ابن دينار.. من الخمر إلى المعرفة

الإثنين، 18 سبتمبر 2017 12:00 ص

كان بن دينار ممن اشتهروا بزهدهم، وكثرة ورعهم، حتى بات مضرب المثل في ذلك، وقدوة السالكين في طريق جهاد النفس والهوى؛ ووصفه الإمام الذهبي بأنه "علم العلماء الأبرار، معدود في ثقات التابعين. ومن أعيان كتبة المصاحف، كان من ذلك بلغته".

كان بن دينار واحدًا من التابعين الذين تابعوا الحسين بن على، وزين العابدين، وهو من الخمسة الذين قال عنهم الإمام زين العابدين "ارتد الناس بعد الحسين إلا خمسة"، وذكر أن من الخمسة "أبوحمزة" وهو بن دينار، وقد عاش أيام الباقر والصادق، فدخل عليه أحدهم بمسجد الكوفة بعد موت جعفر الصادق، فقال ما فعل جعفر قال قد مات، فقال إنا لله وإنا إليه راجعون، فقال ومن أوصى فقال إلى أربعة أو خمسة، فقال ومن قال إلى الخليفة والوالي وزوجته وعبدالله وابنه موسى.

وروى ابن الجوزي في كتاب "التوابين" قصة توبة ابن دينار، وفيها يقول مالك عن نفسه "بدأت حياتي ضائعًا سكيرًا عاصيًا، أظلم الناس وآكل الحقوق، آكل الربا، أضرب الناس، أفعل المظالم، لا توجد معصيه إلا وارتكبتها، شديد الفجور، يتحاشاني الناس من معصيتي.

وفي يوم من الأيام اشتقت أن أتزوج ويكون عندي طفلة، فتزوجت وأنجبت طفلة سميتها فاطمة، أحببتها حبًا شديدًا، وكلما كبرت فاطمة زاد الإيمان في قلبي، وقلّت المعصية في قلبي، ولربما رأتني فاطمة أمسك كأسًا من الخمر فاقتربت مني فأزاحته وهي لم تكمل السنتين.. وكأن الله يجعلها تفعل ذلك، وكلما كبرت فاطمة كلما زاد الإيمان في قلبي.. وكلما اقتربت من الله خطوة، وكلما ابتعدت شيئًا فشيء عن المعاصي؛ حتى اكتمل سن فاطمه ثلاث سنوات، فلما أكملت الأعوام الثلاثة ماتت فاطمة؛ فانقلبت أسوأ مما كنت، ولم يكن عندي الصبر الذي عند المؤمنين ما يقويني على البلاء، فعدت أسوا مما كنت.

وتلاعب بي الشيطان حتى جاء يومًا فقال لي شيطاني: لتسكرن اليوم سكرة ما سكرت مثلها من قبل!!، فعزمت أن أسكر وعزمت أن أشرب الخمر، وظللت طوال الليل أشرب وأشرب وأشرب فرأيتني تتقاذفني الأحلام.. حتى رأيت تلك الرؤيا، رأيتني يوم القيامة وقد أظلمت الشمس.. وتحولت البحار إلى نار.. وزلزلت الأرض.. واجتمع الناس إلى يوم القيامة والناس أفواج وأفواج، وأنا بين الناس، وأسمع المنادي ينادي فلان ابن فلان هلم للعرض على الجبار، فأرى فلان هذا وقد تحول وجهه إلى سواد شديد من شدة الخوف، حتى سمعت المنادي ينادي باسمي.. هلم للعرض على الجبار فاختفى البشر من حولي، وكأن لا أحد في أرض المحشر، ثم رأيت ثعبانًا عظيمًا شديدًا قويًا يجري نحوي فاتحا فمه، فجريت أنا من شدة الخوف، فوجدت رجلًا عجوزًا ضعيفًا فقلت: آه: أنقذني من هذا الثعبان، فقال لي: يابني أنا ضعيف لا أستطيع ولكن إجر في هذه الناحية لعلك تنجو، فجريت حيث أشار لي والثعبان خلفي ووجدت النار تلقاء وجهي فقلت: أأهرب من الثعبان لأسقط في النار، فعدت مسرعا أجري والثعبان يقترب فعدت للرجل الضعيف وقلت له: بالله عليك أنجدني أنقذني.. فبكى رأفة بحالي وقال: أنا ضعيف كما ترى لا أستطيع فعل شيء، ولكن إجر تجاه ذلك الجبل لعلك تنجو فجريت للجبل والثعبان سيخطفني، فرأيت على الجبل أطفالا صغارًا فسمعت الأطفال كلهم يصرخون: يا فاطمة أدركي أباك أدركي أباك، فعلمت أنها ابنتي، ففرحت أن لي ابنة ماتت وعمرها ثلاث سنوات تنجدني من ذلك الموقف فأخذتني بيدها اليمنى ودفعت الثعبان بيدها اليسرى وأنا كالميت من شدة الخوف.

