النووي.. شيخ الشافعية (2-2)

السبت، 16 سبتمبر 2017 12:00 ص

وكان النووي، مع سعة علمه وقوة براهينه، لا يرى الجدال ولا يحب أهله ويعرض عنهم، قال الذهبي في سير أعلام النبلاء: وكان من سعة علمه عديم النظير، لا يرى الجدال، ولا تعجبه المبالغة في البحث، ويتأذى ممن يجادل ويعرض عنه، وقال في موضع آخر: كان لا يتعانى لغط الفقهاء وعياطَهم في البحث بل يتكلم بتؤدة ووقار.

تميّز النووي عن غيره من المُحَدّثين بأنه فقيه الأمة، وقلما اجتمع لعالم تبحُّرٌ في الفقه وإتقانٌ لعلوم الحديث، يقول ابن العطار: سمع البخاري ومسلماً وسنن أبي داود والترمذي، وسمع النسائي بقراءته، وموطأ مالك، ومسند الشافعي، ومسند أحمد بن حنبل، والدارمي وأبي عوانة الأسفراييني وأبي يعلى الموصلي، وسنن ابن ماجة والدارقطني والبيهقي، وشرح السنة للبغوي، ومعالم التنزيل له في التفسير، وكتاب الأنساب للزبير بن بكار، والخطب النباتية، ورسالة القشيري، وعمل اليوم والليلة لابن السني، وكتاب آداب السامع والراوي للخطيب، وأجزاء كثيرة غير ذلك، يقول ابن العطار: نقلت ذلك جميعه من خط الشيخ رحمه الله.

وقد روى النووي أشهر هذه الكتب بالسند العالي إلى الأئمة المؤلفين، وقد شهد له بالعلم في الحديث كثير من العلماء، يقول الذهبي: وهو سيد هذه الطبقة، ويقول ابن العطار: حافظاً لحديث رسول الله، عارفاً بأنواعه كلها، من صحيحه وسقيمه وغريب ألفاظه وصحيح معانيه واستنباط فقهه، ويقول الذهبي أيضاً: مع ما هو عليه من المجاهدة بنفسه والعمل بدقائق الورع والمراقبة، وتصفية النفس من الشوائب، ومحقها من أغراضها، كان حافظاً للحديث وفنونه ورجاله وصحيحه وعليله، رأساً في معرفة المذهب.

كان النووي كذلك إماماً في اللغة العربية، ويدل كتاباه "تحرير التنبيه" و"تهذيب الأسماء واللغات" على تمكنه بعلم اللغة تمكناً قل نظيره في نظرائه في عصره، يقول ابن قاضي شهبة في كتابه "طبقات النحاة واللغويين": أبو زكريا النووي الفقيه، الحافظ اللغوي، شيخ الإسلام، صاحب التصانيف المشهورة، كان إماماً في اللغة والنحو، قرأ ذلك على الشيخ جمال الدين بن مالك، ونقل عنه في تصانيفه، وصنف تهذيب الأسماء واللغات، وتركه مسودّة، وهو يدل على تبحره في علم اللغة، وكذلك كتابه التحرير على كتاب التنبيه، فذكرته بسبب ذلك.

حاول الإمام النووي الاشتغال بالطب، وعن ذلك يقول: وخطر لي الاشتغال بعلم الطب، فاشتريت القانون -لابن سينا- وعزمت على الاشتغال فيه، فأظلم علي قلبي، وبقيت أياماً لا أقدر على الاشتغال بشيء، ففكرت في أمري: من أين دخل علي الداخل؟ فألهمني الله أن الاشتغال بالطب سببه، فبعت في الحال الكتاب المذكور، وأخرجت من بيتي كل ما يتعلق بعلم الطب، فاستنار قلبي ورجع إلي حالي، وعدت لما كنت عليه أولاً.

وكان للنووي شيوخ متعددون في كل علم اشتغل به، وخصوصاً علمي الفقه والحديث، فإنهما غاية الغايات من علمه، وبهما كان إمام عصره؛ ويقول في معرض ذكر شيوخه في الفقه وتسلسلهم إلى إمام مذهبه الإمام الشافعي ثم إلى النبي محمد: فأما أنا فأخذت الفقه قراءة وتصحيحاً وسماعاً وشرحاً وتعليقاً عن جماعات، أولهم شيخي الإمام المتفق على علمه وزهده، وورعه وكثرة عبادته، وعظم فضله وتميزه في ذلك على أشكاله، أبو إبراهيم إسحاق بن أحمد بن عثمان المغربي ثم المقدسي رضي الله عنه وأرضاه، وجمع بيني وبينه وبين سائر أحبابنا في دار كرامته مع من اصطفاه. ثم شيخنا أبو محمد عبد الرحمن بن نوح بن محمد بن إبراهيم بن موسى المقدسي ثم الدمشقي، الإمام العارف الزاهد العابد الورع المتقن، مفتي دمشق في وقته رحمه الله. ثم شيخنا أبو حفص عمر بن أسعد بن أبي غالب الربعي الإربلي الإمام المتقن رضي الله عنه. ثم شيخنا أبو الحسن سلّار بن الحسن الإربلي ثم الحلبي ثم الدمشقي، المجمع على إمامته وجلالته وتقدمه في علم المذهب على أهل عصره بهذه النواحي رضي الله عنه.

