قواعد الاختلاف في الإسلام

الخميس، 14 سبتمبر 2017 12:00 ص

أسباب الاختلاف:
 
هناك أسباب كثيرة تجعل الناس يختلفون:
 
اختلاف الناس في فكرهم وثقافتهم وعقولهم وطريقة تفكيرهم ، فمنهم الذكي ، ومتوسط الذكاء ، وفيهم الحليم والسريع الغضب ومنهم العصبي المزاج ومنهم المرح المحب للمزاح والمداعبة ، هذه الصفات تجعل الاختلاف أمرا واقعا لا مفر منه .
 
الجهل ، جهل المحاور في أمور الحوار الدائر  أو القضايا التي يحاور فيها أو ضحالة معلوماته وأفكاره تكون سببا مباشرا للاختلاف في كثير من الأحيان .
 
الهوى ، فكثير من المحاورين يخالف من يحاوره من أجل هوىً في نفسه ، ويصعب عليه أن يتخلى عن هذا الهوى ، فهذا أبو جهل يرفض الإسلام والإيمان بالرسول، لهوى في نفسه حيث يقول عندما سُئل عن سبب عدم إيمانه فيقول : تساوينا نحن وبني عبد مناف: أسقوا فأسقينا ، أطعموا فأطعمنا ...حتى إذا قالوا منا نبي . فماذا نقول لهم ؟ والله لا نؤمن به.
 
التكبر والغرور فالمتكبر والمغرور لا يحب الحقيقة  إذا خالفت هواه ، وبالتالي يدفعه الكبر والغرور إلى الخلاف انتصارا للباطل على الحق إرضاء لغروره وكبره .
 
حب الظهور، قد يخاف بعض الناس من أجل أن يشار إليهم بالبنان ويقال إنهم لا يأخذون الأمر بسهولة بل لابد لهم من المناقشة والحوار والمخالفة حتى يقتنعوا .
 
قد يحصل الخلاف لأسباب تعود لقضايا لغوية ، فكثير من المفردات العربية تحمل أكثر من معنى ، وقد يحصل الخلاف أحيانا – كما الحال عند الفقهاء – بسبب الاختلاف على روايات الأحاديث الشريفة .
 
فضل الاختلاف
 
1- الاختلاف رحمة: الاختلاف مع كونه ضرورة، هو كذلك رحمة بالأمة وتوسعة عليها. ولهذا اجتهد الصحابة واختلفوا في أمور جزئية كثيرة، ولم يضيقوا ذرعا بذلك بل نجد الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز يقول عن اختلاف الصحابة رضي الله عنهم: "ما يسرني أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا، لأنهم لو لم يختلفوا لم يكن لنا رخصة". فهم باختلافهم أتاحوا لنا فرصة الاختيار من أقوالهم واجتهاداتهم، كما أنهم سنوا لنا سنة الاختلاف في القضايا الاجتهادية، وظلوا معها إخوة متحابين.
 
2- الاختلاف ثروة: اختلاف الآراء الاجتهادية يثري الفقه وينمو ويتسع؛ لأن كل رأي يستند إلى أدلة واعتبارات شرعية. وبهذا التعدد والتنوع تتسع الثروة الفقهية التشريعية، وإن تعدد المذاهب الفقهية وكثرة الأقوال كنوز لا يقدر قدرها وثروة لا يعرف قيمتها إلا أهل العلم والبحث، فقد يكون بعضها أكثر ملاءمة لزمان ومكان من غيره.
 
أمثلة الاختلاف
 
أولا:  الاختلاف في القرآن الكريم:-
 
أورد القرآن الكريم أمثلة  كثيرة تبين أنواعا من الخلاف ، ومن أمثلة الخلاف المذموم ما دار بين فرعون والسحرة ، فبعد أن وعد فرعون سحرته بأنه سيجعلهم من المقربين ، وأنهم سيكون لهم شأن عظيم عنده إن فازوا على موسى عليه السلام ، ووعد موسى عليه السلام بالا تباع إن فاز على السحرة ، لكنه في نهاية الحوار كذّب موسى عليه السلام ولم يؤمن به ، وقتل السحرة عندما لم يستطع صدهم عن الإيمان .قال تعالى ((قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ (65) قَالَ بَلْ أَلْقُوا ۖ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ (66) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَىٰ (67) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَىٰ (68) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا ۖ إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ ۖ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ (69) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ) (70)) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ ۖ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَىٰ (71) قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا ۖ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ ۗ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ  ([6])
 
اختلاف الصحابة زمن رسول الله:
 
ذكر الو احدي  من حديث ابن جريج ، قال حدثني ابن أبي مليكه أن عبد الله بن الزبير أخبره أنه قدم ركب من بني تميم على رسول الله، فقال أبو بكر رضي الله عنه : أمِّر القعقاع بن معبد ، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أمِّر الأقرع بن حابس ، فقال أبو بكر ما أردتّ إلا خلافي ، وقال عمر ما أردت خلافك ، فتماديا حتى ارتفعت أصواتهما،فنزلت الآيات : يَا ((أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ)).
 
