاحترام والتقدير والإكرام لما يُمَثِّلُه، وهو الوطن. وحب الوطن أمر قد جُبِل عليه الإنسان، وكما روى البخاري عن حميد الطويل أنه سمع أنسًا -رضي الله عنه- يقول: "كان رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- إذا قدم من سفر، فأبصر درجات المدينة، أوضع ناقته -أي: أسرع السير بها-، وإن كانت دابة حركها". قال البخاري: زاد الحارث بن عمير عن حُمَيدٍ: حركها من حبها. قال الحافظ ابن حجر و دلالة. على مشروعية حب الوطن والحنين إليه، والتعبير عن هذا الحب له مظاهر؛ منها ما يكون بالأقوال ومنها ما يكون بالأفعال، والإباحة حتى يرد الدليل الناقل عنها، ومن جملة الأفعال المعبرة عن الحب القيامُ لرمز الوطن وعلامته وشعاره، وهو العَلم أو السلام الوطني؛ فالمحب يتعلق ويعتني بكل ما له صلة بمحبوبه، ولا يُذَمُّ مِن ذلك إلا ما ذَمَّه الشرع بخصوصه.
 
أما دعوى أن ذلك محرم شرعًا؛ لما فيه من تعظيم، والتعظيم لا يجوز للمخلوق، خاصة إذا كان جمادًا، فيجاب عن ذلك علماء دار الإفتاء المصرية، أن ذلك وإن كان فيه تعظيم، إلا أن القول بأن مطلق التعظيم لا يجوز للمخلوق هو قول باطل، بل الذي لا يجوز هو ما كان على وجه عبادة المعظم، كما كان يعظم أهل الجاهلية أوثانهم، فيعتقدون أنها آلهة وأنها تضر وتنفع من دون الله، وهذا هو الشرك، وأما ما سوى ذلك مما يدل على الاحترام والتوقير والإجلال فهو جائز، إن كان المُعَظَّم مستحقًّا للتعظيم، ولو كان جمادًا؛ وقد روى البخاري عن عروة بن الزبير -رضي الله عنه- أنه قال واصفًا أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: "وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ"، وروى البيهقي بسنده أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- كان إذا رأى البيت رفع يديه، وقال: "اللهم زد هذا البيت تشريفًا، وتعظيمًا، وتكريمًا، ومهابة".
 
والقيام للعَلَمِ أو عند سماع نشيد السلام الوطني له نظير في فعل المسلمين قديمًا، فقد نص بعض العلماء على أنَّ مِن حُسْنِ الأدب ما اعتاده الناس مِن القيام عند سماع توقيعات الإمام، وأخذوا مِن ذلك أولويةَ القيامِ للمصحف، وأنَّ تَرْكَ القيامِ احترامًا إنما كان في أول الأمر، فلما اعتاده الناس وصار تركه مشعرًا بالاستهانة انتقل من الجواز إلى الاستحباب؛ ويباح القيام له -أي: المصحف-، قال الشيخ تقي الدين: إذا اعتاد الناس قيام بعضهم لبعض، فقيامهم لكتاب الله أحق؛ فليس القيام للمصحف أو للقادم ذي الشأن إلا لإظهار الاحترام والتوقير، وتعليلات العلماء ناطقة بهذا، فلا بأس إذن من القيام عند رفع العلم أو السلام الوطني؛ إذ العلة واحدة.
 
أما دعوى أنه من التشبه بالكفار في عاداتهم القبيحة، فلا نسلم أصلًا أن ذلك من عادات الكفار المختصة بهم، بل تلك دعوى عارية عن الدليل، ولو صحت لقلنا: لم يصر ذلك مختصًّا بهم الآن، بل صار عادة دخلت بلاد المسلمين وتواطؤوا عليها حتى تُنُوسِيَ أَصلُها، فصارت من باب قاعدة، ولو كان تشبهًا بهم، فمجرد التشبه لا يكون حرامًا إلا فيما يتعلق بعقائدهم وخصوصياتهم الدينية، وقد وردت أدلة كثيرة على هذا؛ منها: أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم أمر بتغيير الشيب؛ فقال فيما رواه الترمذي وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه: «غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود»، وكان عدد كبير من الصحابة لا يخضبون، ولم يُنقَل أن الخاضبين قد أنكروا عليهم بأنهم قد ارتكبوا محرمًا بتركهم الخضاب لما في ذلك من التشبه الممنوع.
 
أما دعوى أن ذلك يُعَدُّ بدعةً؛ لأنه لم يكن في عهد رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-، ولا في عهد خلفائه الراشدين فنقول: سلمنا ببدعية ذلك، ولكن لا يلزم من البدعية التحريم، لأن البدعة تطرأ عليها الأحكام الشرعية الخمسة، فالبدعة ليست مرادفة للمُحَرَّم، بل البدعة قِسْم والمُحَرَّم قِسْم.
 
فإن تحية العلَم المعهودة أو الوقوف للسلام الوطني أمران جائزان لا كراهة فيهما ولا حرمة كما شغَّب به مَن لا علمَ له، فإذا كان ذلك في المحافل العامة التي يُعَدُّ فيها القيام بذلك علامة على الاحترام وتركه مشعرًا بترك الاحترام: فإن الوقوف يتأكَّد؛ فيتعيَّن فعلُه حينئذٍ؛ دفعًا لأسباب النفرة والشقاق، واستعمالًا لحسن الأدب ومكارم الأخلاق.
 
 

اضافة تعليق