«نأخذ مناهجهم ونترك مسائلهم».. هكذا يجب التعامل مع كتب التراث

الثلاثاء، 12 سبتمبر 2017 12:00 ص

ولكي نكون صرحاء مع النفس في معالجة قضية شائكة مثل هذه القضية، يجب التفريق بين محورين في التعامل مع كتب التراث، المحور الأول هو المسائل الفقية التي كانت تعرض على العلماء والتي كانت نابعة من أساليب وطرق الحياة التي يعيشونها في وقتهم، وهذه المسائل قد تظل باقية ولكن كثير منها يختفي "أحكام تجارة العبيد والتعامل معها مثلا لم تعد باقية بعد تحريم الرق في العصر الحديث"، والمحور الثاني هو طرق ومناهج تفكير العلماء في البحث حول هذه المسائل الفقهية وهي الطرق هي تظل باقية وصالحة لكل الأزمنة، وبالتالي يجب التعامل مع مناهج كتب التراث دون الارتكاز على المسائل الفقية التي كانت مثارة في أزمانهم "باختصار نأخذ مناهجهم ونترك مسائلهم".
 
يقول الدكتور علي جمعة، مفتي الديار المصرية الأسبق، حول أن مناهج كتب التراث تتسم بالتفرد، ولكن هذا لا يعني أنها غير قابلة للتطوير، وقال: لابد من إعادة النظر لما فيها من أطروحات اتسمت بالجمود، وهذا ما دعا البعض إلى التطاول على الإسلام، وما حدث خلال الفترة الأخيرة ينم عن أن هناك شيئا خاطئا يجب تعديله.
 
 ويؤكد جمعة، أن النظر إلى هذه المواد في كتب التراث، لابد أن يكون بنفس طريقة نظرة الغرب إلى تراثه، حيث إنه يهتم بأن يكون تراثه مراعيا للأمور الإنسانية والدنيوية، وهذا لابد أن نفعله عند النظر إلى التراث الإسلامي، مع الاهتمام بأن هذا التراث يغذّي الروحانيات والإنسانية وهذا هو الفرق بين الغرب والدول الإسلامية في مجال الاهتمام بالتراث.
 
 وقال: إن ما يقوم به البعض بالتطاول والهجوم على التراث يعدّ خرقا لتعاليم الإسلام، ولابد من موقف يتسم بالقوة يتخذه الأزهر وكل المؤسسات الدينية، لأنها مسؤولة عن حماية التراث والدفاع عن الدين.
 
ويقول الدكتور أسامة العبد أستاذ الشريعة ورئيس جامعة الأزهر السابق إن مناقشة قضية التراث الإسلامي لابد أن نحيطها بالحذر الشديد خاصة في ظل تكالب البعض عليه ومحاولتهم النيل منه ونحن كمسلمين لا نرفض التجديد شريطة أن يكون بهدف تنقيح تراثنا وتقديمه لعامة المسلمين في صورة مبسطة وسهلة لا يصعب عليهم فهمها.
 
مؤكداً أن العلماء والفقهاء في كل العصور مطالبون بالاجتهاد دون توقف‏، وإذا كان صاحب الشريعة قد فتح لنا باب الاجتهاد على مصراعيه فليس من حق أحد أن يغلق هذا الباب‏، فإغلاقه يعد إغلاقاً لرحمة الله‏،‏ وإغلاقاً للعقول ومصادرة علي حقها في الفهم والتفكير‏‏‏،‏ فالتجديد قانون الوجود‏، وقد أراد الإسلام لنا أن نمارس الاجتهاد لنواكب متغيرات كل عصر.
 
ويشير إلى أن الإمام الشافعي عندما جاء إلى مصر بدأ يعيد النظر في الآراء والفتاوى التي قال بها حينما كان في بغداد‏، لأن الفتوى يجب أن تراعي أعراف كل قطر، وفي هذا المعنى يقول الإمام ابن القيم في كتابة أعلام الموقعين‏:‏ «من أفتى الناس بمجرد النقول من الكتب على اختلاف أعرافهم وعوائدهم وأزمنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم فقد ضل وأضل، وكانت جنايته على الدين‏».
 
