مفاهيم إفتائية«6»: الفتوى توقيع عن رب العالمين

الأحد، 17 سبتمبر 2017 12:00 ص

إدراك الواقع والتفاعل معه وربط الفتوى به؛ لحماية المجتمع وتحفظه من عوامل الهدم والتفتيت وتحفظ الناس على دينها ومعاشها، ولما يبين خطر الإفتاء وأهمية الدور الذي يقوم به في حياة الفرد والمجتمع والأمة، والأعم من ذاك الإنسانية.
 
فالإفتاء صناعة، تحتاج إلى ضبط والتزام بقواعد معينة، ولا يجوز أن يتدخل فيها من ليس من أهلها أو يتقول فيها بغير علم ومن دون تحصيل الأدوات اللازمة لها كما هو مبين في المفتي وشروطه وأركان الإفتاء وغيرها من موضوعات في قسم المعارف الإفتائية.
 
التبليغ عن الله سبحانه وتعالى شرف كبير ومنزلة عظيمة وفي الوقت ذاته مهمة ثقيلة وأمانة كبيرة، وإشعارًا لهذا المعنى سمى بعض العلماء هذه العملية بـ(التوقيع عن رب العالمين) يقول الإمام ابن القيم في إشارة بالغة الدلالة على تعامل البشر مع حكامهم ورؤسائهم: «وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله، ولا يجهل قدره، وهو من أعلى المراتب السَّنِيَّات، فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسموات؟».
 
ومعنى التوقيع في اللغة: ما يوقع في الكتاب أو الخطاب ويلحق به بعد الفراغ منه كتوقيع المسؤول أو المدير على طلب أو شكاية، وتوقيع السيف: صقله بالمطرقة حتى يصير حادًّا، فالمعنى اللغوي يفيد معنى الإقرار النهائي أو انتهاء الأمر على وجه الدقة والإجادة، وعلى ذلك فإن عموم الإخبار عن الله - سبحانه وتعالى - ينبغي أن ينقل مع استصحاب هذا الشعور بأنه توقيع عن الله رب العالمين، فالذي يَحْفَظُ أو يُحَفِّظُ القرآن أو يشتغل بالتفسير أو رواية الحديث، أو من يُعلم ويتعلَّم علوم الشرع الشريف كالفقه والأصول والعقيدة وغير ذلك من علوم الشرع الشريف، ينبغي أن يشعر أنه يتعامل مع الله سبحانه وتعالى وينقل عنه كلامه وأحكامه.
 
اشتهر اطلاق المصطلح على القضاء والفتيا؛ وذلك نظرًا لخطورتهما وعظم شأنهما؛ فعَن رَسُول الله -صلى الله عَلَيْهِ وَسلم- أَنه قَالَ: (القضاة ثلاثة اثنان في النار وواحد في الجنة رجل علم الحق فقضى به فهو في الجنة ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار) رواه أبو داود والترمذي.
 
يكره العلماء والأئمة على مَرِّ تاريخنا الإسلامي التسرُّع في الفتوى، وقال بعضهم: لأن يعيش الرجل جاهلاً خيرٌ له من أن يفتي بما لا يعلم، وكانوا يكثرون -رضي الله عنهم- من قول (لا أدري) حين يسألون عن شيء لا يعلمونه، وقال الإمام النووي: "اعلم أن الإفتاء عظيم الخطر، كبير الموقع، كثير الفضل، لأن المفتي وارث الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - وقائم بفرض الكفاية، ولكنه معرض للخطأ؛ ولهذا قالوا: المفتي موقّع عن الله تعالى، وروينا عن ابن المنكدر قال : العالِم بين الله تعالى وخلقه، فلينظر كيف يدخل بينهم"، وقد بلغ باهتمام العلماء بهذا التصور في التعامل مع أحكام الشرع الشريف أن ألف الإمام ابن القيم كتابا أسماه (إعلام الموقعين عن رب العالمين) يبين فيه أهمية وخطر هذا العلم وشروط من يقوم به وأهم القضايا المتعلقة به، ونماذج من أقضية وفتاوى الصحابة والتابعين والعلماء، وكذلك ألف العديد من العلماء كتباً في آداب الفتوى وشروطها وكذلك القضاء.
 
يُعتبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أول الموقعين عن رب العالمين؛  فكان يفتي عن الله تعالى بوحيه المبين، ثم قام الصحابة -رضوان الله عليهم- بهذه المهمة الجليلة، ومن أكثر من نقلت عنهم الفتاوى: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعائشة أم المؤمنين، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر؛ فيمن يروي ويفتي أنه لا يصلح إلا لمن اتصف بالعلم والصدق؛ فيكون عالمًا بما يبلغ صادقًا فيه، ويكون مع ذلك حسن الطريقة، مرضي السيرة، عدلا في أقواله وأفعاله، متشابه السر والعلانية في مدخله ومخرجه وأحواله، وهكذا كما ذكر العلماء. 
 
وجب على من أُقيم في هذا المنصب أن يُعِدَّ له عُدَّتَه، وأن يَتَأَهَّبَ له أُهْبَتَه، وأن يعلم قدر المقام الذي أقيم فيه، ولا يكون في صدره حَرَجٌ من قول الحقِّ والصَّدْعِ به؛ فإن الله ناصره وهاديه، وكيف لا وهو المنصب الذي تولاه بنفسه الله –عز وجل- فقال تعالى: "وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ" (النساء: 127)، وكفى بما تولاه الله تعالى بنفسه شرفًا وجلالة "يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ" (النساء: 176)، وليعلم المفتي عمن ينوب في فتواه، وليوقن أنه مسؤول غدًا وموقوف بين يدي الله.
 
من الآثار التي تتضح من خلال الالتزام بقواعد صناعة الإفتاء واستشعار معنى التوقيع عن الله – سبحانه وتعالى - يؤدي إلى الفتوى الرشيدة التي توصل المستفتي العامل بها إلى الله سبحانه وتعالى، فمن استفتى في شأن عبادته من صلاة وزكاة وصيام وحج وغير ذلك من العبادات سيؤديها على نحو صحيح يرضي الله -عز وجل-، ومن استفتى في كسب قوته وتعاملاته المادية أطاب مطعمه وأكل من حلال، كما قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: "أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة" رواه الطبراني.  

المصدر: الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم.

اضافة تعليق