النعمة بين الدوام والزوال

الأحد، 17 سبتمبر 2017 12:00 ص

وذكر المولى عزوجل أيضًا في كتابه الكريم أسباب دوام هذه النعم، وأسباب زوالها، كما أن الإنسان لا يستطيع أن يحصي هذه النعم ولا أن يعرفها كلها، فقال تعالى: "وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها"، وقال تعالى أيضًا: "وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّه لاَ تُحْصُوھَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ".
 
وتدل كثرة النعم على عظيم عناية الله تعالى، ورحمته بالإنسان، إذ سخر له كل ما في السماوات والأرض، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، لذلك كان عرض هذه النعم من أعظم ما يربط الإنسان بربه، ويشعره بهذه العناية والرحمة، وإن شكر هذه النعم والإقرار بها ونسبتها لصاحبها وواهبها يجعل الإنسان دائم الصلة بربه. 
 
ويتم عرض جانب من هذه النعم  وحقيقتها، وخصائصها، ومعانيها في آيات القرآن الكريم والتي اشتملت على ذكر النعمة، وأهم وأعظم نعم الله على الإنسان، ولأهم أسباب دوام النعمة، وأهم أسباب زوالها. 
 
*النعمة واشتقاقاتها في القرآن الكريم : 

ورد لفظ النعمة في السياق القرآني باشتقاقات عديدة فيما يلي أهمها مع الأمثلة : 

*النعمة: بكسر النون ويراد بها الإنعام، وما ينعم به وهي الدعة والمال، وهو ضد البأساء والبؤس، وبناؤها بناء الحالة والهيئة كالجلسة والركبة، والنعمة للجنس تقال للقليل والكثير. 

*النعمة : بفتح النون يقصد بها التنعم، وبناؤها بناء المرة من الفعل كالضربة والشتمة،ولعل كلمة النعمة استخدمت في القرآن الكريم في التنعم المنهي عنه كتنعم الكافرين.

*أنعم، أنعمت: ومصدرها إنعام، والإنعام: إيصال الإحسان إلى الغير، ولا يقال إلا إذا كان الموصل إليه من جنس الناطقين، وأنعم بمعنى أفضل وأزاد وأعطى.

*النعماء: بإزاء الضراء وهي تعرف بالنقيض وهي بالبأساء.

*النعم: واحد الأنعام وهي المال الراعية، والنعم الإبل خاصة، والأنعام الإبل والبقر والغنم، والعرب إذا أفردت النعم لم يريدوا بها إلا الإبل، فإذا قالوا الأنعام أرادوا بها الإبل والبقر والغنم، واقتصار النعم على الإبل لكونها عندهم أعظم نعمة.

*النعيم: النعم الكثيرة، وتنعم تناول ما فيه من النعمة وطيب العيش 

*نعمه: مصدرها تنعيماً، أي جعله في نعمة، أي لين عيش وخصب وسعة 

*الناعمة: الحسنة العيش والغذاء المترفة، يقال: طعام ناعم وجارية ناعمة 

*نعم : كلمة تستعمل في المدح بإزاء بئس في الذم
 
-حقائق وفوائد : 

من خلال الوقوف على الجدولين السابقين المكي والمدني على التوالي، يمكن استخلاص أهم الفوائد، والنقاط التالية : 

أولاً: ورد لفظ النعمة ومشتقاته في السياق القرآني مائة وتسع وثلاثون مرة، وهي على النحو
 
التالي:-

 ١ -وردت أربع وثمانون مرة في الآيات المكية.

 ٢ -وردت خمس وخمسون مرة في الآيات المدنية.
 
ثانياً: ورد لفظ النعمة ومشتقاته في الآيات المكية في إحدى وثمانين آيةً، وورد لفظ النعمة ومشتقاته في الآيات المدنية في ست وأربعين آية.
 
ثالثاً: عدد السور المكية التي اشتملت على لفظ النعمة ومشتقاته تسع وأربعون سورة مكية.
 
أما عدد السور المدنية التي اشتملت على لفظ النعمة ومشتقاته ست عشرة سورة مدنية.
 
وقال أبو حامد الغزالي: "اعلم أن كل خير ولذة وسعادة، بل كل مطلوب ومؤثر فإنه يسمى نعمة، ولكن النعمة بالحقيقة هي السعادة الأخروية، وتسمية ما سواها نعمة وسعادة إما غلط، وإما مجاز،كتسمية السعادة الدنيوية التي لا تعين على الآخرة نعمة، فإن ذلك غلط محض، وقد يكون اسم النعمة للشيء صدقاً، ولكن لا يكون إطلاقه على السعادة الأخروية أصدق، فكل سبب يوصل إلى سعادة الآخرة ويعين عليها إما بواسطة واحدة وإما بوسائط، فإن تسميته نعمة صحيحة وصدق، لأجل أنه يفضي إلى النعمة الحقيقية ". 
 
فالنعمة الحقيقية هي التي توصل إلى أبواب السعادة الأخروية، وإلا فليست بنعمة وإن بدا ظاهرها كذلك، عن أبي حازم قال: " كل نعمة لا تقرب من االله عز وجل فهي بلية"، ويقول الغزالي: " نعم االله تعالى آلات يترقى العبد بها عن أسفل سافلين، خلقها االله تعالى لأجل العبد حتى ينال بها سعادة القرب، وكل ما خلق في الدنيا إنما خلق آلةً للعبد ليتوصل به إلى سعادة الآخرة، ونيل القرب من االله سبحانه وتعالى".
 
