حكم مشاركة المسلمين في الوظائف الحكومية في البلاد غير الإسلامية

الأحد، 17 سبتمبر 2017 12:00 ص

أجابت أمانة الفتوى، أن المسلم يعمل الخير حيثما كان؛ فهو إنسان حضاري عالمي، لا يقتصر على وطن معين، ولا على جنس بعينه، وإنما يؤمن بأن الله خلق الكون، وأنه أنزل الكتب وأرسل الرسل، وشرع الشرائع، وأن هناك يومًا آخر للحساب (الثواب والعقاب)، وأنه في مجمله يمتثل لقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: 148]، وقوله سبحانه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [المائدة: 48]، وقوله عز وجل: ﴿وَافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77]. وبذلك فهو يعمل في أي مكان؛ متوخيًا الخير، مانعًا للفساد، صادقًا في مقولته، مؤمنًا بربه، محسنًا إلى خلقه.
 
وقد نص قرار مجمع الفقه الإسلامي رقم 23 (3/ 11) وتاريخ 11/ 10/ 1986م، في دورة مؤتمره الثالث بعمان بالأردن على أنه: [‏يجوز للمسلم العمل المباح شرعًا في دوائر ومؤسسات حكومات غير ‏إسلامية، إذا لم يؤدِّ عمله ذلك إلى إلحاق ضرر بالمسلمين] اهـ.
 
وعليه: فالدخول في الانتخابات وتولي المناصب في الحكومة داخل داغستان أو في الحكومة الروسية وكذلك العمل في الشرطة كلها أمور ترجع إلى تحقيق المقاصد الشرعية المعبر عنها بتحقيق المصالح ودرء المفاسد، فما رجحت مصلحته على مفسدته لم يحرم، وإلا حرمت المشاركة فيه، والظن الغالب أن المشاركة في هذه الأمور في بلادكم وفي روسيا نفسها مما تترجح مصلحته على مفسدته.
 
وعليه: فالحكم فيها دائرٌ بين الإباحة والاستحباب بل قد يصل إلى الوجوب في حالة ما إذا تعيَّن لتحصيل مصلحة المسلمين كأن يكون قضاء حوائجهم ودفع المضارِّ عنهم متوقفًا على ذلك وبغيره لا تقضى الحوائج ولا تندفع المضار.
 
والعمل في الوظائف الحكومية بمثابة عقد يقوم فيه الموظف بعملٍ مقابل أجر وهو أمر مقررٌ شرعًا بضوابطه فأشبه المعاملات والمعاوضات؛ وذلك لرجحان المصلحة الناجمة عن ذلك؛ كما أن القانون والدستور هو الحاكم في الحقيقة، وتنفيذه مقررٌ سواء بواسطة حاكم مسلم أو غير مسلم، وليس ذلك من قبيل عمل المسلم عند غير المسلم أو استئجار الكافر للمسلم -الذي أباحه العلماء-؛ بل هو عملٌ في نظامٍ مؤسَّسِيٍّ تحكمه قوانينُه، وتتساوى فيه الحقوق والواجبات بين كافَّة أفراده.
 
والمصلحة الناجمة عن تولي حاكم مسلم هي مصلحة عظيمة، وتُدفَع بها مفاسد كثيرة عن الإسلام والمسلمين، ولا يمكن الاحتجاج على هذه المصلحة المقصود توخيها في أولويات الشريعة بأمورٍ جزئية تتعارض معها؛ لأنه في حالة تعارض الجزئي مع الكلِّي يكون الترجيح لجانب الكلِّي، وأكثر الأدلَّة التي يعترض بها من لا يجيز المشاركة في الحكم غير الإسلامي باعتبارها الصورة المتاحة للوصول إلى الحكم في المرحلة الراهنة، إنِّما هي من هذا القبيل.
 
وكذلك الحال في الترشح للمجالس البرلمانية والنيابية، الذي هو أشبه بالعقد بين المرشح والناخبين ليقوم المرشح بمقتضاه بتنفيذ برنامجه الانتخابي لقضاء حوائجهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية مقابل ما يحصل عليه من أصوات الأغلبية.
 
