البيروني ... العالم الموسوعي بمختلف المجالات 

الثلاثاء، 12 سبتمبر 2017 12:00 ص

وكان البيروني يهتم كثيرًا بالرياضيات والفيزياء والفلك والفلسفة، بجانب إتقانه للغات كثيرة كاليونانية والفارسية والهندية، فوهب حياته بأكملها للعلم، وكان القلم لا يفارق يديه، وأشاد بمكانته العلمية كبار مؤرخي العلم من أمثال "سخاو" و "سارتون". 

*نشأته : 
ولد "محمد بن أحمد الخوارزمي" المعروف بالبيرونى سنة (362 ﻫ) في قرية من ضواحي مدينة "كاث" عاصمة دولة "خوارزم، ثم أطلق عليها "البيروني" تخليدًا لذكراه، وتلقى تعليمه في بلدته، حيث حفظ القرآن، وتعلم مبادئ القراءة والكتابة والحساب، وشيئًا من الفقه والحديث مثل غيره من الطلاب الذين يبدؤون  حياتهم العلمية .
 
ثم اتجه "البيروني" إلى دراسة العلوم الطبيعية والرياضيات، بعد أن وجد في نفسه ميلاً إلى ذلك، فتتلمذ على يد "أبى نصر منصور بن على بن عراق"، وكان عالمًا مشهوًرا في الرياضيات والفلك، وعمل تحت إشرافه في مرصده الفلكي، وانتقل إلى "الري" وعمل مع العالم الفلكي "الخوجندى"، وأجرى معه بعض البحوث الفلكية، ثم انتقل إلى "جرجان" وحظى برعاية ملكها "قابوس بن وشمكير"، وكان أديبًا كثير الحفاوة بالعلماء، وفى أثناء إقامته التقى بأكبر أساتذته الطبيب الفلكي "أبى سهل عيسى بن يحيى" المتوفى سنة (389ﻫ)، وشاركه في بحوثه، كما قام بتأليف عدة كتب، أهمها كتاب "الآثار الباقية من القرون الخالية".
 
ثم بعد فترة انتقل "البيروني" إلى "غزنة"، وهى الآن "كابل" عاصمة "أفغانستان"، وعاش في بلاط السلطان "محمود الغزنوى" مشتغلاً بالفلك والفيزياء والتعدين وغيرها من العلوم، ورافقه في معظم فتوحاته العسكرية في بلاد "الهند" التي بلغت سبع عشرة موقعة، وقد اغتنم "البيروني" فرصة وجوده في "الهند" حيث كنوز العلم والمعرفة، فنقل إلينا كثيرًا منها، وضمنها كتبه ومؤلفاته، وبخاصة كتابه الذي أفرده للحديث عن "الهند" باسم "تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة".     

وبعد وفاة السلطان "محمود الغزنوي" سنة (421ﻫ) خلفه ابنه "مسعود"، وكان محبًّا للعلوم والثقافة، يشجع العلماء ويوفر لهم كل ما يحتاجون إليه، ووجد "البيروني" في بلاطه كل تقدير وثناء، فأكب على التأليف والتصنيف، وأهداه أكبر كتبه في الفلك والرياضيات الذي أطلق عليه "القانون المسعودى"، وظل "البيروني" محل تقدير الغزنويين حتى بعد وفاة السلطان "مسعود" سنة (439ﻫ)، ثم انتقل إلى "جرجان"، وفى أثناء إقامته التقى بالطبيب الفلكي "أبى سهل عيسى بن يحيى" المتوفى سنة (389ﻫ) وشاركه في بحوثه.
 
وضمه السلطان الكبير "محمود الغزنوى" إلى بلاطه، واصطحبه معه في فتوحاته المتعددة إلى "الهند"، وكان موضع تقديره وتقدير ابنه "مسعود" الذي خلفه في الحكم.
 