*خصائص النعمة في القرآن الكريم : 

1- االله سبحانه مصدر كل نعمة : 

هذه الحقيقة الكبرى لا مجال للجدال فيها، فإن كل نعمة يعيش فيها الإنسان، ويتفيأ ظلالها، ويستمتع بها في حياته هي من االله، فهو سبحانه مصدر كل نعمة، وإن من زعم غيرذلك مطالب بالدليل على ذلك، لأنه في نهاية المطاف سيقر بأن منشأ كل نعمة هو من عند االله واهبها ابتداء ،وذلك أنه لا يوجد أحد في هذا العالم أخبر عن نفسه بأنه خلق وقدر وسخر وأوجد من العدم إلا االله وحده، وإذا كان هناك قوة أخرى تزعم ذلك، فلم لا تعلن عن نفسها.
 
يقول الشعراوي: لنأخذ مثلاً على ذلك، شجرة الخشب التي تعطينا كل الأخشاب التي نستغلها في بيوتنا، هذه الشجرة من أين جاءت؟ فيقال من السويد، وتسأل أهل السويد عن الشجرة فيقولون من الغابة، وتذهب إلى الغابة فتسأل، فيقولون: من شتلات نُعدها، وتسأل من أين جاءت الشتلات؟ فيقولون: من جيل سابق من الأشجار، والجيل السابق من جيل سبقه. 

2- النعمة ابتلاء وتمحيص : 

كثيراً من الناس يعتقدون ويظنون أن النعمة مظنة الرضا والقبول من االله للعبد، وأنها تصير إلى الإنسان على وجه الاستحقاق، لطاعة أو لقُربة أو لغير ذلك من الأعمال، ولا يخطر بباله أنها قد تكون مصدراً للابتلاء والتمحيص، فعندما يبتلى العبد بالنعمة والإكرام، بالمال أو المقام، لا يدرك أن هذا الابتلاء هو تمهيد للجزاء، وإنما يحسب هذا الرزق وهذه المكانة دليلاً على استحقاقه للكرامة عند االله سبحانه، وعلامةً على اصطفاء االله له، ويقيس الكرامة عند االله بعرض هذه الدنيا، فيظن أن البلاء هوالجزاء، والامتحان هو النتيجة.
 
3- نعم االله لا تعد ولا تحصى :

المتأمل في نعم االله عزوجل المحيطة بنا، يجد أن هذه النعم قد سبقت وجودنا، ونحن حين النظر في بعض هذه النعم التي نحتاج إليها، نجد أنها قد توفرت لنا قبل أن نطلبها من االله، وقبل أن نسأله إياها، ولذلك نجد أن الكون قد أعد سلفاً لاستقبالنا، وأن نعماً لا تعد ولا تحصى قد منحنا االله إياها قبل أن يسكن آدم وذريته هذه الأرض، وهذه النعم منه سبحانه قد سبقت إلينا من قبل أن نعرف كيف نسأله إياها، ومثال ذلك الجنين في بطن أمه، حيث توفرت له نعم كثيرة وعناية كبيرة، قبل أن يطلبها أو قبل أن يعرف كيف يطلبها.
 
4- النعم ظاهرة وباطنة.
 
5- سنة االله في تغيير النعم : 

لله سبحانه وتعالى سنناً كونية أجراها في هذا الكون بمقتضى حكمته، ورحمته، ولطفه، ورعايته سبحانه لمصالح خلقه، وإن من هذه السنن جانباً يتعلق بزوال النعمة وتحولها عن أصحابها، لكن هذه السنن تسير وفق نظام حكيم، وليس فيها مجال للظلم أو الإجحاف
 
*أعظم وجوه النعم : 

-بعثة النبي محمد صلى االله عليه وسلم.
 
-دين الإسلام تمام النعمة.
 
-نعمة إنزال القرآن الكريم.
 
*نعم االله على الإنسان، وتنقسم إلى 3 أقسام كالتالي : 

الأول : نعم كونية مسخرة للإنسان، وتشمل 6 أمور كالتالي : "نعمة االله في الأرض وتيسير الحياة عليها-نعمة االله في خلق الرواسي- نعمة الماء والبحار- نعمة تسخير الأنعام- نعمة النبات والثمار- تسخير الشمس
والقمر- تسخير الليل والنهار- تسخير النجوم".

الثاني : نعم في الذات الإنسانية، ويتضمن 3 أمور : "نعمة خلق الإنسان وتصويره-  نعمة تكريم الإنسان بالعقل-نعمة الهداية إلى الحق".
 
الثالث: نعم خاصة، وتشمل 3 أمور كالتالي : "نعمة الأمن- نعمة المال والزوجة والولد- نعمة العافية والصحة".

*أسباب تحصيل النعم ودوامها في الدنيا والآخرة : 

-أسباب حصول النعم في الدنيا : 

1- شكر النعمة.

2- ذكر النعمة.

3- الإيمان والتقوى والعمل الصالح.

4- التسبيح والإستغفار من الذنوب.

5- عدم مظاهرة الظالمين.
 
-أسباب حصول النعم في الآخرة :

1-الإيمان والتقوى.

2- الإيمان وعمل الصالحات.

3- العبودية الخالصة.


*من أسباب زوال النعمة وضياعها : 

1- كفر النعمة وجحودها.

2- تغيير الأنفس.

3-التكذيب بالرسل.

4- الفرح والفخر والبطر.

5- ظلم الإنسان.

6- إستعمال النعمة في الصد والإضلال عن سبيل الله.

اضافة تعليق