ومن شيوخ النووي في الحديث: إبراهيم بن عيسى المرادي الأندلسي ثم المصري ثم الدمشقي، قال النووي: صحبته نحو عشر سنين، لم أرَ منه شيئاً يُكره؛ ومنهم: أبو إسحاق إبراهيم بن أبي حفص عمر بن مضر الواسطي، ومنه سمع جميع صحيح مسلم بن الحجاج. ومنهم: الشيخ زين الدين أبو البقاء خالد بن يوسف بن سعد النابلسي، والرضي بن البرهان، وشيخ الشيوخ عبد العزيز بن محمد بن عبد المحسن الأنصاري الحموي الشافعي، وزين الدين أبو العباس بن عبد الدائم المقدسي، وأبو الفرج عبد الرحمن بن أبي عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي، يقول ابن العطار: وهو أجل شيوخه. ومنهم أيضاً: قاضي القضاة عماد الدين أبو الفضائل عبد الكريم بن عبد الصمد بن محمد الحرستاني خطيب دمشق، وتقي الدين أبو محمد إسماعيل بن أبي إسحاق إبراهيم بن أبي يسر التنوخي، وغيرهم.

وفي أصول الفقه يقول ابن العطار: قرأ على جماعة، أشهرهم وأجلهم العلامة القاضي أبو الفتح عمر بن بندار بن عمر بن علي بن محمد التفليسي الشافعي رحمه الله، قرأ عليه المنتخب للإمام فخر الدين الرازي، وقطعة من كتاب المستصفى للغزالي، وقرأ غيرهما من الكتب على غيره؛

و في النحو واللغة قرأ النووي على الشيخ أحمد بن سالم المصري، إذ قرأ عليه كتاب إصلاح المنطق لابن السكيت بحثاً، وكذا كتاباً في التصريف. وقرأ على ابن مالك كتاباً من تصنيفه وعلق عليه شيئاً، وقرأ على الفخر المالكي كتاب اللمع لابن جني.

في الثلث الأخير من ليلة الأربعاء في الرابع والعشرين من رجب، سنة ست وسبعين وستمائة، توفي الإمام النووي، يقول التاج السبكي: لما مات النووي بنوى ارتجت دمشق وما حولها بالبكاء، وتأسف عليه المسلمون أسفاً شديداً، وأحيوا ليالي كثيرة لسنته. وقال ابن العطار: فسار إلى نوى وزار القدس والخليل عليه السلام، ثم عاد إلى نوى، ومرض عقب زيارته لها في بيت والده، فبلغني مرضه فذهبت من دمشق لعيادته، ففرح رحمه الله بذلك، ثم قال لي: ارجع إلى أهلك، وودعته وقد أشرف على العافية يوم السبت العشرين من رجب سنة ست وسبعين وستمائة، ثم توفي في ليلة الأربعاء الرابع والعشرين من رجب، فبينا أنا نائم تلك الليلة إذا منادٍ ينادي على سدة جامع دمشق في يوم جمعة: الصلاة على الشيخ ركن الدين الموقع، فصاح الناس لذلك النداء، فاستيقظت فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، فلم يكن إلا ليلة الجمعة عشية الخميس إذ جاء الخبر بموته رحمه الله، فنودي يوم الجمعة عقب الصلاة بموته، وصلي عليه بجامع دمشق، فتأسف المسلمون عليه تأسفاً بليغاً، الخاص والعام، والمادح والذام.

دُفن الإمام النووي في قريته نوى، وقبره ظاهر يُزار. ومما أُثر من خبره أنه لما دنا أجله ردّ الكتب المستعارة عنده من الأوقاف جميعها. قال قطب الدين اليونيني: ولما وصل الخبر بوفاته لدمشق، توجه قاضي القضاة عز الدين محمد بن الصائغ وجماعة من أصحابه إلى نوى للصلاة على قبره، قال: وكان يسأل أن يموت بأرض فلسطين، فاستجاب الله تعالى منه.

اضافة تعليق