ابن خفاجة.. شاعر الطبيعة الأندلسي

الخميس، 14 سبتمبر 2017 12:00 ص

وشقر ليست جزيرة في البحر ، و إنما هي بلدة بين شاطبة و بلنسية قيل لها جزيرة لإحاطة الماء بها، فقد كانت شفر من أجمل بقاع الأندلس وأخصبها تربة.
 
كان ابن خفاجة يعد أديب الأندلس و شاعرها بدليل ما نعته به المقري في كتابه نفح الطيب، و كان رقيق الشعر أنيق الألفاظ غير أن ولوعه بالصنعة وتعمده الاستعارات والكنايات والتورية والجناس و غيرها من المحسنات المعنوية واللفظية جعل بعض شعره متكلفاً، وأوقع بعضه في الغموض. 
 
وتفرد ابن خفاجة بالوصف و التصرف فيه، ولا سيما وصف الأنهار والأزهار، والبساتين والرياض والرياحين، فكان أوحد الناس فيها حتى لقبه أهل الأندلس بالجنان، أي البساتين والطبيعة في مظاهرها الرائعة ، و جمالاتها الفتانة.
 
 ترافق ابن خفاجة في جميع الفنون التي عالجها، فهو يصورها و يشخصها صادق الحب لها، متقد العاطفة نحوها، ريان بالإعجاب بها . فالطبيعة عند ابن خفاجة هي كل شيء ، فقد شغف بها و مزج روحه بروحها و بادلها الشعور والإحساس، و كان يتحدث إليها كما يتحدث إلى شخص ذي حياة و حركة، فابن خفاجة من شعراء الطبيعة و لعل ميزته هي في الكثرة لا في الجدة، و قد أكثر من صيغ شعره بألوان البيان و البديع من استعارات و تشابيه و جناس و طباق ، و قاده هذا الميل إلى التكلف ، فصعبت معانيه أحياناً على القراء .
 
و لابن خفاجة قطع نثرية ، تعمد فيها أسلوب ابن العميد و الهمذاني من حيث السجع و التزام المحسنات اللفظية .
 
وورد في "وفيات الأعيان" لابن خلكان: هو أبو إسحاق إبراهيم بن أبي الفتح بن عبد الله بن خفاجة الأندلسي الشاعر؛ ذكره ابن بسام في الذخيرة وأثنى عليه، وقال: كان مقيماً بشرق الأندلس ولم يتعرض لاستماحة ملوك طوائفها مع تهافتهم على أهل الأدب، وله ديوان شعر أحسن فيه كل الإحسان، ومن شعره في عشية أنس، وقد أبدع فيه:
 
وعشي أنس أضجعتني نـشـوة
 
 فيه تمهد مضجعي وتـدمـث
 
خلعت علي به الأراكة ظلهـا
 
 والغصن يصغي والحمام يحدث
 
والشمس تجنح للغروب مريضة
 
 والرعد يرقي والغمامة تنفـث
 
ولكن رغم الاتجاه الواضح لابن خفاجة في جعل الطبيعة كائناً حياً، وجيباً يضحك ويغضب ويتكلم، إلا أن ما كان يثير مخاوفه ويجعله دائم القلق والاضطراب هي فكرة الموت.
 
كان الرجل يحدث نفسه إلى درجة المرض:
 
ـ لمن تبدع يا ابن خفاجة؟ ولماذا؟ أنت غداً أو بعد غد ستغلق عينك إلى الأبد.. وستصبح مجرد ذكرى.. ستموت يا ابن خفاجة.. الموت قادم لا محالة.. أسمعت عن إنسان لم يمت.. أنت ستموت.. ستموت..
 
فكرة الموت سيطرت على عقله وتفكيره وحتى شعره. تقول بعض المراجع إنه كان يغادر أحياناً منزله في جزيرة شقر ويسير وحيداً ومسافات بعيدة حتى إذا صار بين جبلين وقف يصيح:
 
ـ يا ابن خفاجة.. يا إبراهيم.. أنت ستموت..
 