والأدلة على ما ذكرناه كثيرة، نذكر منها:
 
أ. مشاركة النبي يوسف عليه السلام في حكم مصر الذي لم يكن وقتها حكمًا لأهل الإيمان، قال الله تعالى على لسان يوسف عليه السلام: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ۞ وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ۞ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ۞ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا للهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 37-40].
 
ومع ذلك ساغ له طلب المشاركة في حكم مصر بما حكاه القرآن عنه من قوله: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 55]، وتحقَّق له ذلك.
 
قال الشيخ ابن تيمية الحنبلي في هذه الآيات في "مجموع الفتاوى" (20/ 56-57، ط. مجمع الملك فهد): [الولاية وإن كانت جائزة أو مستحبة أو واجبة فقد يكون في حق الرجل المعين غيرها أوجب، أو أحب، فيقدم حينئذٍ خير الخيرين وجوبًا تارة واستحبابًا أخرى. ومن هذا الباب تولي يوسف الصديق على خزائن الأرض لملك مصر بل ومسألته أن يجعله على خزائن الأرض وكان هو وقومه كفارًا، ومعلوم أنه مع كفرهم لا بد أن يكون لهم عادة وسنة في قبض الأموال وصرفها على حاشية الملك وأهل بيته وجنده ورعيته ولا تكون تلك جارية على سنة الأنبياء وعدلهم، ولم يكن يوسف يمكنه أن يفعل كل ما يريد وهو ما يراه من دين الله؛ فإن القوم لم يستجيبوا له، لكن فَعَل الممكنَ من العدل والإحسان ونال بالسلطان من إكرام المؤمنين من أهل بيته ما لم يكن يمكن أن يناله بدون ذلك. وهذا كله داخل في قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. فإذا ازدحم واجبان لا يمكن جمْعُهما فقدَّم أوكدهما لم يكن الآخر في هذه الحال واجبًا، ولم يكن تاركُه لأجْل فعل الأوكد تاركَ واجبٍ في الحقيقة] اهـ بتصرف.
 
ب. موقف النجاشي؛ الذي يرشح جواز اشتراك المسلمين في الحكومات غير الإسلامية حيث إن النجاشي كان مسلمًا، وكان يقوم على نظامٍ غير إسلامي.
 
ويشترط فيمن يضع نفسه في هذا الموضع -الذي يكون فيه نائبًا عن إخوانه المسلمين في هذه البلاد- أن تنضبط حالته بالضوابط الآتية:
 
أولًا: أن يقصد المشارك من المسلمين بمشاركته الإسهام في تحصيل مصالح المسلمين، ودرء المفاسد والأضرار عنهم.
 
ثانيًا: أن يغلب على ظن المشارك من المسلمين أن مشاركته تفضي إلى آثار إيجابية، وتعود بالفائدة على المسلمين في هذه البلاد؛ من تعزيز مركزهم، وإيصال مطالبهم إلى أصحاب القرار، ومديري دفة الحكم، والحفاظ على مصالحهم الدينية والدنيوية.
 
ثالثًا: ألا يترتب على مشاركة المسلم في ذلك ما يؤدي إلى تفريطه في دينه.
 
ولقد نص قرار مجمع الفقه الإسلامي المذكور آنفًا على هذه الضوابط، وهو مستمَدٌّ من نصوص الفقهاء في ذلك؛ ومنها:
 
قال العلامة ابن عابدين الحنفي في "رد المحتار على الدر المختار" (4/ 175): [ذكر في أول "جامع الفصولين": كل مصر فيه والٍ مسلمٌ من جهة الكفار، يجوز فيه إقامة الجمع والأعياد وأخذ الخراج وتقليد القضاء وتزويج الأيامى لاستيلاء المسلم عليهم. وأما طاعة الكفر فهي موادعة ومخادعة. وأما في بلادٍ عليها ولاةٌ كفار فيجوز للمسلمين إقامةُ الجمع والأعياد، ويصير القاضي قاضيًا بتراضي المسلمين، ويجب عليهم طلبُ والٍ مسلم اهـ وقدمنا نحوه في باب الجمعة عن "البزازية"] اهـ.
 
