أخبار

أسرار "سعيد بن زيد" مع الله.. لماذا كان مستجاب الدعوة؟

كيف تعلم طفلك الكرم؟

34 بلاءً استعاذ منها النبي

ابن سيرين.. رائد علم تفسير الأحلام

3تحذيرات إلهية لبني آدم في الأرض بعدما طرد أبويهم من الجنة

أنتظر أن يعاملني الناس بنفس معاملتي لهم؟

مهما كانت حياتك معقدة.. تيقن أن لا شيء يذهب سدى

كيف يقوي الأب علاقته بابنه في شهوره الأولى؟

متى تعرف أنك بحق إنسان؟

هل يجوز حضور جنازة غير المسلم بالكنيسة؟

هل لأطفالنا إرادة؟.. وهل نتركهم ينفذونها؟

بقلم | ناهد إمام | الاثنين 25 يناير 2021 - 08:11 م
Advertisements
يظن الكثير من الآباء والأمهات،  أن الطفل ليست له إرادة،  أو أنها تنمو عندما يكبر،  ويصبح شاباً أو رجلاً، بينما الحقيقة هي أن  الطفل لديه إرادة، ومنذ وقت مبكر جدًا (ويمكن أن تلاحظ الأم هذا من خلال رفضه لأشياء وتمسكه بأشياء)،  وليس مسلوب الإرادة، أو يتحرك بريموت كونترول كما يريد الأب والأم، وحتى وهما معترفين بوجود هذه الإرادة، يريدون أن يلغوها، لأنهما يعتقدان أن عندهم خبرة، ومعرفة بالحياة أكثر من هذا الطفل،  فلابد أن يختاروا له طريقته في التفكير ، وفي الحياة، وتحديد الأهداف والأساليب وكل شيء.

 ويصل الكثير من الآباء والأمهات إلى درجة محاولة جعل هذا الطفل صورة طبق الأصل منهم، وهم يعتقدون -واهمين- أنهم أفضل صورة إنسانية ممكنة،  أو أفضل نموذج ممكن، وعندما يواجه الطفل بمحاولة إلغاء إرادته،  يبدأ في هذه اللحظة في اتباع سلوك العناد، وهذه مشكلة يشكو منها كثير من الآباء والأمهات، ويحاولون علاجه من هذا المرض،  ويحضرون هذا الابن لكي يقوم الطبيب النفسي أو المعالج بترويضه لكي يسمع الكلام،  ويقوم بتنفيذ كل ما يريدونه، وهذا غير ممكن عملياً, فإرادة الله أعطت لهذا الطفل هذه الملكة، بأن تكون له إرادة مستقلة، خلقه الله صاحب إرادة، فلماذا نحاول أن نغير خلق الله، وهذا لا يعني أن نتركه أيضًا تمامًا ليفعل كل ما يشاء بناءً على كونه لديه إرادة مستقلة.

 وقد قام العلماء بتقسيم الهداية، وهي نوع من التربية والتوجيه، فقالوا إن الهداية نوعان: النوع الأول "هداية إبلاغ"، والثاني "هداية فعل". هداية الإبلاغ هذه أن نقول للطفل هذا صواب وهذا خطأ، لكي يكون عنده قانون يتكيف به مع الحياة والبيئة ومع الكون كله، فلابد أن يبلغ الأب والأم هذا القانون للطفل، ولكن لا يتوقعوا الامتثال التام لهذا القانون بمجرد إبلاغه، لأن هناك هداية أخرى هي هداية الفعل، أن يستجيب الطفل للرسالة التي وصلته لا يعني بالضرورة أن يستجيب لها كلها، قد يستجيب لأشياء ويؤدي أشياء ويغير ويعدل أشياء ويرفض أشياء أخرى، لأن الله خلق له إرادة،  ورؤية, وفكر،  حتى وهو صغير ، لابد أن نتأكد من هذا تمامًا، فسيبدأ في الاختيار، وسيبدأ بالتجريب.

 فالأب والأم  قد وصلوا لما هما فيه الآن بعد مراحل كثيرة من التجارب والأخطاء والنضج والتعلم، ويريدان أن يأخذ الطفل أو الطفلة نفس النمط الذي وصلا إليه في هذه المرحلة من العمر، مثلاَ هما في الأربعين أو الخمسين، يريدان أن يكون لطفل أو طفلة في عمر خمس سنوات أو عشر سنوات نفس آرائهما وتوجهاتهما، وهذا ضد الفطرة، وضد طبيعة الإنسان، وضد إرادته واختياره ومسئوليته التي خلقه الله عليها، ولو أصر الأب والأم على هذا تحدث المشكلة التي نراها دائماً ويشتكي منها الكثير من الآباء والأمهات، أن الطفل عنيد أو الطفلة عنيدة  لا يسمعون الكلام، لا يريدون تنفيذ سوى ما يرونه، والحقيقة أن من خلق هذا الموقف المعاند، هو أن الأب والأم دخلا في شرنقة الماضي، ولم يتمكنا من رؤية احتياجات الطفل وضروراته ومجتمعه وظروفه والدنيا التي يعيش فيها، فهو يعيش في دنيا مختلفة كثيراً عن دنياهما، وبما أن لديهما سلطة على هذا الطفل فإنهما يحاولان التحكم فيه، وجعله يمشي على شريط القطار الذي حدداه له، والنتيجة ستكون شيئاً من اثنين،

