أخبار

وداعًا لرائحة القدم الكريهة.. علماء يبتكرون طلاءً للجوارب يقتل البكتيريا

كيف انتقل مصطفى محمود من مرحلة "الشك" إلى "الإيمان"؟

كيف يحقق الحقن المجهري حلم الآباء في إنجاب ما يتمنون؟

دراسة: الكلاب أقدم رفيق للإنسان

"إنا كفيناك المستهزئين".. تعرف على عقوبات الذين آذوا الرسول

عمرو خالد: جبر خاطر المرأة ليست شفقة بل رجولة ورحمة

دعاء في جوف الليل: اللهم إني أعوذ بك من وساوس الصدر وشتات الأمر

هكذا كان الحب في عيون النبي (صل الله عليه وسلم )

عمرو خالد: سنة النبي الكريم طريقة حياة.. وهذا هو الدليل الحاسم

‫ حقائق وأرقام عن حروب النبي ستدهش العالم.. أقوى رد على دعاة العنف

الهجرة النبوية وإعلان دولة العدل.. هكذا أسس النبي دستورها

بقلم | أنس محمد | الاثنين 17 اغسطس 2020 - 12:04 م
Advertisements

لم تتوقف الهجرة النبوية على الانتقال من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة بناء الدولة، ولكن اتسعت الهجرة أيضًا إلى وضع قواعد أول دولة يقوم دستورها على العدل والوطن الكبير الذي يسع الجميع بمختلف عقائده وانتماءاته.

فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة حسن المعاشرة والتعامل مع أهل الكتاب؛ يعطيهم العطايا، ويهدي إليهم، ويعود مرضاهم، ويتفقد محتاجيهم، ويقوم لجنائزهم، ويحضر ولائمهم، وكان يقترض منهم؛ حتى توفي النبي صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونةٌ عند يهودي في المدينة.

دستور العدل والرحمة

ومن حوادث عدله ورحمته صلى الله عليه وسلم بأهل المملل الأخرى، ومن بينهم اليهود، ما ورد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: مرَّ عمر بن الخطَّاب مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم على يهودي وعلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قميصان فقال اليهودي: يا أبا القاسم اكسني، فخَلع النبي صلى الله عليه وآله وسلم أفضل القميصين فكساه، فقلت: يا رسول الله، لو كسوته الذي هو دون فقال: «لَيْسَ تَدْرِي يَا عُمَرُ أَنَّ دِينَنَا الْحَنَفِيَّةُ السَّمْحَةُ لَا شُحَّ فِيهَا؟! وَكَسَوْتُهُ أَفْضَلَ الْقَمِيصَيْنِ لِيَكُونَ أَرْغَبَ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ» أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء".

وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كان سهل بن حنيف، وقيس بن سعد رضي الله عنهما قاعدَيْن بالقادسية، فمروا عليهما بجنازة، فقاما، فقيل لهما: إنها من أهل الأرض؛ أي من أهل الذمة، فقالا: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرت به جنازة فقام، فقيل له: إنها جنازة يهودي! فقال: «أَلَيْسَتْ نَفْسًا» متفق عليه.


تسامحه مع اليهود رغم إيذائهم له

وعن عروة بن الزبير، قال: لما فتح الله عز وجل خيبر على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقتل من قتل منهم، أهدت زينب بنت الحارث اليهودية -وهي بنت أخي مرحب- شاة مصلية، وسمَّته فيها وأكثرت في الكتف، والذراع، حين أُخْبِرَتْ أنها أحب أعضاء الشاة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعه بشر بن البراء بن معرور أخو بني سلمة رضي الله عنه، قدمت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتناول الكتف، والذراع فانتهس منها، وتناول بشر عظمًا آخر فانتهس منه، فلما أدغم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أدغم بشر ما في فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ؛ فَإِنَّ كَتِفَ الشَّاةِ تُخْبِرُنِي أَنْ قَدْ بُغِيَتْ فِيهَا»، فقال بشر بن البراء رضي الله عنه: والذي أكرمك، لقد وجدت ذلك في أكلتي التي أكلت، فإن منعني أن ألفظها إلا أني كرهت أن أنغص طعامك، فلما أكلتَ ما في فيك لم أرغب بنفسي عن نفسك، ورجوت أن لا يكون أدغمتها، وفيها بغي، فلم يقم بشر من مكانه، حتى عاد لونه كالطيلسان، وماطله وجعه منه، حتى كان ما يتحول إلا ما حول، وبقي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد ثلاث سنين حتى كان وجعه الذي مات فيه. رواه الطبراني في "المعجم الكبير".