ويضيف أن مشكلة المسلمين الأساسية أنهم اكتفوا بالتقليد في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى الاجتهاد‏،‏ والملاحظ أنه حتى يومنا هذا نجد فقهاءنا حين يبحثون عن حل شرعي لمشكلة جديدة فإنهم يبحثون عن حل لدى بعض المذاهب الفقهية القديمة، وفي بطون الكتب التي خرج الكثير منها في عصور التراجع الحضاري للأمة الإسلامية‏ ‏ومن هنا لابد من الاعتراف أن آراء الفقهاء السابقين كانت، وستظل مجرد اجتهادات تخطئ.
 
وتصيب‏ ولم يدع مؤسسو المذاهب الفقهية أبداً أن ما يقولونه هو الحق المطلق فقد قيل للإمام أبي حنيفة‏ إن هذا الذي تفتي به هو الحق الذي لا مراء فيه‏،‏ فرد قائلاً ‏:‏ لا أدري‏،‏ لعله الباطل الذي لا مراء فيه‏،‏ ومن المأثور أيضاً عن الإمام الشافعي، قوله‏:‏ رأينا صواب يحتمل الخطأ ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب‏.
 
ويؤكد أن الاجتهاد في عصرنا الحاضر هو الفريضة الغائبة‏‏ وممارسة الاجتهاد أصبحت فرض عين علي كل من لديه المؤهلات لذلك‏،‏ ولدينا الكثير من الفقهاء المؤهلين للاجتهاد‏،‏ ولكنهم في حاجة إلى الشجاعة في رفع قيد التقليد‏،‏ ووضع قيد العقل الإنساني.
 
 
 
أما الدكتورة آمنة نصير العميد الأسبق لكلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر تقول إن المسلمين اليوم بالفعل أصبحوا كسالى في وقت علت فيه أصوات المرجفين ضد كل ما هو إسلامي، ولأنهم لا يجرأون على الحديث في ثوابت الأمة فإنهم لجأوا للتراث، حيث يأخذون منه ما هو مخالف لهذا العصر.
 
ويعرضونه على الناس للزعم بأن الإسلام به شوائب لابد من تنقيتها وهدفهم في هذا التشكيك في الدين، ونحن نرد على هؤلاء بالقول إنه ليس معنى وجود بعض الآراء الشاذة في كتب التراث أن هذا يعيب تراثنا التاريخي، ولا يعني ذلك أن الإسلام يؤيد مثل هذه الآراء الشاذة، التي احتوتها كتب التراث أو كونها منهجاً ففي كثير من الأحيان، ورد ذكر تلك الآراء طبقاً للقاعدة المعروفة «أن الرأي الشاذ لا يترك بل يذكر للتدليل على خطئه»، ونفس الأمر مع الأحاديث الضعيفة، حيث نجد التراث يوضح توضيحاً دقيقاً أن ذلك الحديث ضعيف، ولكن للأسف فإن المهاجمين للدين الإسلامي يتركون الشروح ويمسكون في المتون، ويزعمون أن التراث الديني الإسلامي يحتوى على آراء شاذة وغريبة.
 
وهذه هي الإشكالية الحالية، ونحن نرد على هؤلاء بأن الواجب الأخذ من هذا التراث وهو فيه الغث والسمين- ونحن نعترف بذلك - مع ما يتناسب ومتطلبات العصر فقد حدث نوع من التصادم بين ثقافة المهاجرين والأنصار في عصر الرسالة عندما هاجر أهل مكة إلى المدينة خاصة في تصنيف القضايا المتعلقة بالمرأة فما بالنا بعد مرور 1400 سنة أو أكثر والحكمة تقتضي اختيار ما يتفق من التراث ويتناسب مع قضايانا ومعالجة مشاكلنا.
 
وتضيف: من المهم أيضاً ونحن نناقش قضية تنقيح التراث أن نعي جيداً أن هناك فارقاً كبيراً بين التجديد والتغيير فالتجديد يعني باختصار العمل على الحفاظ على الأصول التى وضعها السابقون وإضافة اجتهاداتنا الجديدة عليها ونفض لما يتراكم عليها من غبار يحجبها عن الأنظار شريطة أن يتم ذلك دون المساس بثوابت الشريعة الإسلامية.
 
أما التغيير فيعني الهدم والبدء مجدداً من فراغ من أجل تغييب الوعي أو خداع الجماهير، ولابد أن نشترط فيمن يقومون بتنقيح تراثنا الديني شروط، أهمها أن يقوم بذلك علماء أجلاء قامات في علم دراسة التراث لهم دراية في دراسة المنقول والمعقول، وكذلك يملكون القدرة على فهم طبيعة التراث المعقد، ويدركون طبيعة المناهج وأدوات التحليل الفكري في البحث والتقصي.
 