ويردد الصدى كلماته.. ويعود هو ليكرر ما قال ويستمر على هذه الحال حتى يقع مغشياً عليه.
 
وقد تكون هذه الحكايات مبالغاً فيها، ولكنها بدون شك تدل على أن الشاعر كان يعيش في فكرة الموت وهي فكرة رهيبة كانت من أهم المعطيات في شعر ابن خفاجة الأندلسي.
 
يخاطب ابن خفاجة جثامين الموتى، ويطلب منها أن تغني ولكنها لا تجيب ولا تستجيب، يرفع صوته يصيح، يصرخ والصمت مطبق.. إنه الموت.. وهو سيتحول في يوم قريب إلى واحدة من تلك الأجداث.
 
اصغ إليه وهو يصرخ في تلك الجثث:
 
ألا صمتِ الأجداثُ غنّي فلم تجب
 
ولم يغنِ أنِ رفعتُ لها صوتي
 
فَيا عَجَباً لي! كَيفَ آنَسُ بالمُنى
 
وغاية ُ ما أدركتُ منها إلى الفوتِ؟
 
وهل من سُرورٍ، أو أمانٍ لعاقِلٍ
 
ومفضى عبورِ العابرينَ إلى الموتِ؟
 
وليس الموت وحده هو الذي كان من موصيات الشعر، بل إن المرأة أيضاً كانت من أهم الموصيات. فرغم أن الشاعر ابن خفاجة لم يتزوج إلا أنه لم يكن كأبي العلاء المعري رهين المحبسين، ولم ينعزل عن المجتمع، بل كان في شبابه يفعل كما يفعل أقرانه، مجالس الغناء ويعاقر الخمر ويتغزل بها وبساقيتها، ولكنه مع ذلك كان يميل إلى حب الطبيعة ويمزج مشاعره بينها وبين المرأة فيصف الطبيعة ببعض ملامح الجمال في المرأة ويصف المرأة ببعض ملامح الجمال في الطبيعة.
 
فالنهر الذي يسيل الماء العذب البارد أشهر لديه من لمى المرأة الحسناء. يقول ابن خفاجة:
 
لله نهر سال في بطحاء
 
أشهى وروداً من لمى الحسناءِ
 
متعطفٌ مثل السوار كأنه
 
والزهر يكنفه مجرًّ سماءِ
 
قد رق حتى ظُنَّ قرساً مفرغاً
 
من فضة في بردة خضراءِ
 
وغدت تَحف به الغصون كأنها
 
هدب يحف بمقلة زرقاءِ
 
والماء أسرع جريه متحدراً
 
متلوياً كالحية الرقطاءِ
 
والريح تعبث بالغصون وقد جَرى
 
ذهبُ الأصيل على لجين الماءِ
 
 
 
ولكن ابن خفاجة لم يكن دقيقاً في اختيار ألفاظ لغته الشعرية، بل كان دقيقاً في تفاصيل حياته نفسها، ويحكي أنه كان يذهب إلى بائع الفاكهة في بلدته شقر فيساومه على شراء بعض أنواع الفاكهة، فإذا اتفق معه على السعر يقول ابن خفاجة:
 
ـ لك السعر الذي طلبته ولكن على شرط..
 
* وما هو يا سيدي؟
 
ـ أن أنتقي بيدي حبّات الفاكهة التي سأضعها في ميزانك.
 
* موافق يا ابن خفاجة... انتق ما تشاء.
 
 
 
وبالفعل كان يقوم بالانتقاء بدقة متناهية وبعناية فائقة وملفتة للنظر..
 
وقد تكون هذه الصفة في ابن خفاجة سبباً في عدم زواجه لأنه لم يجد المرأة التي يمكن أن ترضيه وتلازمه طول عمره. ولكنه عندما بلغ من العمر عتياً، وصارت الحسناوات ينظرن إليه كأب أو كعم، وهو ينظر إليهن كبنات له يدرك حجم الخسارة.. فيقول:
 
فيا ليتني كنت ابن عشرٍ وأربعٍ
 
فلم أدعها بنتاً ولم تدعني عمّا

اضافة تعليق