*إنجازاته العلمية : 
وقدم "البيروني" أبحاثًا جديدة في الفلك والفيزياء والرياضيات والتعدين والجيولوجيا والجغرافيا، ولمكانته  العلمية وبحوثه الرائدة في علوم الفضاء اختير من بين (18) عالمًا إسلاميًّا، أطلقت أسماؤهم على بعض معالم سطح القمر، وفي مجال الفلك قال بوجود قوى للجاذبية بين الأجسام قبل أن يكتشفها "نيوتن" المتوفى سنة (1727م) .
 
 وابتكر "البيروني" الإسطرلاب الأسطواني الذي لم يقتصر على رصد الكواكب والنجوم فقط، بل كان يستخدم كذلك في تحديد أبعاد الأجسام البعيدة عن سطح الأرض وارتفاعها، ووضع نظرية لحساب محيط الأرض لا تزال تعرف باسمه حتى الآن في الكتب المدرسية، وفى مجال التعدين ابتكر جهازًا يستخدم في قياس الوزن النوعي للفلزات والأحجار، ويعد أقدم مقياس لكثافة المعادن.
 
وسبق في علم الجيولوجيا إلى القول بنظريات رائدة في تكوين القشرة الأرضية وما طرأ على اليابسة والماء من تطورات خلال الأزمنة الجيولوجية، وكتب في الصيدلة موسوعة علمية باسم "الصيدنة" ترشد الصيدلي إلى جميع الأدوية واختيار الأجود منها وتحضير عدد من المركبات الكيمائية، واستخدام الأجهزة في عمليات التقطير والترشيح وغيرها.
 
وكتب في مجال الاجتماع والحضارة كتابه "تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة فى العقل أو مرذولة " وهو من أهم الكتب التي تعد مرجعا لكل دارس للثقافة الهندية، وما للهنود من عادات وتقاليد ومعتقدات وشرائع وفلسفة وأدب وتاريخ، وكانت للبيرونى جهودًا علمية في الترجمة، فقد ترجم اثنين وعشرين كتابًا من التراث العلمي الهندي إلى اللغة العربية، كما ترجم بعض المؤلفات الرياضية من التراث الإغريقي إلى العربية .
 
*مؤلفاته :  
بلغت مؤلفات البيروني أكثر من أربعين كتابًا في مختلف فروع المعرفة، منها
 
1- "الآثار الباقية عن القرون الخالية"، وهو يبحث في التقاويم الفلكية والأعياد عند الشعوب والأديان المختلفة في ذلك الوقت، كاليونان والرومان والفرس والقبط، والنصارى واليهود وعرب الجاهلية، والكتاب مطبوع الآن.
 
2- "الجماهر في معرفة الجواهر"، وهو كتاب يبحث في الفلزات والمعادن وبخاصة الأحجار الكريمة، وطبع الكتاب في "الهند" سنة (1936م).
 
3- "القانون المسعودى في الهيئة والنجوم"، وهو يتألف من (12) فصلاً يقدم فيها "البيروني" إسهاماته في علم الفلك كله، مع حساب التوقيت وحساب المثلثات والرياضيات والجغرافيا، وطبع الكتاب بالهند سنة (1924م).     
 
4- "التفهيم لأوائل صناعة التنجيم"، وهو موسوعة تعرض لمصطلحات الهندسة والحساب والفلك والجغرافيا والأوقات، وتصف الأجهزة الفلكية، و طبع الكتاب مع ترجمة إنجليزية له في" لندن" سنة (1934م).
 
5- "تحديد نهاية الأماكن لتصحيح مسافات المساكن"، وهو كتاب في الجغرافيا الرياضية حيث يقوم بتحديد العروض الجغرافية والاختلافات في تحديد أطوال المواضع، و طبع الكتاب في "تركيا" سنة (1958م).
 
*وفاته :  
توفى "البيروني" في "غزنة" في 3 من رجب 440ﻫ الموافق 13 من ديسمبر 1048م.

اضافة تعليق