هل يجوز المسح على الجورب إذا كانت رائحته نتنة؟

أنس محمد الأحد، 09 فبراير 2020 01:13 م
هل-يجوز-المسح-على-الجورب-إذا-كانت-رائحته-نتنة؟



قال الدكتور شوقي علام، مفتي مصر، إن الإِسلامُ دين اليُسرِ والسماحة، وقد جاءت أحكام الشريعة الإسلاميَّة تُراعي أحوال النَّاس، وتتَّفِق مع طبيعة الإنسان الذي علم الله سبحانه وتعالى ضعفه؛ قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 28]، ولهذا لما بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم معاذًا وأبا موسى الأشعري رضي الله عنهما إلى اليمن، أوصاهما -كما أورده الشيخان في "صحيحيهما"- بقوله: «يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا».

اظهار أخبار متعلقة



ووصف المفتي الجورب بأنه ما يرتديه الإنسان في قَدَمهِ سواء كان مصنوعًا من الصوفِ أو القطنِ أو الكتانِ أو غير ذلك.
ووصف المفتي الجورب بأنه ما يرتديه الإنسان في قَدَمهِ سواء كان مصنوعًا من الصوفِ أو القطنِ أو الكتانِ أو غير ذلك.

قال الإمام الزبيدي في "تاج العروس": [الجورب: غشاءان للقدم من صوف يُتخذ للدفء، والخُفُّ هو: نعل مصنوع من الجلد يغطي الكعبين، والكعبان هما العظمتان البارزتان على جانبي القدم، وجمعه خِفاف بكسر الخاء.

والمسح هو إمرار اليد المبتلَّة بالماء على الشيء؛ والمسح على الخفين رُخصةٌ شُرعت من الله سبحانه وتعالى تيسيرًا وتخفيفًا على عباده؛ يدل لذلك ما رواه الإمام البخاري في "صحيحه" عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: «كُنْتُ مَعَ النَّبِي صلى الله عليه وآله وسلم فِي سَفَرٍ فَأَهْوَيْتُ لأَنْزِعَ خُفَّيْهِ فَقَالَ: دَعْهُمَا فَإِنّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ. فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا».

وقد أجمع الفقهاء على جواز المسح على الخفين في الحَضَر والسفر للرجال والنساء؛ قال الإمام ابن عبد البر في "التمهيد" (11/ 137، ط. وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية): [وعمل بالمسح على الخفين أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، وسائر أهل بدر والحديبية وغيرهم من المهاجرين والأنصار وسائر الصحابة والتابعين أجمعين وفقهاء المسلمين في جميع الأمصار، وجماعة أهل الفقه والأثر كلهم يجيز المسح على الخفين في الحَضَر والسَّفَر للرجال والنساء] اهـ.

وقد نصَّ الفقهاءُ على جواز المسح على الجوربين للحديث الذي رواه الأربعة وأحمد في "مسنده" -واللفظ له- عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلى الله عَلَيه وآله وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ"، إلا أنهم قد اشترطوا لذلك عدة شروط منها: أن يُلبَسا على طهارة تامة، وأن يكونا طاهرين في نفسهما، وأن يكونا مجلدين يمكن تتابع المشي فيهما، وأن يكونا ساترين للقدمين كاملتين؛ أي: يغطيان الكعبين، وأن يكون لبسهما مباحًا؛ أي في غير معصية.

قال الإمام الكاساني في "بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع" (1/ 10، ط. دار الكتب العلمية): [وأما المسح على الجوربين، فإن كانا مجلدين، أو منعلين، يجزيه بلا خلاف عند أصحابنا
وأما المسح على الجوربين، فإن كانا مجلدين، أو منعلين، يجزيه بلا خلاف عند أصحابنا
، وإن لم يكونا مجلدين ولا منعلين، فإن كانا رقيقين يشفان الماء؛ لا يجوز المسح عليهما بالإجماع، وإن كانا ثخينين لا يجوز عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد يجوز. وروي عن أبي حنيفة أنه رجع إلى قولهما في آخر عمره، وذلك أنه مسح على جوربيه في مرضه، ثم قال لعُوَّاده: "فعلتُ ما كنتُ أمنع الناسَ عنه" فاستدلوا به على رجوعه] .