وفي رواية أبي داود في "السنن": وأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى اليهودية فدعاها، فقال لها: «أَسَمَمْتِ هَذِهِ الشَّاةَ؟» قالت اليهودية: من أخبرك؟ قال: «أَخْبَرَتْنِي هَذِهِ فِي يَدِي» لِلذِّرَاعِ، قالت: نعم، قال: «فَمَا أَرَدْتِ إِلَى ذَلِك؟» قالت: قلتُ: إن كان نبيًّا فلن يضرَّه، وإن لم يكن نبيًّا استرحنا منه، فعفا عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يعاقبها، وتوفي بعض أصحابه الذين أكلوا من الشاة.

وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها "أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم توفي ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعير". متفق عليه.

تسامحه مع المشركين

ولم يقتصر التسامح الإسلامي بعد الهجرة على أهل الكتاب من اليهود والنصارى وحدهم، بل تعداهم إلى المشركين أيضًا، مع أنهم ليسوا أصحاب كتاب، ومع أن كثيرًا منهم تآمروا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأرادوا قتله؛ حتى أخرجوه من بلده مكة المكرمة وهي أحبُّ بلاد الله إليه، ثم حاربوه بعدَ ذلك في بدرٍ وأحدٍ والخندقِ، وقتلوا آل بيته وأصحابه رضي الله عنهم، وصدُّوه عن البيت الحرام، ومع ذلك كلِّه فقد كان النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم يعاملهم بالحسنى، ويأبى الدعاء عليهم.

فعندما آذى المشركون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة أحدٍ وكسروا رَبَاعِيَتَه، وشجُّوا وجهه الشريف، وحزن أصحابه رضي الله عنهم وشقَّ عليهم ذلك، فطلبوا منه الدعاء على المشركين، فأبى أن يدعو عليهم، بل دعا لهم بالهداية والغفران؛ فروى البخاري ومسلم في "صحيحيهما" عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "كأنِّي أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحكي نبيًّا من الأنبياء ضربه قومُه وهو يمسح الدمَ عن وجهه، ويقول: «رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ»".

و عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، قَالَ: «إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً»، وأخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" مرسلًا، ولفظه: لَمَّا كُسِرَتْ رَبَاعِيَةُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَشُجَّ فِي جَبْهَتِهِ فَجَعَلَتِ الدِّمَاءُ تَسِيلُ عَلَى وَجْهِهِ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَبْعَثْنِي طَعَّانًا وَلَا لَعَّانًا، وَلَكِنْ بَعَثَنِي دَاعِيَةَ وَرَحْمَةٍ، اللهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ».

وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يأمر بصلة القريب وإن كان غير مسلم؛ فعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، قالت: قدمَتْ عليَّ أمي وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدهم، فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقلت: "يا رسول الله، قدمت علي أمي وهي راغبة، أفأصل أمي؟" قال: «نَعَمْ، صِلِي أُمَّكِ» متفق عليه.

اذهبوا فأنتم الطلقاء

ومن مظاهر التسامح والعفو عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ما صدر منه من عفو عامٍّ عن قريش وأهل مكة جميعًا، بعد أن أصبح أمره نافذًا في رقابهم، وذلك بعد أن ائتمروا به ليقتلوه، وعذّبوه وأصحابه في مكة، وأخرجوه منها، وقاتلوه في بدرٍ وأُحُدٍ، وحاصروه في الخندق، وألَّبُوا عليه العرب، فقال لهم صلى الله عليه وآله وسلم: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، مَا ترَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ فِيكُمْ؟» قالوا: خيرًا؛ أخٌ كريمٌ، وابن أخٍ كريمٍ، قال: «اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ الطُّلَقَاءُ» أخرجه ابن إسحاق في "السيرة".