ثم جلست في حجري كما كانت تجلس في الدنيا، وقالت لي يا أبت ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله؛ فقلت: يابنيتي.. أخبريني عن هذا الثعبان، قالت هذا عملك السيئ، أنت كبرته ونميته حتى كاد أن يأكلك.. أما عرفت يا أبي أن الأعمال في الدنيا تعود مجسمة يوم القيامة؟؛ قلت: وذلك الرجل الضعيف، قالت ذلك العمل الصالح.. أنت أضعفته وأوهنته حتى بكى لحالك لا يستطيع أن يفعل لحالك شيئًا، ولولا أنك أنجبتني ولولا أني مت صغيرة ماكان هناك شيء ينفعك.

وهنا استيقظت من نومي وأنا أصرخ: قد آن يارب.. قد آن يارب، نعم ألم يان للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله؛ واغتسلت وخرجت لصلاة الفجر أريد التوبة والعودة إلى الله، ودخلت المسجد فإذا بالإمام يقرأ نفس الآية.

كان ابن دينار على غاية القناعة والرضا بالقسمة، ومُصممًا أن يكون طريقه بعيدًا عن الشبهات، وكان يخشى دائمًا من أن يناله رشاش الإثم عن طريق المال؛ لذا كان حريصًا على أن يأكل من عمل يده، فكان يكتب المصاحف بالأجر، ويرضى بالقليل مُتخذًا في ذلك سُنّة الأنبياء، وطبقًا لتعاليم رسول الله "ص"، وروي عنه قوله: "قرأت في التوراة: إن الذي يعمل بيده طوبى لمحياه ومماته".

وعن حبه وصلته بالقرآن الكريم روى جعفر بن سليمان أنه سمع مالك بن دينار يقول: "يا حملة القرآن ماذا زرع القرآن في قلوبكم؟ فإن القرآن ربيع المؤمن كما أن الغيث ربيع الأرض، فإن الله ينزل الغيث من السماء إلى الأرض فيصيب الحسَّ فتكون فيه الحبة فلا يمنعها نتن موضعها من أن تهتز وتخضر وتحسن، فيا حملة القرآن: ماذا زرع القرآن في قلوبكم؟ أين أصحاب سورة؟ أين أصحاب سورتين؟ ماذا عملتم فيهما؟"؛ كذلك كانت له قدرة عجيبة في التأثير وإيصال الموعظة إلى القلوب، فيروى أنه في يوم دخل عليه لص فما وجد ما يأخذه، فناداه ابن دينار "لم تجد شيئًا من الدنيا أفترغب في شيء من الآخرة؟ قال: نعم. قال: توضأ، وصل ركعتين، ففعل، ثم جلس وخرج إلى المسجد، فسئل مالك من ذا؟ فقال: جاء ليسرق فسرقناه".

وروى المغيرة بن حبيب ختن عن وفاته قائلًا "يموت مالك بن دينار وأنا معه في الدار ولا أدري ما عمله؛ فصليت العشاء الآخرة، ثم جئت فلبست قطيفة في أطول ما يكون الليل، وجاء مالك فقرب رغيفه فأكل ثم قام إلى آخر الصلاة، فاستفتح ثم أخذ بلحيته فجعل يقول: إذا جمعت الأولين والآخرين فحرم شيبة مالك بن دينار على النار، فو الله ما زال كذلك حتى غلبتني عيني، ثم انتبهت فإذا هو على تلك الحال يقدم رجلًا ويؤخر أخرى يقول: يارب إذا جمعت الأولين والآخرين فحرّم شيبة مالك بن دينار على النار فما زال كذلك حتى طلع الفجر.

اضافة تعليق