كيف يمكن مواجهة التطرف عن طريق التعليم؟

الجمعة، 08 سبتمبر 2017 12:00 ص

بَدت الندوة، طرحا ونقاشا، حضورا وتفاعلا، نقلة نوعية لجهة الخروج من ضيق وسوداوية الواقع العربي ودمويته، إلى رحابة واتّساع المستقبل، انطلاقا من تحليل وتعميق التجارب الراهنة، واعتمادا على رؤى ومناهج وبرامج ضمن تصورات عدد من المسؤولين الرسميين والباحثين.
 
وكشف النقاش حول القضية عن وعي لدى الحضور ليس فقط من الإرهاب، وإنما الخوف من الحاضر في جانبه التعليمي، ومن المستقبل باعتباره جامعا للأمل والرجاء بناء على تجارب سابقة من جهة، وتشاؤم من اتساع دائرة الإرهاب، لدرجة ستغدو فيها المؤسسات الرسمية في مجالي التربية والتعليم عاجزة عن الصمود أمام الهزات الاجتماعية الكبرى، وما سيتبع ذلك من تدهور في منظومة القيم من جهة ثانية.
 
التأكيد الإماراتي
 
الملاحظ في هذه الندوة هو التأكيد الإماراتي، كما جاء في كلمة جمال سند السويدي، مدير عام المركز الإمارات للدراسات، على ثلاثة أمور في غاية الأهمية:
 
* التفاعل مع التطورات المتسارعة والتحديات المتفاقمة خلال السنوات الأخيرة في منطقتنا العربية خصوصا، والعالم عموما، ومنها متابعة تطور الإرهاب وتداعياته، شكلا ومضمونا وقوى فعالة، وتضاريس جغرافية، ودعم مادي ولوجستي.
 
* رفد المنظومة التعليمية في دولة الإمارات العربية المتحدة والمنطقة بمخرجات من شأنها دعم جهود القطاع التعليمي لكي يتمكن في النهاية من التصدي للفكر المتطرف، وذلك على خلفية اختراقات سابقة للمؤسسات التعليمية في المنطقة من جماعات وتنظيمات مختلفة، السلمية منها والعنيفة.
 
* استخدام التعليم، معارف ومناهج ومقررات، كسبيل لبث الوعي لتحصين النشء والشباب من الأفكار الهدامة، وتعزيز انتمائهم وولائهم للوطن. من هنا جاء التأكيد خلال الندوة على المبادرة التي أطلقها الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، لدعم العملية التعليمية بمادة التربية الأخلاقية.
 
طرحت خلال الندوة ثلاث تجارب عربية تهدف إلى تطوير التعليم لأجل مواجهة الإرهاب، شملت كلمة من حسين بن إبراهيم الحمادي، وزير التربية والتعليم الإماراتي، وفيها تحدث عن أهمية التعليم في تحقيق التنمية المستدامة ومحاربة التطرف والإرهاب، من خلال معالجة شاملة للظاهرة وتثبيت منظومة القيم الأخلاقية السائدة، وأهمية التعليم العصري وأنواعه.
 
وأكد الحمادي أن الإرهاب هو محصلة ونتاج للتطرف الفكري الذي يعدّ العدو الأول للإنسانية. وقال إنه لا بد من وجود معالجة شاملة لهذه الظاهرة تقوم أولا على التنمية المستدامة، وثانيا على التربية والتعليم، مؤكدا أن التعليم لا بد أن يكون مبتكرا وإبداعيا.
 
وأضاف أن منظومة القيم الأخلاقية السائدة والأفكار التي تتضمنها منظومة التعليم في مجتمع ما، هي ما يحدد موقع هذا المجتمع في خارطة العالم، ولا يمكن الحديث عن تقدم قائم على أسس صلبة ومستدامة من دون تعليم عصري يجمع بين الجوانب المادية المتمثلة في العلوم والمعارف الحديثة، والجوانب القيمية المتمثلة في نوعية التعليم.
 
وتعتبر مصر من أوائل الدول العربية التي اختبرت نيران الإرهاب، التي ظل لهيبها يشتعل تحت الرماد في دول عربية أخرى، لتنفجر خلال “الربيع العربي” وتطال ألسنتها دولا عربية، وعالمية، لكن وإن كانت هذه الظاهرة انتشرت في المجتمعات العربية بأشكال مختلفة ومتفاوتة فإن أسس علاجها الأولى مشتركة وانطلاقتها الرئيسية تكون من خلال التعليم.
 