وأهدى رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أبي سفيان رضي الله عنه تمرَ عجوةٍ حين كان بمكة حربيًّا، واستهداه أَدَمًا، وبعث بخمسمائة دينار إلى أهل مكة حين قَحَطُوا؛ لتُفَرَّق بين المحتاجين منهم.

ووصل الحال إلى الوفاء بالعهود التي عاهد فيها المشركون بعض المسلمين على السماح لهم بالذهاب للمدينة بشرط ترك القتال مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، على ما فيها من إكراه وتعنت؛ فعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما، قال: "ما منعني أن أشهد بدرًا إلا أني خرجتُ أنا وأبي حُسَيْلٌ، قال: فأخذنا كفار قريش، قالوا: إنكم تريدون محمدًا، فقلنا: ما نريده، ما نريد إلا المدينة، فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة، ولا نقاتل معه، فأتينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأخبرناه الخبر"، فقال: «انْصَرِفَا، نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَنَسْتَعِينُ اللهَ عَلَيْهِمْ» رواه مسلم في "صحيحه".

ومن مظاهر رحمته ومسامحته صلى الله عليه وآله وسلم: أن كل معاركه وغزواته لم تكن اعتداءً، بل كانت لردع العدوان وصد الطغيان، ومما يدل على ذلك: حُسن معاملته للأسرى ورفقه بهم، رغم قتالهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وإرادتهم قتله صلى الله عليه وآله وسلم وقتلَ مَن معه مِن المسلمين؛ فحافظ بذلك على كرامة الإنسان في الحرب كما حافظ عليها في السِّلم، حتى جعل الإسلامُ إطعامَ الأسير من أقرب القربات، الواقية من الشرور والآفات، وذلك امتثالًا لقول الله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ۝ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ۝ إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا ۝ فَوَقَاهُمُ اللهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا ﴾ [الإنسان: 8-11].

فلما أطلق النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم ثُمامة بن أثال رضي الله عنه وأسلم وحَسُنَ إسلامُه، ثم خرج معتمرًا، فلما قدم مكة، قالوا: أصبوت يا ثمام؟ فقال: لا، ولكني اتبعت خير الدين، دين محمد، ولا والله لا تصل إليكم حبة من اليمامة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم خرج إلى اليمامة، فمنعهم أن يحملوا إلى مكة شيئًا، وأخذ الله قريشًا بالقحط والجوع حتى أكلوا الميتة والكلاب، فقال له أبو سفيان: أنشدك الله والرحم! فكتب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إليه أن يخلي بينهم وبين الميرة، ففعل.


تسامحه مع المنافقين

ومن مظاهر تسامح النبي صلى الله عليه وآله وسلم حُسن معاملته للمنافقين الذين كانوا يعيشون معه في المدينة مع ما يُشكِّلونه من خطر على المجتمع والدولة، وقد تكررت مواقف الغدر والخيانة من هؤلاء المنافقين وحاولوا إشعال نيران الفتن بين المسلمين وغيرهم من أهل المدينة، بل حاول بعضهم قتله صلى الله عليه وآله وسلم في تبوك، ومع ذلك فقد قابل صلى الله عليه وآله وسلم ذلك كله بسماحةٍ وعفوٍ ولين، وأمر المُسلمين بإحسان صحبتهم وعدم التعدي عليهم، حتى كفَّن رأسَ المنافقين عبدَ الله بنَ أبيٍّ ابن سلول في قميصه؛ جبرًا لخاطر ولده عبد الله بن عبد الله بن أبي رضي الله عنه؛ فعن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: لما تُوفي عبدُ الله بنُ أبيٍّ ابنُ سَلُولَ جاء ابنه عبدُ الله بنُ عبدِ الله رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فسأله أن يعطيه قميصه يُكفِّن فيه أباه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليصلي عليه، فقام عمر رضي الله عنه فأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا رسول الله أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّمَا خَيَّرَنِي اللهُ فَقَالَ: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ، إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً وَسَأَزِيدُ عَلَى سَبْعِينَ»، قال: إنه منافق، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنزل الله عز وجل: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: 84] متفق عليه.

