التوكل على الله تعالى سبب كل خير .. وهذا هو الدليل

محمد جمال حليم الخميس، 30 يناير 2020 09:40 م
التوكل والتواكل

حكى النبي صلى الله عليه وسلم عددا من القصص عما حدث قبل من الأمم وفيها العديد من الدروس والعبر والعظات.. فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يقصها على سيل التدر والتسلية لكنها ذات حكم جليلة وعظات مفيدة.

ومن القصص التي ذكرها النبي في فضل التوكل على الله ما روي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَقَالَ: ائْتِنِي بِالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ، فَقَالَ: كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا، قَالَ: فَأْتِنِي بِالكَفِيلِ، قَالَ: كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا، قَالَ: صَدَقْتَ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَخَرَجَ فِي البَحْرِ فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ التَمَسَ مَرْكَبًا يَرْكَبُهَا يَقْدَمُ عَلَيْهِ لِلْأَجَلِ الَّذِي أَجَّلَهُ، فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا، فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا، فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ وَصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَى صَاحِبِهِ، ثُمَّ زَجَّجَ مَوْضِعَهَا، ثُمَّ أَتَى بِهَا إِلَى البَحْرِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ تَسَلَّفْتُ فُلاَنًا أَلْفَ دِينَارٍ، فَسَأَلَنِي كَفِيلاَ، فَقُلْتُ: كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا، فَرَضِيَ بِكَ، وَسَأَلَنِي شَهِيدًا، فَقُلْتُ: كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا، فَرَضِيَ بِكَ، وَأَنِّي جَهَدْتُ أَنْ أَجِدَ مَرْكَبًا أَبْعَثُ إِلَيْهِ الَّذِي لَهُ فَلَمْ أَقْدِرْ، وَإِنِّي أَسْتَوْدِعُكَهَا، فَرَمَى بِهَا فِي البَحْرِ حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَلْتَمِسُ مَرْكَبًا يَخْرُجُ إِلَى بَلَدِهِ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ، يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا قَدْ جَاءَ بِمَالِهِ، فَإِذَا بِالخَشَبَةِ الَّتِي فِيهَا المَالُ، فَأَخَذَهَا لِأَهْلِهِ حَطَبًا، فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ المَالَ وَالصَّحِيفَةَ، ثُمَّ قَدِمَ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ، فَأَتَى بِالأَلْفِ دِينَارٍ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا زِلْتُ جَاهِدًا فِي طَلَبِ مَرْكَبٍ لِآتِيَكَ بِمَالِكَ، فَمَا وَجَدْتُ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي أَتَيْتُ فِيهِ، قَالَ: هَلْ كُنْتَ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ؟ قَالَ: أُخْبِرُكَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي جِئْتُ فِيهِ، قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَدَّى عَنْكَ الَّذِي بَعَثْتَ فِي الخَشَبَةِ، فَانْصَرِفْ بِالأَلْفِ الدِّينَارِ رَاشِدًا". البخاري.

لم تكن أقواله صلى الله عليه وسلم مجردة أبدا من الحكمة لكن تعددت صور الحكمة واستنباطات العلماء من أقواله خير دليل


وتوضح هذه القصة الحكم في موضوع الدين والتداين ففي قوله: "عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ..".

اظهار أخبار متعلقة



لم تصرح رواية صحيحة باسميهما, ولو كان فيه أدنى فائدة لذكره النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, ولكن جاء في بعض الروايات الضعيفة أن أحدهما كان النجاشي ملك الحبشة.