وقد تحدث طارق شوقي، وزير التربية والتعليم والتعليم الفني المصري، عن جهود حكومة بلاده في سبيل الرقي بالمنظومة التربوية بوجه عام، من خلال رؤية متعددة الأبعاد تشترك فيها جميع مؤسساتها ذات الصلة.
 
وكشف عن أبرز ملامح النظام التعليمي البديل الذي تعكف عليه وزارة التربية والتعليم، الذي سيبدأ في شهر سبتمبر 2018 ويستهدف إيصال الشباب إلى مستويات عالمية، بدءا بتدريب النشء على فهم الآخر والعمل على المزج بين الهوية المصرية والانفتاح على الآخر.
 
ومن مصر، التي تخوض معركة ضد الإرهاب متعددة الأبعاد والأطراف، انتقل الحديث إلى البحرين التي تشهد بدورها معركة أخرى ضدّ نوعين من الإرهاب، التطرف الذي تشكله جماعات الإسلام السياسي السنية والتهديد الذي تمثله جماعات شيعية موالية لإيران. وكلا الإرهابان يستهدفان بالدرجة الأولى، وكما أشار جمال السويدي، ولاء الشباب وانتماءهم لأوطانهم.
 
وتحدث ماجد بن علي النعيمي، وزير التربية والتعليم، رئيس مجلس التعليم العالي في البحرين، عن أربعة محاور رئيسية، هي: لمحة عن مسيرة التعليم في مملكة البحرين والاعتداءات الإرهابية على التعليم منذ أحداث عام 2011، وتجربة التربية على المواطنة وحقوق الإنسان في مواجهة الاعتداءات الإرهابية، ثم استعرض أخيرا مشروع المدرسة المعززة للمواطنة وحقوق الإنسان، وعرض مشاهد من الاعتداءات الإرهابية التي تعرض لها قطاع التعليم منذ عام 2011، وقد استطاع أن يُبَيَّن عبر تسجيلات، بالصوت والصورة، عبث الجماعات الإرهابية بمقدرات البحرين وبشبابها ومؤسساتها التعليمية.
 
التفكير الإيجابي.. والجرعة
 
كشفت المداخلات الأولى عن الاهتمام الذي تبديه الحكومات من أجل القضاء على الإرهاب، عبر إستراتجية شاملة تنطلق من الوعي بأهمية التعليم في مكافحة التطرف والإرهاب والدور الذي يلعبه التعليم في بناء أجيال تملك فكرا منفتحا وعقولا واعية قادرة على مواجهة الأفكار الهدَّامة التي تبثها جماعات التطرف والإرهاب.
 
وكانت هذه الأطروحات المحور الرئيسي في الندوة، التي افتتحها مقصود كروز، المدير التنفيذي لمركز هداية الدولي للتميز في مكافحة التطرف العنيف، دولة الإمارات العربية المتحدة، مشيرا إلى أن مكافحة التطرف تتطلب نشر ثقافة التفكير الإيجابي وتعزيزها، وممارسة قيم التسامح والتعددية، وتعزيز مبدأ الوسطية وقيم الاعتدال، وتعزيز دور المرأة في الأسرة والمجتمع، وتعزيز دور التنشئة الأسرية والرعاية الأبوية.
 
أما عمار علي حسن، كاتب وخبير مصري في علم الاجتماع السياسي، فأشار إلى أن التعليم لا يكفي وحده لهزيمة الإرهاب، بل لا بد أيضا من زيادة “الجرعة العلمية” في منظومة التعليم، وضرورة إدراك أن التعليم لا ينفصل عن الثقافة؛ وتحدث عن ضرورة مراجعة ليس المناهج فقط، بل طرق التدريس أيضا.
 
وأثارت مسألة زيادة التصور العلمي والتقليل من الجرعة الدينية، نقاشا مع الحضور، الأمر الذي دفع جريدة “العرب” إلى التساؤل كيف يمكن لنا أن ننقص من الجرعة الدينية، ونترك المجتمع نهبا للجماعات المتطرفة والإرهابية؟، ثم كيف نزيد من جرعة التصور العلمي، والبحوث والدراسات كشفت على أن قادة الجماعات الإرهابية من خريجي الجامعات والمعاهد العلمية؟ وأصر الباحث عمار علي حسن على رأيه بخصوص مسألة التقليل من التصور الديني (الجرعة الدينية)، غير أنه دعا إلى تدريس العلوم الإنسانية والاجتماعية لطلبة الكليات العلمية، وكذلك تدريسهم فلسفة العلوم وأيضا الفنون.
 