وبلغ من تسامح النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن نهى المسلمين عن سب الأموات من المشركين بعد وفاتهم إكرامًا لأولادهم وجبرًا لخواطرهم؛ فعن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما قال: "لَمَّا كان يوم فتح مكة هرب عكرمة بن أبي جهل وكانت امرأته أم حكيم بنت الحارث بن هشام امرأةً عاقلةً أسلمت، ثم سألَتْ رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم الأمانَ لزوجها فأمرها بردِّه، فخرجت في طلبه وقالت له: جئتُك مِن عند أوصل الناس وأبر الناس وخير الناس، وقد استأمنتُ لك فأمَّنَك، فرجع معها، فلما دنا من مكة، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه: «يَأْتِيَكُمْ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ مُؤْمِنًا مُهَاجِرًا، فَلَا تَسُبُّوا أَبَاهُ؛ فَإِنَّ سَبَّ الْمَيِّتِ يُؤْذِي الْحَيَّ وَلَا يَبْلُغُ الْمَيِّتَ» فلما بلغ باب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استبشر ووثب له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائمًا على رجليه فرحًا بقدومه" أخرجه الواقدي في "المغازي"، ومن طريقه الحاكم في "المستدرك".

حرصه على الغير

وعن أنس رضي الله عنه، أن غلامًا يهوديًّا كان يضع للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وَضوءَه ويناوله نعليه، فمرض، فأتاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فدخل عليه، وأبوه قاعد عند رأسه، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «يَا فُلَانُ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»، فنظر إلى أبيه، فسكت أبوه، فأعاد عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فنظر إلى أبيه، فقال أبوه: أَطِعْ أبا القاسم، فقال الغلام: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول: «الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَخْرَجَهُ بِي مِنَ النَّارِ» رواه الإمام أحمد في "المسند" واللفظ له، والإمام البخاري في "الصحيح"، وغيرهما.

ووافق النبي صلى الله عليه وآله وسلم على شروط المشركين المتعنتة طلبًا لإقرار مبدأ السلام، وتعظيم المقدسات؛ فجلس للصُلح مع سُهيل بن عمرو الذي وكلته قريش، وصبر على تعنت الكفار؛ في ممارساتهم التعسفية وشروطهم المجحفة التي أملَوْها على المؤمنين، وفي امتناعهم عن كتابة البسملة والإقرار برسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفي الحيلولة بين المسلمين وبين البيت الحرام ذلك العام، وذلك كله في سبيل تعظيم الأشهر الحرم وتعظيم البيت الحرام والإذن لهم بدخوله، وقد بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَسْأَلُونني خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا» أنه إنما صبر على ذلك التعنت كله وعلى تلك الشروط والممارسات لأنه كان يهدف إلى الاتفاق مع المشركين على عدم صد أي إنسان عن البيت إذا أحرم قاصدًا له، كائنًا من كان.

وكل هذه النماذج وغيرها تدل -بما لا يدع مجالًا للشك- أن الإسلام هو دين التسامح والسلام، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انتقل من ممارسات التسامح في مكة المكرمة قبل الهجرة النبوية إلى إقراره في شكل مبادئ وقواعد وعلاقات مجتمعية ودولية وعالمية في المدينة المنورة بعد الهجرة الشريفة، وهذا أعظم دليل على أن تسامحه صلى الله عليه وآله وسلم في مكة المكرمة لم يكن ضعفًا ولا عجزًا، وإنما كان منهج حياة وتطبيقًا وامتثالًا لتعاليم الدين القويم الذي أرسله الله تعالى به؛ حيث يقول له سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]، وقد وصف النبي صلى الله عليه وآله وسلم الغرض من بعثته الشريفة بقوله: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ» أخرجه الإمام أحمد في "المسند"، والبخاري في "الأدب المفرد"، والحاكم في "المستدرك"، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وفي رواية البزار في "المسند": «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ».



الكلمات المفتاحية

الهجرة النبوية تسامح النبي فتح مكة

موضوعات ذات صلة

amrkhaled

amrkhaled لم تتوقف الهجرة النبوية على الانتقال من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة بناء الدولة، ولكن اتسعت الهجرة أيضًا إلى وضع قواعد أول دولة يقوم دستورها على العدل و