 إما أن يستسلم الطفل تحت هذا الضغط والقهر من الأبوين، فيكون طفلا سلبيا واعتماديا ليس له إرادة ولا اختيار ولا مبادرة ولا تلقائية ولا أي شيء على الإطلاق، قد أسلم كل شيء لهما، وفي نفس الوقت يقوم بعمل شيء يسمى العدوان السلبي (مش انتوا عايزين ده؟. شوفوا بقى إيه اللي هيحصل)، ومن الممكن أن يفشل دراسياً، أو اجتماعياً، أو أخلاقياً، هو قد سلم نفسه، ويريد أن يحمل نتيجة هذا الفشل للأب والأم اللذان أصرا على التحكم في خط سيره وعلى جعله صورة طبق الأصل من الذي يريدانه.

 ومن الممكن أن يتمرد الطفل، أن يرفض عمل أي شيء، ويصبح عدوانيًا، يفعل ضد كل ما يقولانه له، ويصبح عنيفا جداً، (عايزيني أذاكر، لأ مش هذاكر، عايزيني أنجح، لأ مش هنجح، عايزيني أبقى أخلاقي كويسة، لأ همشي مع أسوأ ناس واعمل كل اللي انتوا بتكرهوه)، لأن هناك صراع إرادات، إما أن أكسب أنا أو أنتم، وطالما لدي شيء أستطيع عمله، فسأقوم به، وسنرى في النهاية من سيكسب،  وتكون رحلة صراع مؤلمة وضارة للطرفين ويتراكم فيها، مشاعر سلبية عند الطفل تجاه الأبوين، وعند الأبوين تجاه الطفل، ويدخل الجميع في أزمة، لا يستطيعون الخروج منها، إلا لو دخل طرف ثالث، يفك هذا الاشتباك، ويبدأ في إخراج هذه المشاعر السلبية التي تراكمت ومشاعر الصراع والعداء التي تكونت نتيجة لإصرار كل طرف على إلغاء إرادة الطرف الآخر.

اقرأ أيضا:

كيف تعلم طفلك الكرم؟


 وهناك أمثلة عظيمة جداً من سلوك بعض الأنبياء في هذه المسألة لأن بعض الناس يظنون أحياناً أن واجبهم الديني أن يحموا أولادهم من الخطأ, وهذا صحيح، قال تعالى: "يأيها الذين آمنوا، قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة"، لابد من توعية الابن للشيء الذي يمكن أن يؤدي لهلاكه في الدنيا وفي الآخرة، وهذه وظيفة الأب بسبب خوفه على الابن، ولأنه أغلى شيء بالنسبة له, ووظيفة الأم أيضا. لكن سنقول أن ما علينا هو هداية التبليغ، لكن هداية الفعل نترك أمرها لله سبحانه وتعالى، وندعوا أن يوفق الله الابن لها، لأننا لا نملكها. فأنت أيها المربى تقوم بعمل ما عليك،  لكن في النهاية ستحترم إرادة الابن أو البنت واختياره، حتى لو كان هذا ضد اختيارك أو عكسه، الكثير من الناس لن يحتمل هذه الفكرة وسيدخلون في صراع مع الأبناء.

 سنعطي مثلاً لاثنين من الأنبياء الكرام الأول: نوح عليه السلام، وابنه، نوح جهز السفينة، ويعرف بمجيء الطوفان، فنادى لابنه، ولم يكن ابنه على نفس الطريق، فقال: "يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين"، وهذه كانت إرادة نوح عليه السلام، ورؤيته، بناءاً على خبرته ومعرفته والوحي الذي ينزل عليه، وهو نبي، ويخاف على ابنه، لكن تظهر إرادة الابن ورؤيته واختياره: "سآوي إلى جبل يعصمني من الماء"، فرد الأب: "لا عاصم اليوم من أمر الله"، اليوم مختلف عن كل الأيام السابقة، هذا خطر مختلف تماماً، ربما كان من الممكن السماح في الاختيار قديماً، لكن اختيار اليوم مهلك في الدنيا وفي الآخرة، ستموت على الكفر، ومع صعوبة الموقف، نوح يرى ابنه سيموت بعد لحظات على الكفر، يصر الابن على أن يأخذ هذا الموقف الرافض لموقف الأب، وكان متوقعا أن سيدنا نوح لو كان يفكر مثلنا، أن يرسل له أتباعه ليحضروه إلى السفينة بالقوة، لكن هذا لم يحدث، سيدنا نوح أدى البلاغ، وهو يعرف أن هداية الفعل بيد الله سبحانه وتعالى، ونجا الأب بما رأى وهلك الابن بما رأى وفعل, لكن الله خلق الإنسان بهذه الإرادة ولحكمته أراد لها أن تعمل، وكان هذا مثلاً في العصيان، سنأخذ مثلاً آخر في الطاعة، ونرى أنه أيضاً في حالة الطاعة لا تلغى الإرادة عند الطفل أو عند الابن.