حمل المحور الثاني من الندوة عنوان تطوير مناهج التعليم لغرس فكر معتدل. وسلط الضوء على أهمية تطوير المناهج التعليمية ورفدها باستمرار بمواد تساعد على نشر الوعي في المجتمع بما يٌسْهِم في سدّ أي ثغرات تحاول أن تنفذ منها جماعات التطرف والإرهاب إلى عقول الشباب.
 
نحو فكر معتدل
 
تحدث الأكاديمي الإماراتي خليفة علي السويدي مشيرا إلى أن المشكلة تكمن في وجود مناهج تُعزز التطرف؛ لذلك لا بد أن تعمل المناهج على تعزيز الاعتدال، من خلال ربط التعليم بالأهداف الوطنية، التي منها: الانتماء إلى الوطن والولاء لقيادته، وتحويل مادة التربية الإسلامية إلى مادة تزكية للأخلاق وغرس معاني الوسطية، وتنقية التاريخ من الشوائب التي علقت به.
 
وفي إجابة عن سؤال عن أي تاريخ يتحدث؟ ومن الذي يملك في الحاضر الحق والقدرة على تمحيص التاريخ؟، وماذا سيكون مصير حاضرنا إذا انشغلنا بالتاريخ؟، قال خليفة السويدي “ما أقصده بتنقية التاريخ العربي، هو أن تكون قراءتنا انتقائية، فمثلا بدل أن نركِّز على الغزوات، نهتم بالمنجز الحضاري الذي لا تزال آثاره باقية إلى الآن في إسبانيا وغيرها”.
 
وتحدث السويدي عن دور المعلم وقال إن رخصة المعلم أصبحت ضرورية لكل من يرغب في امتهان هذا الدور في المجتمع؛ كما يجب متابعة ومراقبة المدارس الخاصة؛ وتكمل رؤيته كريمة المزروعي، المدير التنفيذي لقطاع التعليم المدرسي بالإنابة، مجلس أبوظبي للتعليم، التي شرحت في مداخلتها كيف استغلت الجماعات المتطرفة النظام التعليمي لاستقطاب أتباع لها من خلال محاولة جذب المعلمين ذوي الولاء، وإعداد مناهج تدعم أيديولوجياتهم.
 
وأشارت إلى أهمية الاستفادة من أفضل الممارسات التي نجحت في مجال مكافحة التطرف في دول أخرى، مثل: الإشراف على أنشطة ما بعد المدرسة، وتطوير المهارات الاجتماعية لدى الطلبة، وإعداد برامج تدخل مجتمعية، وإعادة تصميم المناهج.
 
ومن بين أهم النتائج التي خرجت بها هذه الندوة، هي: توضيح الرؤية أمام جميع القوى الفاعلة، كل في مجال وتخصصه، بكيفية مكافحة الإرهاب، وذلك من خلال دعم التعليم وأهله.. إنها مسؤولية الجميع، فالمواجهة الأمنية غير كافية للقضاء على التطرف والإرهاب، بل إن هذه المرحلة هي آخر المراحل، وأقلها فاعلية ونجاعة مقارنة ببقية الوسائل محاربة التطرف وأدوات الوقاية منه بعيدة المدى.
 
وأي إستراتيجية فاعلة لمواجهة التطرُّف والإرهاب ينبغي أن ترتكز على تعزيز قيم التسامح والوسطية والاعتدال، وتشمل إلى جانب البعد الأمني أبعادا ثقافية واجتماعية ودينية وتنموية، ولا شكَّ في أن التعليم يعدّ إحدى أهم الوسائل التي من شأنها أن تساعد على تنفيذ هذه الإستراتيجية بنجاح؛ إذ أن تعليما متطوّرا يسعى إلى غرس قيم الانفتاح وقبول الآخر والتسامح في نفوس النشء والشباب من شأنه أن يجفّف أي بيئة خصبة تستغلها جماعات التطرف والإرهاب لنشر أفكارها.

اضافة تعليق