ويقول الدكتور أحمد عمر هاشم أستاذ السنة النبوية بجامعة الأزهر: لابد ونحن نتعامل مع كتب التراث بغرض التجديد التأكيد على أن هذا الأمر نقوم به بغرض الإصلاح، وليس بغرض رضاء الآخرين، وأننا ونحن نسعى لتنقية كتب التراث إنما نسعى إلى ضبط كتب السابقين دون المساس بما نزل به الوحى ودون التعرض لثوابت الأمة من القرآن والسنة النبوية.
 
ولابد ونحن نتعامل مع هذه القضية أن ندرك أهمية أن يكون هدفنا في البداية العمل على إبراز فضائل التراث الإسلامي ودوره في تطوير الحضارة ودعوة الناس للتمسك بدين الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة ثم يأتى العمل على تنقية التراث الإسلامي من الأمور التى دخلت عليه في ظل العصور المظلمة التى مر بها الإسلام والمسلمون وهى الشوائب التي شوهت جمال الإسلام وحالت دون تقدم المسلمين،.
 
وهنا لابد من التدخل بحذر عندما يتعلق الأمر بكتب التراث حتى لا نهدم تراث الفقهاء السابقين بحيث تظل اجتهادتهم موجودة حتى في حال عدم مناسبتها لنا، فالتدخل في كتب التراث يجب أن يكون في الشروحات لا المتون.
 
ويؤكد أن التراث له أهميته وهويته، فأمة ليس لها تراث هى أمة بلا هوية وأن تراث الأمة الإسلامية هو أوثق تراث ولا نستطيع أن ندير ظهرنا له، لكن نحتاج إلى مناقشته وتنقيحه من بعض ما علق به وهو أمر ليس بمعيب.
 
ويشدد الدكتور أحمد عمر هاشم أستاذ السنة النبوية بجامعة الأزهر أن تتم عملية تنقية التراث بدقة، موضحا أهمية التحلي بالحكمة ونحن نعالج هذه القضية، فعندما نقوم بتنقيح التراث علينا أن نتريث كثيراً قبل تغيير أو حذف أى جزئية من كتب التراث القديمة، فالمطلوب هو عدم التعجل في رفض أو إخراج شيء من التراث لأن السابقين من علماء الأمة أوضحوا لنا أن بعض الرواة وكتّاب التراث جمعوا، ووثقوا أحاديث ضعيفة في الكتب بعلمهم تحسباً لإمكانية تقويتها بعد ذلك من مصدر آخر وخشية من إهمال حديث لرسول الله.
 
وقال أحمد علي عجيبة، أمين عام المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية: "هناك بعض كتب التراث التي تحتاج إلى تطوير ومراجعة، خاصة في ما يتعلّق بالشرح الموجود بها وتفسير بعض النصوص الشرعية، شريطة عدم المساس بما أنزل الله، وذلك تفاديا لعمق الخلاف القائم حول تأثير كتب التراث على الممارسات الحالية والأفكار المتبناة.
 
  وأشار إلى أنها وضعت من قِبَل البعض أمام عدسات الانتقاد اللاذع، حيث يرون أن التراث الإسلامي السبب في ما يحدث، الأمر الذي شجّع البعض على تناول النصوص القرآنية والأحاديث الشريفة بالنقد والتجريح، فضلا عن أئمة الإسلام والفقهاء والعلماء بما لا يليق.
 
 
 
وذكر أن كتب التراث بحاجة إلى نقاش أكاديمي وليس إلى التشكيك فيها، لأن التشكيك في كتب التراث يعني التشكيك في الشريعة والسنة، وهذا ما يرفضه علماء الأزهر الشريف.
 
 وأشار عجيبة إلى ضرورة البدء في تطوير ما في كتب التراث من شرح لنصوص الشريعة والسنة، مع الأخذ في الاعتبار التحوّلات التي طرأت على الوطن الإسلامي والعربي، ونسبها للإسلام باعتباره دينا متعصّبا، كما قالت بعض الشخصيات المصرية التي تهتم بإظهار الأديان خاصة الدين الإسلامي، بأنه الدين الذي جسّد التطرّف.

اضافة تعليق