رحلة مع بناء إنسان

الإمام الشافعي.. تعًلم.. ففهِم.. فتفقه.. فتراجع.. فعَلم

عاصم إسماعيل الثلاثاء، 28 يناير 2020 10:35 ص
الإمام الشافعي


بناء الإنسان.. مطلب قرآني صميم، لطالما النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم دافع عنه ومن أجله، ولاشك أن من أكثر الأئمة والعلماء الذين اهتموا بهذا الأمر اهتمامًا شديدًا، كان الإمام الشافعي رحمه الله، ذلك الرجل الذي قال فيه الإمام أحمد: "كان الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس"، وقيل أنه هو إمامُ قريش الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "عالم قريش يملأ الأرض علمًا".

 بداية الشافعي

وأبو عبدالله محمد بن إدريس الشافعي القرشي.. ثالث الأئمة الأربعة عند أهل السنة والجماعة

وأبو عبدالله محمد بن إدريس الشافعي القرشي.. ثالث الأئمة الأربعة عند أهل السنة والجماعة
، وصاحب المذهب الشافعي في الفقه الإسلامي، ومؤسس علم أصول الفقه، وهو أيضًا إمام في علم التفسير وعلم الحديث، وقد عمل قاضياً فعُرف بالعدل والذكاء .

اظهار أخبار متعلقة


الشافعي أحد أعظم مجددي زمانه، والمتتبع لرحلاته، سيجد أنها لم تأت صدفة أو دون ترتيب، إنما جاءت كلها لأجل هدف محدد، سعى إليه، مما يعد درسًا قيمًا لأي إنسان بأن يدرس وجهته دائمًا ويختار الأنسب ليصل في النهاية إلى ما يربو إليه.

فبالإضافة إلى حفظ القرآن الكريم والأحاديث النبوية، اتجه الشافعي إلى التفصح في اللغة العربية، فخرج في سبيل هذا إلى البادية، ولازم قبيلة هذيل، وكانوا أفصح العرب حينها في اللغة، فتعلم منهم ما استطاع ثم عاد إلى مكة ينشد الأشعار والأدب، وواصل طلب العلم فيها حتى بلغ منه منزلة عظيمة للدرجة التي أهلته للفتوى وهو بسن صغيرة قيل 15 عامًا وقيل 18 عامًا.

تلميذ الإمام مالك

ورحل الشافعي إلى المدينة المنورة، حتى يتتلمذ على يد الإمام مالك بن أنس، واستطاع أن يحفظ عنه كتابه الشهير "الموطأ"، ولما توفى الله الإمام مالك، رحل إلى اليمن وهناك ذات صيته حتى وصلت أسماعه إلى الخليفة هارون الرشيد، ومنها انتقل إلى بغداد، والتي شهدت توجهه إلى العلم.

وأخذ الشافعي يدرس فقه العراقيين، فقرأ كتب الإمام محمد وتلقاها عليه، وبذلك اجتمع له فقه الحجاز وفقه العراق، ثم انتقل بعد ذلك إلى مكة، ومعه من كتب العراقيين الكثير، وبعد أن ناظر وجادل، وجد أنه لا بد من وضع مقاييس لمعرفة الحق من الباطل، أو على الأقل لمعرفة ما هو أقرب للحق، فإنه ليس من المعقول بعد أن شاهد وعاين ما بين نظر الحجازيين والعراقيين من اختلاف، ولأصحاب النظرين مكان من احترامه وتقديره، أن يحكم ببطلان أحدِ النظرين جملة من غير ميزان ضابط دقيق، لهذا فكَّر في استخراج قواعد الاستنباط.

قدم الشافعي بغداد للمرة الثانية في سنة 195 هـ، وله طريقة في الفقه لم يسبق بها
قدم الشافعي بغداد للمرة الثانية في سنة 195 هـ، وله طريقة في الفقه لم يسبق بها
، وجاء وهو لا ينظر إلى الفروع يفصِّل أحكامها وإلى المسائل الجزئية يفتي فيها فقط، بل جاء وهو يحمل قواعد كلية، أصَّل أصولها، وضبط بها المسائل الجزئية، فقد جاء إذن بالفقه علمًا كليًا لا فروعًا جزئية، وقواعد عامة لا فتاوى وأقضية خاصة، فرأت فيه بغداد ذلك، فانسال عليه العلماء والمتفقهون، وطلبه المحدثون وأهل الرأي جميعًا.

من العراق إلى مصر

أخذ الشافعي ينشر بالعراق تلك الطريقة الجديدةَ التي استنَّها، ويجادل على أساسها، وينقد مسائل العلم على أصولها، ويؤلف الكتب وينشر الرسائل، ويتخرج عليه رجال الفقه، ومكث نحو عامين، ثم عاد بعد ذلك إليها سنة 198 هـ وأقام أشهرًا فيها، ثم اعتزم السفر إلى مصر، فرحل إليها، وقد وصل سنة 199 هـ.

ظل الإمام الشافعي في مصر ولم يغادرها يلقي دروسه ويحيط به تلامذته حتى لقي ربه في 30 رجب 204 هجرية.

