تبسمك في وجه أخيك صدقة

الأحد، 17 سبتمبر 2017 12:00 ص

وجاء في سنة نبينا الكريم -صلى الله عليه وسلم- عدة أحاديث في البسمة والابتسامة، منها ما رواه جرير بن عبد الله البجلي -رضي الله عنه- يقول "ما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت إلا تبسم في وجهي" [رواه البخاري]، ويقول جابر بن سمرة -رضي الله عنه- في وصف النبي صلى الله عليه وسلم "كان لا يضحك إلا تبسمًا"[رواه الحاكم]؛ وعن عبد الله بن الحارث بن جزء -رضي الله عنه- قال "ما رأيت أحدا أكثر تبسمًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم" [رواه الترمذي].

وقال سماك بن حرب: قلت لجابر بن سمرة: أكنت تجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم كثيراً، كان لا يقوم من مصلاه الذي يصلى فيه الصبح حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت قام، وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ويبتسم ".

وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أشرح الناس صدرًا وأعظمهم قدرًا ، وأعلاهم شرفًا وأبهاهم وجهًا وأكثرهم تبسمًا؛ وما كان يتكلف الضحك ولا يختلق الابتسامة، بل كان يمتلك نفوس أصحابه -رضي الله عنهم- بابتسامته المشرقة وضحكته البريئة الهادئة، ليكسب قلوبهم ويفوز بودهم، ليقبلوا على هديه، ويرتضوا نهجه، ويجيبوا دعوته.

يقول فضالة بن عمير الليثي: قدمت على النبي -صلى الله عليه وسلم- عام الفتح وهو يطوف بالكعبة، وكنت أريد قتله، فلما اقتربت من الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال لي: أفضالة؟ قلت: نعم فضالة يا رسول الله، قال: ماذا كنت تحدث نفسك؟ قلت: لا شيء، كنت أذكر الله؛ قال: فضحك النبي ثم قال لي: استغفر الله، ثم وضع يده على صدري، فوالله ما رفعها حتى ما من خلق الله شيء أحب إليّ منه".

و‏عن ‏ ‏أنس -رضي الله عنه- ‏ ‏قال: ‏أصاب أهل ‏ ‏المدينة ‏ ‏قحط على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ‏فبينما هو يخطبنا يوم جمعة إذ قام رجل فقال يا رسول الله هلك ‏الكراع ‏ ‏هلك الشاء فادع الله أن يسقينا  ‏فمد يديه ودعا، قال ‏‏أنس: ‏وإن السماء لمثل الزجاجة فهاجت ريح ثم أنشأت سحابة ثم اجتمعت ثم أرسلت السماء ‏عزاليها ‏فخرجنا نخوض الماء حتى أتينا منازلنا فلم يزل المطر إلى الجمعة الأخرى فقام إليه ذلك الرجل  ‏أو غيره ‏فقال يا رسول الله تهدمت البيوت فادع الله أن يحبسه فتبسم رسول الله ‏-صلى الله عليه وسلم- ‏ثم قال حوالينا ولا علينا، فنظرت إلى السحاب ‏يتصدع ‏حول ‏المدينة ‏كأنه ‏إكليل [رواه أبو داود].

وعن صهيب -رضي الله عنه- ‏قال:‏ ‏قدمت على النبي -صلى الله عليه وسلم- ‏وبين يديه خبز وتمر فقال النبي‏: ‏ادن فكل، فأخذت آكل من التمر فقال النبي: ‏‏تأكل تمرًا وبك رمد، قال: فقلت إني أمضغ من ناحية أخرى، فتبسم رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم" [رواه ابن ماجة].

وعن ‏أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: كنت أمشي مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعليه رداء نجراني غليظ الحاشية فأدركه أعرابي ‏فجذبه جذبة شديدة، قال أنس: فنظرت إلى ‏صفحة ‏عاتق النبي ‏-صلى الله عليه وسلم- قد أثرت به حاشية الرداء من شدة جذبته، ثم قال:‏ مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت فضحك ثم أمر له بعطاء"؛ وعن ‏أنس أيضاً قال: إن المسلمين بينا هم في صلاة الفجر من يوم ‏‏الاثنين ‏وأبو بكر‏ ‏يصلي لهم لم يفجأهم إلا رسول الله ‏-صلى الله عليه وسلم- ‏قد‏ ‏كشف ستر حجرة ‏عائشة ‏فنظر إليهم وهم في صفوف الصلاة ثم تبسم يضحك " [رواه‏ البخاري].

وعن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- قال: كان رجل من المشركين قد أحرق المسلمين في غزوة أحد، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم "أرم فداك أبي وأمي، قال: فنزعت له بسهم له نصل، فأصبت جنبه فسقط وانكشفت عورته، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم [رواه الطبراني في الكبير] .

وتتعدد أشكال الابتسامة، فمنها ابتسامة المُغضب: يقول كعب بن مالك -رضي الله عنه- في قصة تخلفه وما كان من شأنه في غزوة تبوك: فجئته -أي النبي صلى الله عليه وسلم- فلما سلمت عليه تبسم تبسُّم المغضب؛ وهناك ابتسامة المُتعجِّب، كما في قصة النملة مع نبي الله سليمان -عليه السلام- إذ يقول الله "فتبسم ضاحكاً من قولها"؛ وهناك ابتسامة السخرية والاستهزاء والشماتة، وقد يصاحب البسمة صوت أو ضحك وقهقهة كما حكى الله عن قوم موسى -عليه السلام- في معرض استهزائهم بآيات الله "فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون".

هناك كذلك ابتسامة الملاطفة والترحيب والمضاحكة عند تسلية الناس ولقاؤهم، يقول جابر بن عبدالله -رضى الله عنه-: ما حجبني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم في وجهي؛ وأيضاً ابتسامة التفاؤل والأمل والبشارة، فعن أم حرام بنت ملحان -رضي الله عنها- قالت: نام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوماً قريباً مني ثم استيقظ يتبسم فقلت: ما أضحكك، قال: أناسٌ من أمتي عرضوا عليّ يركبون هذا البحر الأخضر كالملوك على الأسرة قالت: فادعوا الله أن يجعلني منهم فدعا لها.

والابتسامة لها فوائد عدة، ففيها تأس بسيد الخلق وأعظمهم خُلُقا وأكثرهم ابتسامة صلى الله عليه وسلم، وهي باب من أبواب الخير والصدقة "وتبسمك في وجه أخيك لك صدقة "؛ وهي سبب في كسب مودة الناس ومحبتهم وزرع الابتسامة على وجوههم "لن تسعوا الناس بأموالكم ، فليسعهم منكم بسط الوجه"؛ وفيها ترويح للنفس وإجمام للروح ودواء للهموم وذهاب للغموم "وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم أو تكشف عنه كربة"، وتبعث على الاطمئنان بين المسلمين ، وتصفي القلوب من الغل والحسد وتجدد في النفس النشاط ، يقول الإمام علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- "إن هذه القلوب تمل كمل تملّ الأبدان ، فابتغوا لها طرف الحكمة"؛ وبالطبع هي مظهر من مظاهر حسن الخلق التي يدعوا إليها الإسلام "لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق".

اضافة تعليق