العام الدراسي الجديد يزيد الضغط على الأسرة التونسية

الجمعة، 08 سبتمبر 2017 12:00 ص

يتدبر التونسي أمره مع رمضان ومصاريفه، ليأتي مباشرة عيد الفطر الذي يرهق العائلة بشراء ملابس جديدة للأطفال الذين لا يتنازلون عن هذه الهدية السنوية التي ينتظرونها طويلا ويرفضون ملابس “البالة” خاصة في هذه المناسبة، إضافة إلى الحلويات، حسب جريدة العرب اللندنية.
 
الحلقة الثالثة من المصاريف التي أصبحت ضرورية خاصة لدى العائلات المتوسطة هي قضاء عطلة الصيف وما تتطلبه من مصاريف تفوق العادة في سائر أيام السنة، أما العائلات الفقيرة، فهي لا تعرف البحر ولا الفنادق ولا السهر في الفضاءات العامة، همها الوحيد الذي يؤرقها يوميا توفير لقمة العيش التي أصبحت بسعر الدواء كما يقول المواطن مختار الشهيبي، وهو رب أسرة من ذوي الاحتياجات الخاصة يعيش على إعانة اجتماعية لا تكفيه لأسبوع مهما اقتصد في ذلك، مؤكدا أن العودة المدرسية لأطفاله الثلاثة تؤرقه كل سنة وهو الذي يصر على ألا يعيش أبناؤه بقية حياتهم في الفقر الذي يعيشونه اليوم ولا يكون ذلك إلا بالدراسة كما يؤكد.
 
ورغم مجانية التعليم في تونس فلا يقدر إلا ميسورو الحال على تعليم أطفالهم لأن المصاريف المترتبة عليه وغلاء أسعار المستلزمات الدراسية، بالإضافة إلى الدروس الخصوصية التي انتشرت في السنوات الأخيرة وأصبح يفرضها الأساتذة في المعاهد الثانوية والمعلمون، بالإضافة إلى معلوم النقل المدرسي ومصاريف الأكل كلها مستلزمات تعتبر باهظة وهي في ارتفاع مستمر من سنة إلى أخرى.
 
دين على دين
 
تشهد إمكانيات التونسي المادية ومقدرته الشرائية تراجعا كبيرا كل سنة، يبدو ذلك واضحا من خلال كثرة التداين وتراجع نسبة الادخار، حيث كان التونسي يدخر مبلغا لحالات الطوارئ التي قد تفاجئ العائلة، لكن هذا المبلغ تراجع اليوم بل لم يعد موجودا عند الكثيرين.
 
ويلجأ أغلبية التونسيين من ذوي الدخل المحدود إلى الاقتراض في مناسبات مثل عيد الأضحى والعودة المدرسية سواء من الأهل بالنسبة للعمال البسطاء، أما الموظفون فعادة ما يلجأون إلى البنوك التي تغرقهم بفوائد لا طاقة لهم بها وهذا ما يؤكده ارتفاع نسبة التداين لدى التونسيين من الطبقة المتوسطة لتصل خلال سنوات ما بعد الثورة إلى أكثر من 50 بالمئة من الدخل الفردي السنوي، تذهب جميعها لتسديد ديون المعيشة اليومية لتبقى حلقة التداين تجرهم إلى الخلف.
 
يقول منير الكبير مدرس ابتدائي، إنه منذ دخل طفلاه إلى المدرسة لم يدخر دينارا واحدا لمفاجآت الحياة، وزاد الأمر سوءا شراؤه للمنزل بقرض بنكي، ومنذ ذلك وهو يعيش رهين البنك الذي يلجأ إليه في كل ضائقة، فتزداد نسبة الدفوعات ويتورط أكثر، لكنه يعتبر محظوظا لأن الأطفال كبروا اليوم ولا يشترطون ملابس جديدة مثلا أو محافظ غالية الثمن.
 
تعارضه زوجته السيدة زبيدة قائلة إن ضغط المصاريف الدراسية على أسرتها لم ينخفض، بل زاد لأن ابنتها التي تدرس بالجامعة في سنة التخرج لغة أنكليزية لن تتحصل هذه السنة على مبيت جامعي وبالتالي فهي مضطرة إلى تأجير بيت في ظل ارتفاع معلوم الإيجار الجنوني.
 
