الإسلام والإبداع.. الدعم والتكامل

الجمعة، 15 سبتمبر 2017 12:00 ص

ولدى الإسلام رؤية مفتوحة لاستشعار الجمال والإبداع، واستلهامه، والبحث عنه، وتنميته بأبعاده ومستوياته المتباينة الروحية والمادية؛ لذلك حرص على تنمية الإدراك الجمالي، واكتساب القِيم الجمالية؛ فالتربية الجمالية درجة ارتقاء للعقل في مِعراج الفِكر، وتحليق للروح في فضاء الإيمان في الوقت نفسه، فهي توسّع الفضاءَ المعرفي والوجداني، وتجعل مُدرِك الجمال أقرب إلى مبدِع وخالق هذا الجمال؛ وأكدت سيرة 
 
النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه يملك وجدانًا يَقِظًا وقلبًا فيَّاضًا؛ قال تعالى {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ} [آل عمران].
 
وراعى الإسلام كل جوانب الإبداع في النفس البشرية، وقوَّم ووجَّه هذه الجوانب؛ فأرشد إلى خير السُّبل في توجيه ملَكة الإبداع، واستصلاحها، والموازنة بين عناصرها جميعًا، وعلى هذه القاعدة فقد عالج الإسلام موضوع الإبداع ككل؛ فحفَّز جوانب الإبداع الإيجابي في الشخصية الإسلامية، من خلال مجموعة من الروافد كان لها بالغ الأثر في تكوين الشخصية الإبداعية المسلمة، وتمييزها عن الشخصيات الأخرى؛ فحث المسلم على التفكير الإبداعي الذي يؤدي إلى التغيير نحو الأفضل، وينفي الأفكار الوضعيّة المقبولة مسبقًا، ويتضمَّن الدافعية، والمثابرة، والاستمرارية في العمل، والقدرة العالية على تكوين الحل لمشكلة ما تكوينًا جديدًا؛ فالعقل ينضج ويتطور، والفِكر تتسع مداركه، وتزداد قدراته على المعالجة، والحفظ، والتدبُّر، والتأمُّل، من خلال زيادة التفكير المنطقي السليم والذي ليس له محصله إلا الإبداع والتميُّز، وللمتفكرين في القرآن الكريم نصيب طيب من المدح حيث ذكرهم الله تعالى في آيات كثيرة؛ فقال تعالى {حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [يونس]. 
 
ودوماً ما يأمر الإسلام بإعمال العقل، وإطلاقه من عقاله، ومنحه مساحة كبيرة من حرية التفكير؛ لأن في ذلك منفعة للأمة، وزيادة في تقدُّمِها، وتطورها، وارتقاءها في العلوم والمعارف، لأن العقول المعطلة تبقى ميتة لا نفع فيها، لذا حرص الإسلام على إطلاق تفكير الإنسان منذ نعومة أظفاره، ونعى على أولئك الذين يتقيدون في التفكير بحدود ما وصل إليه أسلافهم، أو يقيدون عقولهم بعقول آخرين ربما كانوا أضعف منهم مَلكة في التفكير؛ قال تعالى {قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} [المائدة].
 
وكما أكد الإسلام على حرصه على الإنسان بدنيًا؛ حرص كذلك على حرية عقله وفِكره بعيدًا عن أية قيود، تحدُّ من انطلاقه، وتمنعه من التفكير، والتأمُّل، والتدبُّر، وحض على أن يكون العقل والفِكر حرًا يجول في ملكوت السماوات والأرض، ليكون طريقه إلى معرفة خالقه، قال تعالى {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى} [الروم]. 
 
ومن صفات الإبداع التي عمل الإسلام على تعزيزها الاعتداد بالنفس وعدم التبعية، ما يُساعد في تكوين الشخصية المبدعة، وقد حث الإسلام الفرد المسلم على الاعتداد بنفسه، وأن تكون له شخصيته المستقلة المتميزة؛ وقال النبي عليه الصلاة والسلام: "لا تكونوا إمَّعة؛ تقولون إن أحسن الناس أحسنَّا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطِّنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تُحسِنوا، وإن أساءوا فلا تظلموا" (رواه الترمذي)؛  ومظاهر الاعتداد بالنفس تبرز كذلك في اهتمام الشخص بمظهره الخارجي بغية الحصول على القبول الاجتماعي، ولكن بدون غرور وكبرياء ومغالاة أو إسراف، ومن الاعتداد بالنفس أن لا يتراجع الشخص في قرار اتخذه، طالما لم يتبين له أنه كان مخطِئًا؛ كذلك من صور الاعتداد بالنفس التي عملت السُنَّة على إذكائها تنمية روح التنافس في الخير بين الأفراد.
 
 وكثيرًا ما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يرفع من شأن الفرد، ويُعلِي من معنوياته بأسلوب يدفعه لإتقان العمل والمواظبة على الإتيان بالمزيد، ومن ذلك ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: "قيل يا رسول الله: من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد ظننتُ يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيتُ من حِرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه أو نفسه". (رواه  البخاري).
 
 وأذكت السُنَّة روح التنافس حين سمحت للطاقات العقلية الإبداعية بالتفجُّر ولم تحجر عليها؛ فكان الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين- يُدلون بآرائهم في المواقف كلها، رغم وجود من ينزل عليه وحي السماء، فتفتقت أذهانهم عن أمور إبداعية كثيرة؛ فهذا الحباب بن المنذر يشير على النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم بدر الكبرى بأن المنزل الذي نزل به الجيش ليس بمنزل، وأن المكان الأنسب هو ماء بدر، فأخذ النبي -صلى الله عليه وسلم- بهذا الرأي، ومن هذا الباب موافقات عمر رضي الله عنه، وإشارة سلمان الفارسي رضي الله عنه بحفر الخندق، وغيرها.
 
 وأهم عوامل إطلاق الإبداع هو تحقيق الحرية بمعناها الصحيح، فالعلاقة بين الحرية والإبداع علاقة متكاملة ومرتبطة، لأن الحرية هي الضمان الوحيد لإبداع حقيقي، وهي كذلك إطار مرجعي ينظم سلوك المبدعين ويحركه، وقد فتح الإسلام بمجيئه آفاقًا للحرية ساهمت في تكوين البيئة الخصبة للإبداع، فالإسلام جاء بالتوحيد الذي يُجسِّد الحرية في أسمى معانيها؛ ذلك أن العبودية تأخذ أشكالًا وصورًا متعددة، ومن ثم فإننا نجد هذا البُعد حاضرًا في الإشارات النّبوية؛ فالرسول -صلى الله عليه وسلم- يُعلِن الرفض لكّل أنواع العبودية لغير الله، ابتداءً من الأوثان البشرية، ومرورًا بالمعشوقات الحجرية، وانتهاءً بالتعلقات الخفية، كعشق الهوى، والمال، والمرأة، ولقد مكث -صلى الله عليه وسلم- ثلاثة عشر عامًا من دعوته يُرسِّخ مفهوم التوحيد ويُجذِّره في نفوس المسلمين. 
 
هكذا بَنى الإسلام شخصية إبداعية متميزة، تتمتع بالاستقرار الداخلي ولا تعاني الحيرة والاضطراب الذي تعيشه بعض النفوس التَّواقة للإبداع، ومن ثم جاءت الشخصية الإبداعية المسلمة متميزة في إبداعها، لا تعيش انفصامًا في الرؤى، ولا ازدواجًا في المعايير، وهي تعمل وتُنتِج وتُبدِع لدنياها في الوقت الذي لا تنسَ فيه نصيبها من الآخرة.

اضافة تعليق