مع بداية العام الدراسي.. د.علي جمعة يقدم عدة نصائح للمعلمين

الخميس، 14 سبتمبر 2017 12:00 ص

 
وأريد أن أرسل للمعلم بعض كلمات من كلام رسول الله ﷺ ‏, وكل كلمة قالها رسول الله ﷺ وهو يرسم لنا طريق الله الصراط المستقيم كفيلة بأن تغير حياة الإنسان‏,‏ ومما قاله ﷺ ‏,‏ وكل كلامه يدعو إلى حسن الخلق‏,‏ قال‏:‏ (يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق‏,‏ ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف‏,‏ وما لا يعطى على ما سواه) ‏( مسلم‏),‏ (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه‏,‏ ولا ينزع من شيء إلا شانه) ‏( مسلم‏),‏ فأمر رسول الله ﷺ أم المؤمنين‏,‏ وأمر الأمة من ورائها‏:‏ بالرفق‏.‏
والرفق يكون مع النفس‏,‏ والرفق يكون مع الناس‏,‏ والرفق مع الكون‏,‏ وبكل ذلك أمر رسول الله ﷺ ‏,‏ ولما بوب العلماء العارفون باب الرفق بوبوه مع حسن الخلق والحياء‏,‏ وكأن هناك صلة بين الرفق وبين الحياء‏,‏ والنبي ﷺ فيما روي عن عمران بن حصين رضي الله تعالي عنهما‏,‏ أن النبي ﷺ قال‏:‏ (الحياء خير كله) ‏( مسلم‏),‏ وروي أن النبي ﷺ مر على رجل من الأنصار يعظ أخاه‏,‏ أو يعاتب أخاه في الحياء‏,‏ فقال له‏:‏ دعه فإن الحياء من الإيمان‏ (البخاري ومسلم‏).
‏النبي ﷺ يعلو بالحياء إلى أن يقول فيما رواه الحاكم وابن أبي شيبة عن ابن عمر‏:‏ إن الحياء والإيمان قرنا جميعا‏,‏ فإذا رفع أحدهما رفع الآخر‏, فصفة المؤمن‏:‏ الحياء‏,‏ وصفة الفاجر‏:‏ الفجور‏,‏ وهو نوع من أنواع العنف‏,‏ أما الحياء فهو نوع من أنواع الرقة التي أمر بها رسول الله ﷺ ‏.‏
الحيي لا يمكن أن يكون عنيفا‏,‏ ولا يمكن أن يكون قاسي القلب‏,‏ ورسول الله ﷺ يعلمنا ويعلمنا أن هذه الأخلاق بعضها يخدم بعضا‏,‏ وبعضها يؤيد ويساند بعضا فيقول‏:‏ (ألا أخبركم بأهل النار؟)‏,‏ قالوا‏:‏ بلى‏,‏ قال‏:‏ (كل جواظ جعظري مستكبر) ‏( أحمد‏),‏ وانظر إلى اختيار سيدنا رسول الله ﷺ,‏ وهو أفصح العرب‏,‏ لهذه الكلمات الصعبة‏,‏ ليوافق المبني المعنى‏,‏ وليوافق نظر مستمع من هذه الألفاظ نظرة النفس منها‏.‏
جواظ جعظري‏!‏ كلمات صعبة وغير مفهومة لعموم الناس‏,‏ تستدرك المسألة‏:‏ وما الجواظ؟ وما الجعظري؟ الجواظ‏:‏ الجماع للمال‏,‏ لا يريد أن ينفق شيئا منه في سبيل الله‏,‏ ولا يريد أن يخرج حتى حق الله فيه من الزكاة‏,‏ وبذلك يكون عنيفا مع مجتمعه وناسه‏,‏ فليس العنف مقتصرا في القوة‏,‏ وليس العنف مقتصرا على الهمجية‏,‏ ولكن العنف قد يكون سلبيا بمنع حق الله سبحانه وتعالى‏,‏ فالجواظ من يجمع ويمنع‏,‏ يجمع من لطف الله ما شاء الله به عليه‏,‏ ثم يمنعه أن يصل وأن يدور كما أمرنا الله من ماله أن يكون‏.‏
والجعظري‏: قاسي القلب الذي لا ينتهي إذا ما كلمته بموعظة ينظر إليك باستهزاء وعلو‏, وإذا ما ذكرته بالموت لا يرق قلبه‏,‏ ولا تهدأ نفسه‏,‏ ولا يخشى من مقابلة الله سبحانه وتعالى‏,‏ ولا تدمع عيناه‏,‏ وهذا نوع من أنواع العنف‏.‏
النبي ﷺ جاهد في سبيل الله‏,‏ جاهد بشرف‏..‏ جاهد بلطف‏..‏ جاهد لغاية ولم يكن عنيفا‏,‏ يصفه الصحابة الكرام بأنهم عندما كانوا يصافحون يده الشريفة كانوا يجدونها أملس من الحرير ﷺ ‏(البخاري‏),‏ لكنه كان فارسا‏,‏ يقولون عنه في حربه‏:‏ كنا إذا احمر البأس ولقي القوم القوم اتقينا برسول الله ﷺ,‏ فما يكون من أحد أدنى من القوم منه ‏(أحمد‏).‏
كان لا يغضب‏,‏ ونصح أصحابه بألا يغضبوا‏,‏ وقال‏:‏ (لا تغضب ولك الجنة)‏ (الطبراني‏),‏ لكنه كان يغضب إذا ما مست حدود الله سبحانه وتعالي‏,‏ وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها ‏(البخاري‏),‏ وإذا ما رأى المعصية أمامه فإنه يغضب بشدة‏,‏ لا بعنف‏,‏ لأنه أمر لا يرجع إلى ذاته الشريفة‏,‏ إنما يرجع إلى تبليغ الرسالة‏,‏ وإلى إقامة حدود الله بين البشر‏,‏ جاءه أعرابي فأمسكه من ثيابه وخنقه ﷺ حتى كاد الصحابة أن يهموا به يقتلونه‏,‏ فما زاده الجهل عليه إلا حلما‏,‏ وما زاده ذلك إلا أمانة‏.‏
إذن وراء هذا الرسول شيء ليس بمنظور لنا‏,‏ ينبغي عندما نتخلق بأخلاق الدين أن نثق بما في يده سبحانه وتعالى أكثر من ثقتنا بما في أيدينا‏,‏ وأن نترك هذه الغشاوة التي يعيش فيها عموم الإنسان بأن يثق بالمحسوس أكثر من ثقته بربه الذي خلقه‏!‏
هذه أسرار علمنا إياها رسول الله ﷺ ‏,‏ هذه الأسرار مفقودة لا يعرفها كثير من البشر‏,‏ ومن كثرة إلفنا لها استهنا به‏,‏ ومن كثرة تكرارها على أذهاننا وأسماعنا اعتقدنا أنها دون الحقائق العليا‏!!‏ إلا أن هذه هي الحقيقة‏,‏ فجرب أيها المعلم‏,‏ لا تجرب مع الله‏,‏ جرب نفسك مع الله‏,‏ لا تجرب الله فما كان الله ليمتحن‏,‏ حاشاه وجل جلاله‏,‏ إنما جرب نفسك مع الله‏,‏ وانظر حتى يفتح عليك فتوح العارفين به سبحانه‏.‏

اضافة تعليق