 سيدنا إبراهيم، عندما رأى في المنام أنه يذبح ابنه إسماعيل، وهو يعرف أن رؤيا الأنبياء حق، وأنها واجبة التنفيذ، المتوقع -حسب ما نفهم- أن أمر الله لابد من أن ينفذ، ويذبحه فوراً، لكن سيدنا إبراهيم لم يفعل هذا احتراماً لإرادة ابنه إسماعيل فذهب إليه بمنتهى المودة والرحمة والعطف: "يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى"، نرى كيف قال له سيدنا إبراهيم: "يا بني"، و"إني أرى في المنام"، لأنه لو كان قال له إن الأمر من الله مباشرة، لما كان من الممكن أن يختار، لكنه أعطى فرصة لإسماعيل ليقول رأيه، مثلاً، هذا منام ويمكن تأجيله أو التفكير فيه، فانظر ماذا ترى؟، مع أن سيدنا إبراهيم يعرف أنه لا رأي هنالك، هذا أمر إلهي، يقول سيدنا إسماعيل عليه السلام: "يا أبتي افعل ما تؤمر، ستجدني إن شاء الله من الصابرين"؛

 هنا اختار وكان له فضل الاختيار يثاب عليه، ولم يذبحه مباشرة بدون اختيار، حتى لا يكون قد ذبح غدراً، دون إرادة، ولكن ترك له فضل الاختيار. وهذا درس يعلمنا أن الطفل له إرادة وأننا كآباء وأمهات ليست وظيفتنا أن نلغي هذه الإرادة عند الطفل، ولكن أن نوجه ونهذب، أن نقول ونبلغ ونوضح ونبين، لكن في النهاية، سنسلم، لأن هذا الطفل له إرادة وأن الله شاء بحكمته أن تكون هذه الإرادة موجودة، وتأتي آية مهمة تحسم هذا الموضوع تقول: "ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس أن يكونوا مؤمنين"، فاحترام إرادة الإنسان حتى في الإيمان والكفر "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي"، لا يوجد إكراه حتى في الأشياء شديدة الأهمية، إذن فمن باب أولى أن ألأشياء الأقل أهمية لا يوجد فيها إكراه.

 ولكي يؤكد لنا ربنا هذه الحقيقة،  ضرب أمثلة لاستحالة إكراه البشر على شيء،  وكانت الأمثلة تمثل غالبية العلاقات بين البشر, فهذا رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم لم يستطع هداية عمه أبو طالب رغم كل ما بذله معه من جهد, ولذلك قال له الله تعالى "إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء", وسيدنا إبراهيم لم يقدر على هداية أبيه, وسيدنا لوط لم يقدر على هداية زوجته, وسيدنا نوح لم يقدر على هداية ابنه،  وهكذا تتعدد النماذج في علاقات مختلفة لتثبت في النهاية أن هداية الفعل لا يملكها إلا الله سبحانه وتعالى, لذلك حين يفعل الأب ما عليه أو تفعل الأم ما عليها فلا يبقى إلا أن يدعوا لابنهما بالهداية والتوفيق, ولا يحاولان قهره أو إلغاء إرادته.

 وهكذا يكون عدم تفهم أن للطفل إرادة،  في هذا الصراع  بين الآباء والأمهات من ناحية والأبناء من ناحية أخرى،  بما لذلك من تداعيات سلوكية كثيرة، إما سلبية واستسلام وشخصية اعتمادية،  وإما عناد وتمرد ومكايدة وصراع ، ومشاكل ليس لها أول من آخر.


د.محمد المهدي
أستاذ الطفل النفسي - جامعة الأزهر
*بتصرف يسير

اقرأ أيضا:

أنتظر أن يعاملني الناس بنفس معاملتي لهم؟

اقرأ أيضا:

مهما كانت حياتك معقدة.. تيقن أن لا شيء يذهب سدى












الكلمات المفتاحية

أطفال إرادة نوح إبراهيم عم النبي الإكراه العناد

موضوعات ذات صلة

amrkhaled

amrkhaled يظن الكثير من الآباء والأمهات، أن الطفل ليست له إرادة، أو أنها تنمو عندما يكبر، ويصبح شاباً أو رجلاً، بينما الحقيقة هي أن الطفل لديه إرادة، ومنذ و