قال الدكتور محمد الضويني، وكيل الأزهر، إن السلام المجتمعي يأتي في مقدمة القيم الحضارية التي يسعى العقلاء من بني الإنسان إلى تحقيقها منذ عصر الكهوف والغابات إلى عصر المدنية والإنترنت، مضيفًا أن التعددية ظاهرة بشرية، تتجلى في الألوان والمذاهب واللغات والعقائد؛ فلا يوجد مجتمع خالص، وإن من ضمانات تحقيق السلام المجتمعي مع وجود هذا التعدد أن يكون لدينا إدارة حضارية للتعدد، في ظل مواطنة تحفظ للجميع الحقوق والواجبات دون تمييز بسبب من الأسباب.
وأوضح وكيل الأزهر في احتفالية بيت العائلة المصرية بمناسبة عيد تأسيسه العاشر أن النصوص الدينية تفيض سماحة، وتدعم السلام المجتمعي، وتنظر إلى التعدد بحسبانه «مصدر ثراء»، وليس «سبب ضعف»، وتقر المواطنة العادلة، فالإسلام يدفع أتباعه إلى التسامح مع الآخر، بدءًا من قبول اختلافه، ومرورًا بالتعايش والتفاعل الإيجابي معه، انطلاقًا من مبدأ التعارف والبر، فالاختلافات -من وجهة نظر الإسلام- تعد منطلقًا للتعارف والتآلف والتعاون في كل ما من شأنه أن يعود بالخير على الجميع، بل إنَّ القرآن يأمر بالعفو والصفح في موقف يتوقع فيه البطش والنكال.
وأكَّد فضيلته أن فهم «النص الديني» وبيان سماحته من أهم الأمور التي حرصت هيئات الأزهر الشريف وقطاعاته على بيانها وتعزيزها وترسيخها بين أفراد المجتمع المصري، وكان في مقدمة هذه الهيئات «بيت العائلة المصرية» بالتعاون الدائم والمستمر مع "الكنيسة الأرثوذكسية" وبرعاية كريمة من فخامة رئيس الجمهورية السيد/ عبد الفتاح السيسي، ومؤسسات الدولة المصرية، وذلك لما طال «النص الديني» من التشويه والفهم الشاذ المتشدد من قبل الجماعات المتطرفة التي حرصت على إقصاء الآخر واتخذت من الاعتداء عليه منهجًا لها وسبيلًا لتحقيق مآربها الخبيثة.
واختتم وكيل الأزهر كلمته أن المتأمل في جهود الأزهر المتعلقة ببيان صحيح الدين وسماحته وإبراز قيم التسامح والعيش المشترك يجد أنه قد استطاع نقل هذه القيم من مجرد التنظير والتأصيل إلى الممارسة والتطبيق والتفعيل في الواقع المعاش، مؤكدًا أن العالم أجمع شاهد على ما قامت به الدولة المصرية في تحقيق السلم المجتمعي بين جميع أفراد المجتمع المصري ونسج خيوط الألفة والائتلاف، وما أسهمت به في تعزيز قيم التسامح والتعايش بين المسلمين والمسيحيين.
ويهدف بيت العائلة المصري إلى الحفاظ على النسيج الوطني الواحد لأبناء مصر، فضلًا عن الحفاظ على الشخصية المصرية وصيانة هويتها، واستعادة القيم العليا الإسلامية والقيم العليا المسيحية، والتركيز على القواسم المشتركة الجامعة، والعمل على تفعيلها، وتحديد التنوع والاحترام المتبادل لحق الاختلاف – التكاملي، واستنهاض قيم المواطنة والتقاليد الأصيلة، وتقوية الخصوصيات الثقافية المصرية.
ويناقش المؤتمر مجموعة من المحاور على مدار أربع جلسات منها:- سماحة النص ودوره في دعم السلام المجتمعي، وأثر المواطنة في توطيد العيش المشترك، كما يتناول مواقف تاريخية وتطبيقًا عمليًّا لأهم إنجازات بيت العائلة، فضلًا عن التعاون بين بيت العائلة المصرية والمنظمة العالمية لخريجي الأزهر في الحث على السلام، كما يناقش دور بيت العائلة المصرية في الحفاظ على الهوية الوطنية، وفي مواجهة العنف ضد المرأة، بالإضافة إلى مناقشة مبادرة: معًا من أجل مصر ودورها في تعزيز الأمن الفكري.
بدوره شارك الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية د. نظير عيّاد في فعاليات احتفال بيت العائلة المصرية بمرور عشر سنوات على إنشائه، والذي عقد بمقر مركز الأزهر للمؤتمرات بمدينة نصر؛ وبحضور فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب_شيخ الأزهر الشريف، وقداسة البابا تواضرس الثاني بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية وعدد من قيادات الأزهر الشريف والكنيسة المصرية.
وقال الأمين العام على هامش مشاركته في المؤتمر إن الإسلام ونصوصه السمحة قد أسست العلاقات الاجتماعية بين الناس جميعًا بما يحقق "احترام ثقافات الشعوب ومعتقداتها وذلك لفتح آفاق التعاون بين البشر؛ فمن حق كل أمةٍ أن تكون لها ثقافتها ومنظومتها الاجتماعية والسياسية والقيمية الخاصة بها والحوار المستمر بين الثقافات هو الذي يبقي عليها، ويضمن تجديدها المتواصل، ويرسخ قيم التسامح والاحترام المتبادل والتعددية الثقافية.
اقرأ أيضا:
لماذا وقعت رحلتا الإسراء والمعراج.. تعرف على أهم الأسبابوأوصى عيّاد بمجموعة من المقترحات يمكن أن تسهم في تعزيز القيم بين أبناء الوطن واحد منها: ضرورة اهتمام المؤسسات الإعلامية والمنصات الإلكترونية بتقديم محتوى دينيٍ وثقافيٍ راشدٍ يسهم في بيان سماحة النص الديني، ويرسخ لثقافة التواصل والحوار الهادئ والهادف بين الجميع، ويبرز القواسم الدينية والحضارية والثقافية المشتركة بين جميع أطياف المجتمع المصري.
كما أوصى بضرورة اعتناء المؤسسات العلمية والأكاديمية بدراسة إشكاليات الفهم والتطبيق للنصوص الدينية عند الجماعات المتطرفة، والتركيز على ما يحقق ويعزز مبادئ الأخوة الإنسانية بين الجميع، وأن تحذر من تداول المصطلحات والمفاهيم التي تتنافى وقيم التسامح والعيش المشترك في بحوثها ودراساتها.
واقترح الامين العام أن يتم تدويل "بيت العائلة المصرية" وتقديمه للعالم أجمع كنموذجٍ حضاريٍ يجمع بين المسلمين وإخوتهم المسيحيين في جوٍ من التسامحٍ والتعايش والإخاء؛ ليتعلم العالم من هذه التجربة الفريدة التي استطاعت أن تعود بالمجتمع المصري إلى جذوره وفطرته السوية بعيدًا عما كانت تخطط وتسعى إليه الجماعات المتطرفة.
.
.