اظهار أخبار متعلقة



ولأن النجاشي لا علاقة له ببني إسرائيل فقد لجأ البعض على التحايل لنفي التعارض فقالوا: إن النجاشي من بني إسرائيل بطريق الاتباع, لا أنه من نسلهم.
يقول بدر الدين العيني –بعد أن استعرض الكلام السابق:- انتهى هذا الكلام في البعد إلى حد السقوط, لأن السائل والمسئول عنه كليهما من بني إسرائيل على ما يصرح به ظاهر الكلام, وبين الحبشة وبني إسرائيل بعد عظيم في النسبة وفي الأرض, ويبعد أن يكون ذلك الانتساب إلى بني إسرائيل بطريق الاتباع, وهذا يأباه من له نظر تام في تصرفه في وجوه الكلام, على أن الحديث المذكور ضعيف لا يعمل به.
وقوله: "فَأْتِنِي بِالكَفِيلِ" قال في النهاية:- الكفيل هو الضمين.
قوله: "ثُمَّ زَجَّجَ مَوْضِعَهَا" قال في النهاية: أي سوى موضع النقر وأصلحه, من تزجيج الحواجب وهو حذف زوائد الشعر, ويحتمل أن يكون مأخوذًا من الزج: النصل, وهو أن يكون النقر في طرف الخشبة, فترك فيه زجًا ليمسكه, ويحفظ ما في جوفه.
قوله: "وَأَنِّي جَهَدْتُ", قال في النهاية: الاجتهاد: بذل الوسع في طلب الأمر, وهو افتعال من الجهد.
قوله: "ثُمَّ انْصَرَفَ وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَلْتَمِسُ مَرْكَبًا يَخْرُجُ إِلَى بَلَدِهِ" أي بلد الذي أسلفه... وهذا على أساس أنه لم ييأس من البحث عن مركب بل ظل حتى عثر عليه.
قوله: "هَلْ كُنْتَ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ؟ قَالَ: أُخْبِرُكَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي جِئْتُ فِيهِ" وإنما استنكر السؤال بناء على عدم توقعه وصول الخشبة بما فيها, وهو لم يفعل ما فعل إلا وفاء بوعده مع الله وكيله وشهيده, كما دلت على ذلك بقية الرواية: "فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَدَّى عَنْكَ الَّذِي بَعَثْتَ فِي الخَشَبَةِ".
دروس وعبرة:
هذه القصة ذات أحداث غريبة في بعض مواقفها, مما جعل البعض يخضع أحداثها لمقاييس العقل, فراح يخرجها عن صدقها التاريخي, ويحملها على أن ذلك من قبيل التمثيل لا التأريخ. يقول الدكتور محمد أحمد البيومي في كتابه (البيان النبوي) بعد أن تحدث عن القصة التي نحن بصددها: "فماذا نرى في هذه الأقصوصة النبوية بعد التدقيق والإمعان؟ أتكون الخشبة الملقاة في البحر حاملة للألف دينار حقيقة واقعة؟ أيوجد من العقلاء من يضحي بهذا المبلغ الضخم وهو يعلم أن احتمال وصوله في حكم المستحيل؟
أيجد من تسوقه الظروف ليقف على سيف البحر صندوقًا ماليًا يصل إليه في عهد لم يعرف البريد؟

اظهار أخبار متعلقة



كل ذلك مما يبعد القصة عن واقعيتها إلى مساقها مساق التمثيل أ. ه
ويجاب عن هذا الاعتراض ببيان الآتي:
أ-من جهة المقترض نرى أنه إنسان تملكته حالة نفسية معينة دفعت به إلى هذا التصرف, فهو قد اختار الله وكيلًا وشهيدًا, وقد جهد في أن يجد مركبًا ليصل به إلى صاحبه في موعده فلم يجد –بعد أن أعيته الأسباب العادية- إلا أن يلجأ إلى هذا التصرف ليرضي وكيله وشهيده, وإن تيقن عدم وصول المال.
ب-من جهة الوكيل والشهيد, وهو الله تعالى, نجد أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخبر أن الله تعالى في عون من أخذ أموال الناس وهو ينوي سدادها, ففي الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلاَفَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ». البخاري.
فلعل الله تعالى اطلع على حسن قصد ونية هذا العبد في إرادته السداد, وأنه قد استنفد كل الوسائل للوصول إلى المقصود فلم يستطع, فهداه عقله إلى ما فعل, وأتم الله نعمته بوصول ماله.
جـ-وأخيرًا: من جهة نص القصة, ففي مطالعتها تأكيد على أن الرجلين من بني إسرائيل, وهم قوم لهم تاريخ معروف, ثم إن ألفاظ القصص التمثيلي تفتتح بتصديرها بما يشعر بذلك بأن يقال (مثل كذا..), وليس هنا تصريح بذلك ولا تلميح.
فبقي القول بأن القصة ذات أصل تاريخي, وشاهد واقعي.
فوائد القصة:

