الستر عنوان منهج الحبيب في النصيحة.. هذا ما فعل مع صحابي أحب مجالسة النساء

خالد أبو سيف الأحد، 09 فبراير 2020 08:20 م
رسول الله صلي الله عليه وسلم
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكذب أحدا ولا يفضحه إلا بوحي

الصحابة رضوان الله عنهم كانوا هم خير هذه الأمة ديناً وخلقاً وصدقاً واستقامة... لكنهم قبل الإسلام كانوا جزءاً من الجاهلية العربية الأولى أشركوا وارتكبوا الموبقات، ثم أسلموا فَجَبَّ الإسلام ـ (أي: قطع وأزال) ـ ما قبله.


وقد كان للحبيب صلى الله عليه وسلم منهج نبوي عظيم في تربية الصحابة رضوان الله عليهم ونصحهم وتوجيههم إذا أخطأ بعضهم في أمر ما أو وقع في زلة من الزلات أو صغيرة من الصغائر، دون أن يحرجهم أو يعنفهم أو يؤذي مشاعرهم.


ومما يدلل على هذا المنهج النبوي ذلك الموقف الذي حدث من الصحابي خوات بن جبير الأنصاري رضي الله عنه عندما مالت نفسه إلى مجالسة مجموعة من النساء.


وها هو الصحابي خوَّات بن جبير الأنصاري رضي الله عنه يروي بنفسه ذلك الموقف في الحديث الذي رواه الإمام الطبراني فقال: نزلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مَرَّ الظهران (وهو مكان اسمه اليوم وادي فاطمة شمال مكة) ـ قال: فخرجت من خبائي فإذا أنا بنسوة يتحدثن فأعجبنني فرجعت فاستخرجت عَيْبتي ـ حقيبتي ـ فاستخرجت منها حُلَّة ـ بدلة ـ فلبستها وجئت فجلست معهنَّ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبته فقال: أبا عبد الله ما يجلسك معهن؟.


خجل وارتباك وعزلة
وواصل الصحابي رواية الموقف فقال: فلما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم هبتُه واختلطتُ ـ أي ارتبكت وخلطت الصواب بالخطأ ـ. قلت: يا رسول الله جمل لي شرد فأنا أبتغي له قيداً ـ أي: ضاع جملي فأنا أبحث عنه ـ فمضى واتبعته، فألقى إليَّ رداءه ودخل الأراك كأني أنظر إلى بياض متنه ـ ظهره ـ في خضرة الأراك، فقضى حاجته وتوضأ، فأقبل والماء يسيل من لحيته على صدره ـ أو قال: يقطر من لحيته على صدره ـ فقال: أبا عبد الله ما فعل شِرَاد جملك؟ ثم ارتحلنا فجعل لا يلحقني في المسير إلا قال: السلام عليك أبا عبد الله، ما فعل شراد ذلك الجمل؟ فلمَّا رأيت ذلك تعجَّلتُ إلى المدينة واجتنبتُ المسجد والمجالسة إلى النبي صلى الله عليه وسلم .

شعر الصحابي بالخجل والضيق وقال :والله لأعتذرنَّ إلى رسول الله ولأبرئن صدره

وتابع خوات بن جبير الأنصاري رضي الله عنه روايته للموقف فقال: فلمَّا طال ذلك تحيَّنت ساعة خلوة المسجد، فأتيت المسجد فقمت أصلي ـ لعله وقت الضحى ـ وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعض حُجَره فجأة فصلى ركعتين خفيفتين وطوَّلت رجاء أن يذهب ويدعني فقال: طول أبا عبد الله ما شئت أن تطول فلستُ قائماً حتى تنصرف. فقلت في نفسي: والله لأعتذرنَّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأبرئن صدره، فلما قال: السلام عليك أبا عبد الله ما فعل شراد ذلك الجمل؟ فقلت: والذي بعثك بالحق ما شرد ذلك الجمل منذ أسلم ـ يعني نفسه أنه لم يرتكب معصية منذ أسلم ـ فقال: رحمك الله ثلاثاً ثم لم يعد لشيء مما كان.


النبي الكريم لا يكذب أحدا
ولعل النبي صلى الله عليه وسلم سمع به وخطر له لما رأى خَوَّاتاً رضي الله عنه جالساً بين الأعرابيات بثوب حسن فاستخرجه من بينهن، وسأله عما يجلسه معهن بأسلوب لطيف وكرر السؤال على وجه يشعر بأنه يشك في الجواب، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يكذّب أحداً من الناس لخلقه الحسن لا مؤمناً ولا كافراً ولا منافقاً إلا أن ينزل قرآن يكذبه.

لم يحدِّث النبي أحداً من الناس بما حدث من الصحابي خوات بن جبير أي ستره ولم يفضحه

ولم يحدِّث النبي صلى الله عليه وسلم أحداً من الناس بما حدث أي ستره ولم يفضحه. وهذا شأن المؤمن ـ الكريم ينصح واللئيم: يفضح ـ وما زال به حتى طمأن خوَّات النبي صلى الله عليه وسلم أنه منذ أسلم لم يرتكب قط معصية، فقبل النبيُّ صلى الله عليه وسلم هذا الجواب منه ودعا له ولم يعد يسأله، وفق ما جاء في "الخطباء السوريون".


الستر والمنهج النبوي في التوجيه
في هذا الحديث الطويل دروس عظيمة في التربية والنصيحة من الحبيب صلى الله عليه وسلم منها: أن الستر مطلوب، والنصيحة من الدين، وأن تكون مع أخيك على الشيطان ولا نكون مع الشيطان على أخينا، ومنها: الرفق بالمؤمنين وأن لا نكذبهم. ورضي الله عن عمر القائل: لست بالخب ولا الخبُّ يخدعني. ومنها: الحذر من مجالسة النساء وقد ورد: أُمرت أن أباعد بين أنفاس الرجال وأنفاس النساء إلا المحارم من النساء لضرورة الحياة وعدم الشهوة، وإلا المتنفس الوحيد الأزواج وملك اليمين، وهذا الأسلوب الحسن مما يحبب بالنبي صلى الله عليه وسلم ، بل يرينا سرَّ حبِّ الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم . وصدق الله العظيم:[وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ] {القلم:4} .

اظهار أخبار متعلقة



وقد كان خوات بن جبير الأنصاري رضي الله عنه أخو الصحابي عبد الله بن جبير الأنصاري رضي الله عنه قائد الرماة الخمسين الذين كانوا على جبل عينين يوم أحد، وقد استشهد عبد الله ذلك اليوم.

اظهار أخبار متعلقة


اظهار أخبار متعلقة



اضافة تعليق