وتؤكد السيدة زبيدة أن تكاليف الأدوات المدرسية شهدت في السنوات الأخيرة غلاء لا تطيقه ميزانية الموظفين، فما بالك بالأسر الأخرى الفقيرة خاصة أن كلفة التلميذ الواحد تتجاوز المئتي دينار دون ذكر الملابس التي يفضلها الصغار جديدة عادة، ويصرون على ذلك دون مراعاة قدرة الأولياء على توفيرها من عدمها.
 
وباعتبار خبرتها في قطاع التدريس تقول زبيدة إن الأطفال الذين يعودون بلا ملابس جديدة يتفاخرون بها أمام أقرانهم يظلون منزوين حتى في الفصل الدراسي، فيؤثر ذلك على نشاطهم لتكون نتائجهم ضعيفة. وغالبا ما ينقطعون عن الدراسة قبل الوصول إلى امتحان الشهادة الثانوية مفضلين الدخول إلى سوق الشغل على مواصلة تعليمهم في ظروف سيئة.
 
وتضيف أن ما يرهق كاهل الأسرة التونسية هو أن المربين لا يراعون ظروف المواطن التونسي البسيط أمام غلاء أسعار المواد المدرسية المشطة، فيطلبون الدفاتر والأقلام ذات النوعية الجيدة وغير المدعمة من الدولة. ويشتكي الأولياء من مطالب المدرسين المتعلقة باللوازم المدرسية، داعين إلى التقيد بالضروري منها دون اشتراط مواصفات معينة في الكراس أو الأقلام.
 
السيدة سعاد، ربة بيت وزوجها عامل بمصنع، تعيش الحيرة منذ دخل طفلاها المدرسة، ففي كل سنة وعلى الرغم من الجهود التي تبذلها لتوفير بعض المال خلال الصيف، فإن مطالب المدرسين تفاجئها إذ لا يريدون سوى الدفاتر غالية الثمن ولا يقبلون الدفتر المدعوم متوسط الجودة على الرغم من أنه يفي بالغرض كما تقول.
 
وتؤكد أن أيام دراستها في الابتدائي كانت تكتفي بكراس واحد تكتب فيه كل المواد وكانت تستعير الكتب من ابن عمها الذي يتقدم عليها بفصل، فتدرس بكتبه ليستلمها منها في السنة الموالية من يستحقها لأن “العلم في الرأس وليس في الكراس”، أما اليوم فأصبحت الكتب مثل الدفاتر تستهلك لسنة واحدة متهمة المسؤولين في الحكومة بالتواطؤ مع القطاع الخاص في رفع كلفة التعليم على الرغم مما يقال عن مجانية التعليم.
 
وأيام قليلة تفصل الطلبة التونسيين عن العودة إلى مقاعد الدراسة، إلا أن المكتبات المخصصة لبيع الأدوات المدرسية مازالت تشهد ركودا وضعفا في إقبال المواطنين الذين أرهقهم عيد الأضحى، بالمقابل تشهد شوارع العاصمة ظهور بسطات تعرض أدوات مدرسية مجهولة المصدر تسر التلاميذ بألوانها الجذابة وأشكالها المختلفة، وتبعث في الأولياء بعض الأمل بأسعارها المتدينة مقارنة بالتي تعرض في الفضاءات التجارية المراقبة، ولكنها في الحقيقة تفتقر لأبسط مقاييس الجودة وتشكل خطرا على صحة التلاميذ.
 
أغلب المواطنين المتهافتين على السلع مجهولة المصدر والقادم أغلبها من الصين، يقولون إنهم بعد المصاريف التي خصوا بها شهر رمضان، ثم ألبسة عيد الفطر وبعد ذلك عيد الأضحى، استنفدت ميزانية البيت ولم يبق منها إلا الشيء القليل، ما جعلهم يقصدون الأسواق الموازية لشراء الأدوات المدرسية، مؤكدين أنهم سيحاولون إقناع أطفالهم ليكتفوا بمحافظ ومآزر السنة الماضية.
 