وقال العلامة العزُّ بن عبد السلام الشافعي في "قواعد الأحكام في مصالح الأنام" (1/ 85، ط. مكتبة الكليات الأزهرية): [لو استولى الكفَّار على إقليم عظيم فولوا القضاء لمن يقوم بمصالح المسلمين العامَّة، فالذي يظهر إنفاذ ذلك كله؛ جلبًا للمصالح العامة، ودفعًا للمفاسد الشاملة؛ إذ يبعد عن رحمة الشرع ورعايته لمصالح عباده تعطيل المصالح العامَّة، وتحمل المفاسد الشاملة، لفوات الكمال فيمن يتعاطى توليتها لمن هو أهل لها] اهـ. 
 
وبناءً على ما سبق: فإنه يجوز أن يتولى المسلم العمل في وظائف حكومية في البلاد التي يحكمها نظامٌ غير إسلامي؛ لما يترتب على ذلك من مصالح غالبة ومفاسد مندفعة؛ مما تترجح فيه المصلحة من تولي المسلم لهذه الوظائف على المفسدة منها، على أن يكون وفق ما ذكرناه في الفتوى من الضوابط المنظِّمة والموجِّهة لهذا الأمر. وكذلك الحكم في عمل المسلم في الأمن أو أن يكون شرطيًّا.
 
أما عن قتل أفراد الشرطة بحجة أنهم موظَّفون في بلدٍ تحت حكم كافر، فهذا مما يحرم شرعًا قطعًا؛ لِما في ذلك من استباحةٍ لدماء الناس الآمنين بغير حق، وفوق ذلك هم يؤدون وظيفة مدنية في غاية الأهمية لحفظ أمن المجتمع وذلك مقصد شرعي؛ إذ الإيمان لا يتم إلا بتحقيق الأمان.
 
والعمل في الوظائف المدنية في الدول غير الإسلامية ليس من باب ولاية غير المسلمين أو متابعتهم في عقائدهم كما زعم بعضهم، بل الذي بين المسلمين وغيرهم هو إما الصلح والتعاون على الخير والبر بالسماحة والخلق الطيب أصالةً، وإما أن يعتدي غير المسلمين على المسلمين فيقوم المسلمون بدفع العدوان بشتى الوسائل المشروعة التي لا اعتداء فيها ولا تجاوز.
 
والتعاوُن على الخير مأمورٌ به وداخلٌ في عموم قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: 2].
 
وأخرج البخاري في "صحيحه" عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم رضي الله عنهما في قصة صلح الحديبية أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا».
 
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (5/ 352، ط. دار المعرفة): [في الحديث فضل الاستشارة لاستخراج وجه الرأي واستطابة قلوب الأتباع، وجواز بعض المسامحة في أمر الدين واحتمال الضيم فيه ما لم يكن قادحًا في أصله إذا تعين ذلك طريقًا للسلامة في الحال والصلاح في المآل، سواء كان ذلك في حال ضعف المسلمين أو قوتهم] اهـ.
 
وتَرْك أفراد الشرطة يؤدون عملهم ليس من باب التسامح معهم، بل هو ضرورةٌ من الضروريات التي لا يستغني عنها مجتمعٌ من المجتمعات الإنسانية؛ لأن ذلك حفظٌ للأمن وتنفيذٌ للقانون المنظِّم لحياة المجتمع، وهو قبل ذلك من مقاصد الشرع الإسلامي الشريف.
 
كما أن العمل في الشرطة -إذا كان على مقتضى ضوابطه المدونة في أخلاقيات مهنة الشرطي- ليس عمالةً سياسيةً كما يزعم بعضهم، بل هو حقٌّ كَفَل لأبناء الوطن التوظيفَ في بلدهم، وواجبٌ عُلِّق بأعناقهم لحفظ أمنها وفاءً بالعقد الاجتماعي المبرم بينهم على العمل لمصلحة الوطن ومنها حفظُ أمنه وإجراءُ قانونه، والوفاءُ بالعهود وحفظُ الأمن مقاصد شرعية وقيمٌ إسلامية يجب الوفاء بها.
 
على أنه يجب على الشرطي المسلم ألَّا يقترف ما يخالف الشرع من إحداث ضررٍ بالمسلمين أو الإعانةِ على ما يخالف الشرع؛ فهذا إخلالٌ بأخلاق مهنته وتكاليف دينه.
 
والله سبحانه وتعالى أعلم، المصدر: دار الإفتاء المصرية.  

اضافة تعليق