اختلاف الصحابة بعد رسول الله:
 
إذا كان الاختلاف قد حصل في حياة رسول الله r   فكيف لا يحدث بعد وفاته r  ؟ لقد اختلف الصحابة رضي الله عنهم في كثير من الأمور بعد رسول الله،  منــــــها:
 
اختلافهم رضي الله عنهم في دفنه، فقال بعضهم ندفنه في المسجد ، واقترح بعضهم أن يدفن مع أصحابه ، فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه إني سمعت رسول الله يقول " ما قبض من نبي إلا ودفن حيث قبض "([8])
 
اختلافهم رضي الله عنهم في قتال المرتدين من  مانعي الزكاة .
 
اختلافهم رضي الله عنهم في كثير من المسائل الفقهية
 
ملاحظات على اختلافات الصحابة رضي الله عنه
 
1-أن الصحابة بشر والبشر يخطئون ويصيبون
 
2- لم يعب أحد من الصحابة على الآخر رأيه أو قوله ولكن إن شاء أخذ به أو تركه .
 
3- لم يكن قصد الصحابة الاختلاف أصلا وإنما كان قصدهم المصلحة العامة.
 
4- سرعة عودة الصحابة إلى الحق بعد وقوع الاختلاف ، وعدم انتصارهم لأنفسهم.
 
5- امتثال الصحابة لأمر الله عز وجل ، واستجابتهم لأمر رسول الله.
 
الضوابط العلمية للاختلاف
 
1- رد الاختلاف إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم مصداقًا لقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾ ( النساء 59 ) ، شريطة أن نعود ونستنبط بالطرق التي استنبط بها علماؤنا السابقون، وليس بالأهواء أو بالاعتساف أي أن يكون الأمر مجمعًا عليه فلا نعود إلى مذهب دون مذهب بل يعرض الأمر على ثلة من العلماء حتى نحقق الأمور.
 
2- اتباع المنهج الوسط فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾ ( البقرة 185. ) ، ويقول: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا ﴾ ( النساء 28. ) ، ويقول سبحانه وتعالى: ﴿ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ ﴾ ( المائدة 6. ) . فالتشدد منهج ينبذه الإسلام فلا بد إذًا من رخصة وتيسير على الناس ومراعاة ظروفهم.
 
3- التفريق بين القطع والظن في الأدلة والتركيز في المحكمات لا المتشابهات، فمن المعلوم أن النصوص بعضها ظني الثبوت وظني الدلالة، وبعضها ظني الثبوت قطعي الدلالة، وبعضها قطعي الثبوت ظني الدلالة، وبعضها قطعي الثبوت قطعي الدلالة. فقطعية الثبوت هي القرآن الكريم والسنة المتواترة، والأحاديث أحاديث الآحاد الصحيحة التي حفت بها قرائن وتلقتها الأمة بقبول حسن.
 
4- تجنب القطع في المسائل الاجتهادية؛ فالاجتهاد إذا كان وفقًا لأصول الاجتهاد ومناهج الاستنباط في علم أصول الفقه يجب عدم الإنكار عليه، ولا ينكر مجتهد على مجتهد آخر، ولا ينكر مقلد على مقلد آخر وإلا أدى ذلك إلى فتنة.
 
5- إن من أراد أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فلا بد له أن يطلع على خلافات العلماء وأدلة كل منهم حتى لا ينكر على الناس أمرًا هم متبعون فيه علماء أفاضل فالاختلاف من ضروريات الحياة، وقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ ( هود 118. ) ، فالتعصب لمذهب واحد واعتقاد أن كل من خالفه مخطئ أمر يجرُّ إلى فتن عظيمة.
 
6- تحديد المفاهيم والمصطلحات التي يدور حولها النقاش إذ يجب أن تكون واضحة جلية وهو ما يسميه العلماء تحرير موضع النزاع فكثير من النقاشات التي تقدم اليوم مردها إلى خلاف في اللفظ.
 
7- النظرة الشمولية: فلا بد من الجمع بين كل ما ورد فيما يخص المسألة الواحدة لتحريرها تحريرًا جليًّا واضحًا. وأرى ألا ننساق وراء شيخ واحد نقدسه أو عالم واحد نعظمه ولا نلتفت إلى سواه وإلا دخلنا في محظور قول الله تعالى: ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ . ( سورة التوبة آية: 31 )
 
8- النظر في المقاصد واعتبار المآلات؛ فمسألة المقاصد الإسلامية لها دور كبير في تيسير المعاملات وتسهيل العمل في هذا الزمن وفي ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: { إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى } . ( متفق عليه )
 
9- أعمال القلوب مقدمة على أعمال الجوارح فالإخلاص مقدم على غيره. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: { إن الله لا ينظر إلى أجسامكم وصوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم } ، فكل الفضائل مردها إلى القلب.
 
10- الاهتمام بهموم المسلمين، فمن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم. إن مشكلاتنا اليوم كثيرة ومتعددة احتوت الظلم الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والتفسخ والانحلال وهناك أمراض جديدة لم نكن نألفها، فلماذا لا نتفق على ما اتفقنا عليه وندع الخلافيات ونواجه الخطر الداهم اليوم خطر التمزق، وخطر التدهور.
 
11- التعاون في المتفق عليه؛ فإن مشكلة الأمة الإسلامية اليوم ليست في ترجيح أحد الرأيين أو الآراء في القضايا المختلف فيها بناءً على اجتهاد أو تقليد. فالواقع أن الخطأ في هذه القضايا يدور بين الأجر والأجرين. إنما المشكلة في انتشار أشكال الفساد والحرام من دون محاولة للحد منها.

اضافة تعليق