وهناك من ذهب إلى جواز المسح مطلقًا على كل ما يُطلق عليه اسم الجورب حتى لو كان خفيفًا، وممن قال بذلك من الفقهاء الإمام ابن حزم الظاهري والشيخ ابن تيميَّة.

وقال الشيخ ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (19/ 242، ط. مجمع الملك فهد): [النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أمر أمته بالمسح على الخفين، فقال صفوان بن عسال: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا كنا سفرًا أو مسافرين: ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جَنَابةٍ، ولكن من غَائطٍ وَبَولٍ وَنَومٍ». ولم يقيد ذلك بكون الخف يثبت بنفسه أو لا يثبت بنفسه. وسليمًا من الخرق والفتق أو غير سليم، فما كان يسمى خفًّا ولبسه الناس ومشوا فيه مسحوا عليه المسح الذي أذن الله فيه ورسوله، وكلما كان بمعناه مسح عليه فليس لكونه يسمى خفًّا معنى مؤثر، بل الحكم يتعلق بما يُلبس ويُمشى فيه، ولهذا جاء في الحديث المسح على الجوربين] .

وما يسري على الخُفِّ من أحكام في صفته ومدته وانتقاضه ومبطلاته يسري على الجورب؛ أما صفة المسح فتكون على ظاهر الجورب وجوبًا كما في الخف، ومسح أسفله مستحب، ولا يجوز مسح أسفله فقط، وإنما يبلل من أراد المسح يده بالماء ثم يمررها على الجورب بداية من الأصابع وحتى الساقين.

وأما مدة المسح فجمهور الفُقهاءِ على أنَّها يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيَّام ولياليها للمُسافرِ؛ للحديث الذي رواه الإمام مسلم في "صحيحه" عن شُرَيْحِ بن هانِئٍ قال: "أَتَيْتُ عَائِشَةَ أَسْأَلُهَا عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ؛ فَقَالَتْ: عَلَيْكَ بِابْنِ أَبِي طَالِبٍ فَسَلْهُ، فَإِنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم؛ فَسَأَلْنَاهُ، فَقَالَ: جَعَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ".

وتبدأ مدة المسح سواء للمسافر أو للمقيم من وقت أول حدث إذا لبسه على طهارة
وتبدأ مدة المسح سواء للمسافر أو للمقيم من وقت أول حدث إذا لبسه على طهارة
، لا من وقت اللبس، وذلك لأن الحدث هو سبب وجوب الطهارة، فكان ابتداء المدة منه.

ويبطل المسح بانتهاء مدته؛ لأن الحكم المؤقت إلى غَايةٍ ينتهي عند وجودها، كما يبطل بما يُوجب الغسل كالجنابة والحيض والنفاس، ويبطل أيضًا بخلع الخُفَّين أو أحدهما، أو انخلاعهما أو أحدهما.

وبناءً على ذلك: فيجوز عند جماهير العلماء المسح على الجورب -الشَّراب- بشرط: أن يكون مجلدًا، يمكن تتابع المشي فيه، وأن يكون ساترًا للقدمين كاملتين؛ أي: يغطي الكعبين، وأن يكون طاهرًا في نفسه، وأن يكون قد لُبِسَ على طهارة.

ومن الفقهاء من ذهب إلى جواز المسح على الجورب مطلقًا حتى لو كان خفيفًا؛ كابن حزم الظاهري وابن تيمية، ومن القواعد المقررة أنه "لا إنكار في مختلفٍ فيه"، فمن كان في حاجةٍ ولا يجد إلا أن يمسح على الجورب (الشَّرَاب) الخفيف فلا حرج عليه ناويًا تقليد من أجاز من الفقهاء، وتكون مدة المسح للمقيم يومًا وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليهن، وتبدأ مدة المسح من وقت الحدث بعد لبس الجورب، ويبطل المسح بنزعه من الرجل، أو انقضاء مدة المسح، وبما يوجب الغسل من جنابة أو حيض أو نفاس.


اضافة تعليق