الإمام الشافعي فضلاً عن كونه أفقه أهل زمانه، كان أديبًا وشاعرًا، وله من الأبيات الكثيرة الناس ومنها:

اِحفَظ لِسانَكَ أَيُّها الإِنسانُ.. لا يَلدَغَنَّكَ إِنَّهُ ثُعبانُ

كَم في المَقابِرِ مِن قَتيلِ لِسانِهِ.. كانَت تَهابُ لِقاءَهُ الأَقرانُ

وأصبح معظم شعر الإمام الشافعي ما يشبه الأمثال السائرة أو الحِكم التي يتداولها الناس، والتي تعد بالفعل أقصر الطرق لبناء إنسان.

ومن ذلك قوله في الاعتماد على النفس:

ما حك جلدك مثل ظفرك *** فتول أنت جميع أمرك

ما طار طير وارتفع *** إلا كما طار وقع

نعيب زماننا والعيب فينا *** وما لزماننا عيب سوانا

ضاقت فلما استحكمت حلقاتها *** فرجت وكنت أظنها لا تفرج

وقال أيضًا :

إذا رمت أن تحيا سليما من الردى *** ودينك موفور وعرضك صن

فلا ينطق منك اللسان بسوءة *** فكلك سوءات وللناس ألسن

وعيناك إن أبدت إليك معائبا *** فدعها وقل يا عين للناس أعين

وعاشر بمعروف وسامح من اعتدى *** ودافع ولكن بالتي هي أحسن

ومن قوله أيضًا :

الدهر يومان ذا أمن وذا خطر *** والعيش عيشان ذا صفو وذا كدر

أما ترى البحر تعلو فوقه جيف *** وتستقر بأقـصى قـاعه الدرر

وفي السماء نجوم لا عداد لها *** وليس يكسف الا الشمس والقمر

وأيضًا قال في الاهتمام بالناس:

إذا المَرءُ لا يَرعاكَ إِلّا تكلُّفا

فدعهُ ولا تُكثِر عليهِ التأَسُّفا

ففي الناسِ أبدالٌ وفي التَّركِ راحةٌ

وفي القلبِ صبرٌ للحبيب ولو جفا

فَمَا كُلُّ مَنْ تَهْوَاهُ يَهْوَاكَ قلبهُ

وَلا كلُّ مَنْ صَافَيْتَه لَكَ قَدْ صَفَا

إذا لم يكن صفو الوداد طبيعة

فلا خيرَ في ودٍ يجيءُ تكلُّفا

وعن الوقوع في شرك "سوء الخلق" قال:

إذَا سَبَّنِي نَذْلٌ تَزَايَدْتُ رِفْعة        وما العيبُ إلا أن أكونَ مساببهْ

وَلَوْ لَمْ تَكْنْ نَفْسِي عَلَيَّ عَزِيزَة     لمكَّنتها من كلِّ نذلٍ تحاربهُ

ولو أنَّني أسعى لنفعي وجدتني    كثيرَ التَّواني للذي أنا طالبه

وَلكِنَّني أَسْعَى لأَنْفَعَ صَاحِبي      وعارٌ على الشبَّعانِ إن جاعَ صاحبه

وعن مكارم الأخلاق قال :

لما عفوت ولم أحقد على أحد *** أرحت نفسي من هم العداوات

إني أحيي عدوي عند رؤيتـه *** لأدفع الشــر عـني بـالتحيــات

وأظهر البشر للإنسان أبغضه *** كما أن قد حشى قلبي محبات

الناس داء وداء الناس قربهم *** وفي اعتـزالـهم قطـع المـودات

ومما لاشك فيه أن لشعر الشافعي معانِ وحكم يحتذى بها في تعلم الكثير
ومما لاشك فيه أن لشعر الشافعي معانِ وحكم يحتذى بها في تعلم الكثير
، وكيف للإنسان أن يستعين بها في حياته للخروج من أحلك الظروف حتى الوصول لما يربوا ويصبوا إليه وتحقيق النجاح الكامل لنفسه وللمجتمع. فالشافعي يقدم لنا أقوالا لو أخذت بها الأمة اليوم لاختلف حالها.

ومن ذلك:

عليك بتقوى الله ان كنت غافلا *** يأتيك بالأرزاق من حيث لا تدري

فكيف تخاف الفقر والله رازقا *** فقد رزق الطير والحوت في البحر

ومن ظن أن الرزق يأتي بقوة *** مـا أكـل الـعصفـور مـن النسـر

نزول عـن الدنـيا فـأنك لا تدري *** إذا جن ليل هل تعش إلى الفجر

فكم من صحيح مات من غير علة *** وكم من سقيم عاش حينا من الدهر

وروى الذهبي في السير عن الربيع بن سليمان قال: كان الشافعي قد جزأ الليل، فثلثه الأول يكتب، والثاني يصلي، والثالث ينام. فما أحوج أمتنا اليوم إلى مثل هؤلاء العلماء الذين عملوا على على بناء الأمة وفي قلبها الإنسان.

اضافة تعليق