تقول فاطمة المطماطي “في كل سنة أفضل شراء مآزر ومحافظ جديدة لأطفالي، أما الأدوات المدرسية من كراريس وكتب فأقتنيها بالتقسيط وبما أدخره خلال الصيف، لكن هذه السنة وأمام ضغوط المصاريف وغلاء الأدوات والدفاتر والكتب فإني سأكتفي بشراء الأدوات على أن يعود أطفالي بملابس السنة الماضية، متمنية أن يقتنعوا بذلك”.
 
“ما يباع على قارعة الطريق هو نفسه ما يباع داخل المكتبات، لكن هناك فارقا في الأسعار”، هكذا يقول محمد صالح قلبي الذي يعيل خمسة أطفال يرتاد جميعهم المدارس منهم من في الثانوية وثلاثة منهم في الابتدائية.
 
ويضيف “لا يهمني من أين أتت هذه الأدوات، ما يهمني هو أن أرى أطفالي على مقاعد الدراسة في اليوم الأول للعودة المدرسية ومعهم أدواتهم المدرسية، فأنا عامل بمقهى ولا أريد لأطفالي أن يعانوا ما عانيت”.
 
أدوات مسرطنة
 
ممحاة على شكل حلويات وأقلام على شكل صواريخ وأخرى على شكل سيارات وعلب غراء على شكل رضاعات، ومحافظ بصور أبطال أفلام الكرتون، والكثير من الأدوات المدهشة والمبهرة أيضا، يتهافت عليها الأولياء وأبنهاؤهم، لكن الأخصائيين يحذرون من مخاطرها.
 
الأطباء ومنظمة الدفاع عن المستهلك يحذرون مع كل بداية سنة دراسية من انجذاب الأطفال لأشكال هذه الأدوات، مؤكدين أن تركيبة موادها الأولية تفتقر لأبسط معايير الصحة العالمية، فهي مواد مجهولة المصدر تحتوي على الملوثات، ولا تخضع للرقابة أو المتابعة ويمكن أن تلحق الأذى ببشرة الأطفال.
 
ويؤكد الأطباء أن مستلزمات المدارس التي تصدرها الصين إلى الأسواق التونسية خاصة والعربية بصفة عامة تصنع من أخطر المواد؛ أولها البتروكيماويات وهي لدائن تصنع من مواد بترولية سامة للجسم، ويمكن أن يتعرف عليها المستهلك عن طريق الروائح أو تغير اللون عند الاستعمال، وثبت لمنظمة الصحة العالمية أنها تسبب السرطان ومحظور استخدامها.
 
ويحذر هؤلاء من الإقبال على اللعب والأدوات المدرسية المجهولة جراء ما تسببه من أضرار وأمراض خطيرة لما تحتويه من رصاص وبلاستيك وتسبب الأنيميا بكافة أنواعها والتأخر الذهني بعد فترة من استخدامها وتؤثر أيضا على الجهاز الهضمي والكلى. وتشدد منظمة الدفاع عن المستهلك على استيراد الأدوات المدرسية وفق تراخيص من وزارة الصحة.
 
ولاحظ أخصائيون اجتماعيون أن سلوك التونسي يتجه لمقاومة كثرة المصاريف خلال العودة المدرسية بالاتجاه نحو الأسواق الموازية لاقتناء المتطلبات المدرسية، فترى العديد من الباعة يعرضون بضاعتهم على قارعة الطريق فيما يشبه مكتبات متنقلة يقبل عليها التونسي رغم ما تحتويه من مخاطر ومواد غير خاضعة للمراقبة ومنها حتى المواد المسرطنة.
 
عامر الديواني صاحب مشروع تجاري وأب لثلاثة أطفال يدرسون، يقول إن في بداية كل موسم دراسي يواجه مشاكل أبنائه الصغار، فهم يرغبون في اختيار أدواتهم المدرسية بأنفسهم ومنها المسطرة التي تلمع والمبراة المضيئة وغيرهما، إلا أنه يرفض ذلك “فالمشكلة ليست في سعر هذه الأدوات، ولكن في المخاطر الصحية الناجمة عنها”.

اضافة تعليق