1)فضل التوكل على الله:
تدل هذه القصة على فضل التوكل على الله, وأن من يتوكل عليه كفاه وآواه وصدق الله إذ يقول: [وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ] (الطلاق:3).
وموطن الاستشهاد في القصة على هذا الدرس موقف الرجلين معًا, فالدائن رضى بالله وكيلَا وأقرض صاحبه, والثاني: اجتهد في توصيل المال إرضاءً لله وتوكلَا عليه, فأقر الله عينه, وأوصل إلى صاحبه ماله.
قال ابن بطال: "فيه أن من توكل على الله فإنه ينصره, فالذي نقر الخشبة وتوكل حفظ الله ماله, والذي أسلفه وقنع بالله وكيلَا أوصل الله إليه ماله".
ولا توحي عبارات القصة أن التوكل يعني رفض الأسباب وعدم الاحتياط لها, فإن الرجل الأول طلب شهيدًا وكفيلًا مما يدل على جواز طلب الشهود في الدين, وفي التنزيل العزيز يقول الله: [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ] (البقرة:282).
وكونها تراضيا شهادة الله وكفالته لا يعني عدم مشروعية طلب الشهود, وهذا ما فهمه الأئمة من شراح الحديث.
يقول ابن حجر وبدر الدين العيني: "وفيه طلب الشهود في الدين, وطلب الكفيل به".
وعلى الداعية أن ينطلق من هذه المعاني ليفهم الناس أن الإسلام حريص على أموالهم من أن يبددها الأدعياء, وذلك حين يطلب كتابة الحق والإشهاد عليه.
وترسيخ الداعية لهذه المعاني في إفهام الناس يحقق عدة فوائد:
أ-شمول الإسلام لكل جزئية في هذه الحياة.
ب-زرع الثقة في المعاملات بين الناس حين ترتبط بسبب لا ينقطع, وهو رضا الله تعالى.
جـ-محبة الناس للإسلام إذا رأوه حريصًا ومحافظًا على ممتلكاتهم.
2)الحث على التعاون مع أصحاب الحاجات, وضرورة الوفاء بالدين:
العسر واليسر ساعات ومحطات يتناوب الناس النزول عليها.
وفي ظل هذا المعنى ينبغي على من رزق سعة أن يفيض على غيره, ومن رزق يسارًا أن يتذكر المعسرين. وفي القصة التي معنا ترغيب في لون من ألوان التعاون وهو إقراض المحتاجين وسد عوزهم, ففي ذلك من الفضل ما فيه, وفي الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِمٍ سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ». مسلم.
وفي الحديث عن ابن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن السَّلَف َيجْرِي مَجْرَى شَطْرِ الصدقة". أحمد.
وأما ما ورد من زيادة ثواب القرض على الصدقة فضعيف. ومن جانب آخر حث الإسلام المستقرض أن يكون ناويًا الأداء من جهة, وأن يبذل قصارى جهده للسداد من جهة ثانية, وهو ما تدل عليه القصة التي معنا... وقد سبقت الإشارة إلى حديث البخاري الذي يدل على أن من استدان وهو ينوي الوفاء أعانه الله, فإن كان ينوي الإتلاف أتلفه الله.
3)وفي القصة زيادة على ما تقدم من الدروس جواز ركوب البحر والتجارة فيه وجواز أخذ لقطة البحر إذا لم يوجد لها مالك.

اضافة تعليق